العنوان لماذا تشن الحرب على الخطباء في المساجد؟
الكاتب المهدي المغربي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1988
مشاهدات 84
نشر في العدد 884
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 27-سبتمبر-1988
- بفضل الصحوة الإسلامية استعادت خطبة الجمعة دورها واكتسبت أهمية خاصة وأقبلت عليها جماهير المصلين إقبالًا لم تشهد له مثيلًا في العقود السابقة.
لماذا الهجوم على الخطبة الجمعية بمناسبة وبغير مناسبة؟ ولماذا تتوالى الحملات على خطباء المساجد فيتعرضون للنقد والتجريح حينًا وإلى التحقير والسخرية والازدراء حينًا آخر وإلى الإيقاف والتتبعات العدلية حينًا ثالثًا؟ لماذا لا يفض الاشتباك بينهم وبين من يناصبهم العداء؟ هل أصبحت خطبة الجمعة مثيرة للقلق، مثيرة للمشاكل؟ وأية مشاكل هذه التي تثيرها؟ ومما يخشى أولئك الذين يهاجمون بعض الخطباء ويلفقون لهم التهم أحيانًا؟
أسئلة كثيرة لا تجد الإجابة عنها إلا في ازدياد الوعي الديني لدى الخطباء ولدى جمهور المصلين وفي الصحوة الإسلامية الآخذة في النمو والتي لا تعرف التوقف.
الصحوة الإسلامية تعيد للخطبة الجمعية دورها وأهميتها:
إذا جاء حين من الدهر أصبحت فيه الخطبة الجمعية كلامًا تقليديًا مكررًا يعاد كل يوم جمعة لملء الفراغ فيبعث في المصلين السآمة والملل وأصبح فيه الخطباء يرددون في خطبهم تقريبًا نفس العبارات التي حفظوها عن ظهر قلب ويتعرضون لمواضيع عفا عنها الزمن ولم تعد تثير أحدًا وإذا كان معظم الخطباء في السابق يهربون من مواجهة مشاكل العصر وتحدياته ويتجنبون الدخول في حوار بناء مع المعطيات الثقافية والعلمية والسياسية والاجتماعية التي يعايشونها والمتجددة بمرور الأيام وإذا كان بعض الخطباء يهادنون أصحاب النفوذ ويرددون مقولاتهم تملقًا أو خوفًا فإن الوضع اليوم لم يعد كما كان عليه من قبل. لقد فعلت الصحوة الإسلامية فعلها ونفضت ما تراكم من غبار على خطبة الجمعة لتعيد لها بريقها الأول ولتعيد لها شيئًا فشيئًا. دورها الرائد الذي عرفته على أيام الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وفي العصور الأخرى سواء تلك الزاهية منها أو التي حلت بالأمة فيها المحن وحاقت بها الأخطار. إننا عندما نستقرئ التاريخ الإسلامي نجد أنه كان للخطبة الجمعية دور هام وخطير وأنها لم تكن مقصورة على الشؤون الدينية البحتة بل لقد كان المنبر منبر جهاد بالدرجة الأولى حيث كثيرًا ما كان الخطيب يتعرض لأحوال الأمة والوضع في البلاد الإسلامية أو في منطقة من مناطقها فيطلع المصلين على حقيقة الأمور ويرشدهم إلى ما يجب عمله وينبههم إلى الأخطار المحدقة بهم ويستثير فيهم روح الجهاد دفاعًا عن أوطانهم وانتصارًا لدينهم.
وها هي الخطبة الجمعية تستعيد اليوم دورها ويعود لها أثرها فتكتسب أهمية خاصة لا سيما بعد أن كثرت المساجد وتضاعف عددها في العديد من البلدان والمدن الإسلامية وبعد أن أقبلت عليها جماهير المصلين إقبالًا لم نشهد له مثيلًا في العقود السابقة وتدفقت عليها موجات الشباب العائد إلى حظيرة الإسلام بفعل الصحوة.
لماذا تحاصر خطبة الجمعة؟
بعد أصبحت المنابر منطلقًا من منطلقات الدعوة ودعامة من دعائم الصحوة وبدأ التغيير يصل إلى فحوى الخطبة ويمس لغة الخطيب فيشد اهتمام الناس ويعبر عما يختلج في نفوسهم حتى أن الاستماع إلى الخطبة مرة واحدة في الأسبوع لم يعد يروي الظمأ ويشفي القليل فتعززت الخطبة بحلقات الدروس في المساجد وطبعت بعض الخطب على أشرطة الكاسيت والفيديو وتناقلتها الأيدي المسلمة بكل لهفة من مكان إلى مكان وأحيانًا من بلد إلى بلد بعد كل هذا وإزاء هذا الوضع الجديد أوجس أعداء الإسلام من حملة الأفكار المستوردة وممن استلبهم الفكر الشرقي أو الغربي خيفة من خطبة الجمعة وأثرها المقوض لكل المبادئ والأفكار الغريبة عن ديننا الحنيف. لقد شعر هؤلاء بأن المنبر قد عاد له دوره الخطير وأصبحت الكلمة المسؤولة التي تقال من فوقه تهدد باكتساح معاقل الفساد وتنذر بأسلمة كافة نواحي الحياة وانتبهوا إلى أن المنبر قد عاد له دوره الإعلامي الخطير باعتباره وسيلة اتصال بالجماهير، جماهير المصلين التي تعد بالملايين وبالتالي فإن هذه الوسيلة الإعلامية ترقى في أهميتها إلى مستوى الإذاعة والتلفزيون والصحافة لا سيما وأن الخطبة الجمعية لها قداسة خاصة وأن الرسول أمر بالإنصات الجيد للخطيب حتى أن من يكلم أحد أثناء الخطبة يعتبر قد لغى ومن لغى فلا جمعة له.
ومن هنا نفهم لماذا هب أعداء الإسلام إلى التضييق على خطباء المساجد ومحاصرة الخطبة الجمعية ظانين أنهم بذلك سيوقفون من الصحوة وسيعيدون الخطابة في المساجد سيرتها السابقة وأبرز مظاهر ذلك الحصار في السنوات الأخيرة يتمثل فيما يلي:
1 - التنظير لقصر الخطبة على الشؤون الدينية البحتة:
بدأ الخائفون من النهج الجديد الذي بدأت تنتهجه الخطبة الجمعية بإثارة الجدل حول مفهوم خطبة الجمعة ومضمونها وحدودها محاولين بذلك إيهام السلطات وإيهام الرأي العام بأن الخطباء يخوضون فيما لا يحق لهم الخوض فيه ويتناولون من المواضيع ما يتجاوز حدود الخطبة الجمعية مدعين أن خطبة الجمعة لا يجب أن تتجاوز الحديث عن الجنة والنار وعن الترغيب في عمل الخير والترهيب من عمل الشر وعما له صلة بالعبادات كمقادير الزكاة وكفارة الذنوب وما شابه ذلك وهذا كلام حق أريد به باطل لأن غاية أصحابه عزل المسلم عن محيطه وعما يعايشه من أحداث سياسية قريبة أو بعيدة لا شك أنه يتأثر بها ويتفاعل معها. إن هؤلاء المنظرين الجدد للخطبة الجمعية يثيرون من جديد المقولة اللاتينية المكرورة وتعني بها الفصل بين الدين والدولة لأنه حسب رأيهم الدين لله والدولة للجميع ومن الطريف أنهم يتحججون بالقرآن أحيانًا فيقولون مثلًا إنه لا يوجد بالقرآن أي بيان لنهج سياسي يتبع وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ويبين لنا من الذي يحكم وكيف يحكم وكيف تحدد مسؤولياته وما هي حقوق شعبه عليه إلى غير ذلك من الأسئلة ثم يضيفون بأن سكوت القرآن عن ذلك إنما هو مقصود لأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يكون للخلق الحرية والحق في اختيار من يحكمهم ويسوسهم بحسب ظروفهم التي تختلف من مكان إلى آخر ومن زمان إلى آخر ومن هنا يسهلون على أنفسهم عملية محاصرة الخطبة الجمعية وادعاء أن ما يتناوله هذا الخطيب أو ذاك هو شأن سياسي لا يجوز له الحديث فيه من فوق المنبر لأن له ساحات أخرى يثار فيها وكثيرًا ما كان هذا التنظير مدخلًا سهلًا لمؤاخذة بعض الخطباء وإيقافهم وحتى سجنهم.
2 - التشويش على الخطباء وإثارة القلاقل في المساجد:
يلجأ أعداء الإسلام أحيانًا إلى طرق حقيرة لمحاصرة الخطبة الجمعية فيدسون العناصر المشبوهة بين المصلين ويدفعونهم إلى التشويش على الخطيب ومقاطعته بل يصل بهم الأمر أحيانًا إلى إنزاله من فوق المنبر مما يحدث القلاقل في المسجد ويذهب اطمئنان المصلين وخشوعهم وأمنهم كذلك وقد حدث ذلك أكثر من مرة مع الخطباء المنتمين لحركة الاتجاه الإسلامي في تونس في عهد الرئيس السابق بورقيبة.
3 - عزل خطباء وتعيين آخرين:
عندما لا يفيد التشويش ولا تأتي التهديدات المقنعة والسافرة بنتيجة فيواصل الخطباء بجرأة وشجاعة كشف بؤر الفساد وانتقاد الظواهر السيئة في مجتمعاتهم وإبراز الحقائق والوقائع كما هي دون رتوشات واضعين أصابعهم على الأدواء التي أصابت الأمة مبينين حكم الدين في كل قضية أو مسألة مطروحة فإنهم عندئذ يتعرضون للعزل ويستبدلون بخطباء آخرين من ضعاف النفوس الذين لا يعصون أوامر سادتهم الذين نصبوهم في مناصبهم وتراهم يستغلون المنابر لكيل المديح والثناء لمن لا يستحقه ولإلباس كل ما يصدر عنه لباس التقوى والتدين وقد حدث ذلك العزل مع أكثر من خطيب في أكثر من بلاد إسلامية ومن الأمثلة على ذلك عزل الشيخ عبد الحميد كشك والشيخ المحلاوي في مصر ولم يكتف بذلك معهما بل أدخلا السجن سنة 1981م و1982م ومن الأمثلة أيضًا على عزل الخطباء وإيقافهم في مصر إيقاف الشيخ يوسف البدري خطيب مسجد سوق الآخرة وفي المغرب العربي أوقف الشيخ عبد الرحمن خليف خطيب مسجد القيروان بسبب انتقاده لدخول السياح إلى مسجد القيروان بخيولهم لتصوير فيلم أجنبي.
4 - سن القوانين الظالمة التي تستهدف الخطباء وتلفيق التهم لهم:
حتى تكتمل حلقة التضييقات عهد المناهضون للحركة الإسلامية والخائفون من الصحوة إلى إصدار قوانين ظالمة عباراتها مطاطة وغايتها حبس الخطباء بعد تلفيق التهم لهم ومن ذلك القوانين التي أصدرها السادات ونورد منها مثلًا المادة 98 من قانون العقوبات التي ابتكرتها حكومة السادات ونصها كالآتي: «يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تتجاوز خمس سنوات أو بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تتجاوز ألف جنيه كل من استغل الدين في الترويج أو التحبيذ بالقول أو بالكتابة أو بأية وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي» وقد ثار العلماء المسلمون على مثل هذه القوانين وطالبوا بإلغائها لأنهم اعتبروها غير معقولة وبقول الشيخ محمد الغزالي معلقًا على القانون المذكور آنفًا: «صحيح أن خطبة الجمعة يجب أن تبتعد عن الإهانات الشخصية والتعليقات السياسية المسفة ولكن الخطبة لا يجوز إبعادها عن تقييم الأعمال العامة بموضوعية» ثم يضيف «والمادة 201- يقصد مادة من مواد القانون الساداتي المذكور آنفًا» ترى أن الذم في الحكومة أو حتى في عمل من أعمال جهات الإدارة العمومية يدخل في قائلها تحت طائلة العقاب وعلى ذلك يمكن حبس إمام المسجد إذا تناول بالتوبيخ انفجار مواسير المجاري!! أو انتقد تقصير الإدارة في ترك القمامة تملأ الطرق!! وهاجم الأغاني الخليعة أو رأى في بعض التشريعات أنها تتصادم مع الفقه الإسلامي أو انتقد تصرف مسؤول أخطأ في حق الشعب».
ولقد تم فعلًا تطبيق مثل هذه القوانين ورفعت القضايا العدلية بحق الخطباء وزج ببعضهم في السجن ودفع بعضهم الغرامات.
كيف يفشل الخطباء الحصار؟
لا يمكن للحصار أن يفك وتفشل أهدافه إلا إذا اتسعت دائرة الوعي لدى الخطباء أنفسهم وتسلحوا بقدر كبير من العلم والمعرفة وكانوا على دراية واسعة واطلاع شامل بما يدور حولهم علاوة على تضلعهم في علوم الدين وحذقهم لأسلوب الخطابة حتى يفلتوا من الشراك الذي ينصب لهم وحتى لا ينزلقوا مع أهوائهم الشخصية وميولهم العاطفية فينحرفوا عن القصد السامي للخطبة الجمعية ولا يمكن للحصار أن يفك وتفشل أهدافه إلا إذا تجرأ الخطباء في الحق وتشجعوا في الأصداع بما يرضي الله ويرضي الضمير وحملوا أمانة الكلمة وأمانة المنبر كاملة.
فهل يأتي اليوم الذي يدرك فيه أعداء الإسلام أن حصارهم للخطبة الجمعية فاشل وأنهم مهما حاولوا عرقلة المسيرة الإسلامية فلن يفلحوا؟
وهل يأتي اليوم الذي نرى فيه كل المنابر في بلادنا العربية والإسلامية- وما أكثرها- مستغلة أحسن استغلال فيستفيد منها المسلمون وتحركهم من أجل قضاياهم المصيرية وصياغة مستقبلهم المنشود؟