العنوان لماذا ينتحرون؟
الكاتب د. حمدي حسن
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1990
مشاهدات 73
نشر في العدد 948
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 02-يناير-1990
مع
اليسار
لماذا ينتحرون؟
نعم
مات الأستاذ نجيب سرور منتحرًا، لكنه لم يكن أول اليساريين في قائمة الانتحار فقد
سبقه لهذا الشرف كثيرون.
وإنها
لظاهرة تستحق الدراسة فعلًا ظاهرة انتحار اليساريين. وأظن أن على علماء النفس أن
يكونوا أكثر اهتمامًا بانتحار اليساريين من اهتمام أضرابهم علماء الحيوان بانتحار
الحيتان! لماذا ينتحرون؟
هل بلغت حرارة الثورية في دمائهم حد الانفجار،
هل هو الرفض المطلق للثابت والمألوف طال الرسالة والمظروف؟ هل هي ثورة حتى على
الذات وحتى على الحياة في أجساد الثائرين؟ هل هي رفض للحياة حتى في مدارها الخلوي
العضوي البحت؟ هل تمادت حركة الرفض فيهم حتى طالتهم هم فصاروا يرتضون حتى وجودهم
ويكرهون حتى أنفسهم ويحقدون حقدًا أحمر حتى على شخوصهم. نعم كل ذلك.. إنه اليسار
حركة بعكس حركة الحياة، حركة تعكس عقارب الساعة انها سباحة ضد التيار ومشي للوراء
ظهريًا ضد حركة التاريخ. إنها ردة فطرية ردة فكرية وشعورية ونكوص إلى عالم المادة
والحيوانات إنها حركة رجعية في تيار الحياة التقدمي مهما ادعى أصحابها أنهم دعاة
تقدم. وحركة الحياة لا تجيز حتى التوقف فضلًا عن الارتداد.
توقفت
استبقي الحياة فلم أجد
لنفسي حياة غير أن أتقدما
إنهم
يجنحون للانتحار كالحيتان المريضة على شواطئ الحياة لأنهم ثمر خبيث لشجرة خبيثة
اجتثت من فوق الأرض التي زرعت عليها أول مرة وما لها من قرار. فالشيوعية ذاتها
كعقيدة قد انتحرت على مسقط رأسها المشؤوم وعلى يد أبنائها الحمر البررة «غورباتشوف
وشركاه». فلا عجب أن ينتحر اليساريون لكن العجب أن في بلادنا من هم ملكيون أكثر من
الملك، يصرون على الاتجار بالبضائع الفاسدة أكثر من المصانع التي أنتجتها ويصرون
على ترويج السموم أكثر من الثعابين ويصرون على التداوي بمفرزات الأجانب رغم
روائحها النتنة. ملكيون أكثر من الملك ولو داس الملك تاجه بقدميه وحطم صولجانه
بيديه أمام أعينهم، ويوم لا تتحمل فطرتهم ما ينثرون من سموم ولا تتحمل أعصابهم ما
يروجون من حاقات فإنهم ينتحرون.
- على
رسلكم أيها الثوار
إن
بلادنا الخضراء لا تقبل أبدًا أن يرفرف عليها علم أحمر.. هنالك رفض مناعي حيوي في
دمائنا لكل فكر دخيل وشعوبنا محصنة وراثيًا ومناعيًا ضد هذا الخلط الفكري الغريب
وستجهض كل جنين سفاحي مستورد قبل ولادته.
إنها
بلاد محجوزة مسبقًا لله.. فليبحث الطواغيت الحمر عن بلاد أخرى يزرعون فيها مناجلهم
ومطارقهم لتنبت سنابل خضراء وجنات غناء.
ولكن
إلى أين سيذهبون بعد أن أخرجهم الرفيق غورباتشوف حتى من موسكو؟ ليذهبوا حيث شاءوا..
ليذهبوا إلى الجحيم.. لقد كانت تجربة قاسية في رصيد البشرية على مدى قرن من الزمان.
كلفت البشرية الكثير من الدماء والأرواح
والعناء حتى سقطت في محك العمل والتطبيق، ولكن هل تعتبر الشعوب وتعرف معالم الطريق
أم أنها تصر على التجريب والسقوط والانتحار على طريقة اليسار.
د. حمدي حسن
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل