; ليست فتنة وإنما هي جريمة | مجلة المجتمع

العنوان ليست فتنة وإنما هي جريمة

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1990

مشاهدات 69

نشر في العدد 965

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 08-مايو-1990

  • من يحاسب عناصر التحريض والتهييج والإثارة في الصحافة المصرية؟

يعلم الناس في كل بقاع الأرض أن المصري المسلم رجل مسالم، لا يميل إلى العنف، ولا يحب الشر، ولا يستجيب لدواعي الاستفزاز إلا إذا كان الأمر جللًا والخطب عظيمًا، ثم إن بينه وبين الشرطة ما يجعله يتفادى كل سبيل يؤدي إليها ويتصل بها، فقد عرف منذ الاستعمار الانجليزي أن الاحتكاك بالعساكر عاقبته وبيلة وشره مستطير، ومن ثم يفضل المصريون أن يحلوا مشكلاتهم بعيدًا عن الشرطة وقوانينها! بالرغم من أن أفراد الشرطة أبناؤهم وأقاربهم وأصدقاؤهم.

التطرف النصراني

وعندما عرف الناس أن هناك ما يسمى بفتنة طائفية في بعض مدن الصعيد، تأكدوا أن المسألة ليست طبيعية، وأن ما أشيع عن معارك وخسائر وقتلى، يعني أن هناك استفزازًا فوق الطاقة، لم يملك وزير الداخلية إلا أن يشير إليه لأول مرة في بيانه أمام مجلس الشعب وأن يقول: «إن هنالك تطرفًا على الجانب النصراني يعتمد على الشائعات حول التسليح، مع ممارسة الأعمال المنافية للآداب»!

المسألة إذن فيها استفزاز متعمد مع سبق الإصرار، واستغلال رخيص لوضع الدولة وارتباطاتها المحزنة مع دول الغرب وأمريكا، وانتهازية فجة تعبر عن نفسها من خلال الدعاية السوداء التي تقوم بها القوى الصليبية الشريرة في الغرب وبعض أبناء الطائفة في المهجر.

الصحافة تتولى الإثارة والتهييج ضد المسلمين

ومع وضوح هذا الأمر فإن كبش الفداء كان ما يسمى بالجماعات الإسلامية.. قبض على الكثيرين، وأهين الكثيرون.. ثم انهالت عليهم مقالات السوء من كتّاب السلطة، وكتاب النصارى المتعصبين في معظم المؤسسات الصحفية وصحفها اليومية والأسبوعية والشهرية أيضًا، فضلًا عن كتاب الصحف اليسارية الانتهازية.

لم يكتشف القوم بعد أن المسألة تجاوزت حدود ما يسمى بالجماعات الإسلامية أو الملتحين إلى جموع المصريين وعامتهم، وهم الذين اشتبكوا مع عناصر التطرف النصراني ودافعوا عن وجودهم المستباح بالاستفزاز والحصانة الطائفية وعداء السلطة التقليدي للمتدينين! وكان ما كان من ضحايا مسلمين، وممتلكات مدمرة، وأحزان لا یدري أحد متى تنتهي.

عناصر التهييج والإثارة لم تكن في خطب المساجد ومنشورات أمراء الجماعات الإسلامية أو المتطرفين كما يسمونهم، وإنما جاءت هذه المرة من القاهرة، من خلال أكبر المنابر الصحفية: الأخبار وروز اليوسف وأخبار اليوم وصباح الخير والأهالي والمصور والجمهورية ووطني وغيرها.. وصال الكتاب النصارى وجالوا في التحريض والتهييج ضد الإسلام والمسلمين، بل وصل الأمر ببعضهم إلى الحديث في مانشيتات عريضة عن تهجير النصارى وتغيير أسماء القرى النصرانية وطوفان التطرف الإسلامي، واتهام الشرطة بالخضوع لجماعات التطرف، ووصل الاتهام إلى شخص وزير الداخلية وإن كان صاحب الاتهام قد تراجع سريعًا وعاد إلى الإشادة بالوزير، وكأن القوم ينادون على من يعنيهم الأمر في أوروبا وأمريكا، هيا تعالوا وأنقذوا النصارى من الإرهابيين المسلمين المتوحشين.

كان غريبًا أن تصل جرأة الكتاب النصارى إلى جرح الشعور الإسلامي العام، ثم الكذب المفضوح بتلفيق الأخبار والأحداث التي تضخم ما جرى، وتنقل ما جرى من مجرد أحداث قد تجري بين بعض العائلات إلى حرب يشنها المسلمون الأشرار ضد النصارى الودعاء!

اليساريون يركبون الموجة

أي إسفاف وأي ابتذال وأي جرأة على الحق والتاريخ والنصرانية جميعًا؟ ما معنى أن يقول اليساريون التقدميون: إن جامعة المنيا تتخصص في تخريج المتطرفين المسلمين؟ وما معنى أن يكذب اليساريون التقدميون ويقولون: إن محافظة المنيا بكل هيئاتها وموظفيها الكبار والصغار يخضعون لحكم المتطرفين؟

ثم ما معنى أن ينتهز اليساريون الفرصة للمطالبة بعودة منظمة الشباب التي أنشأها المهزوم الراحل لتخريج الكوادر الشيوعية الخائنة لدينها ووطنها؟ لا ريب أن وراء الأكمة ما وراءها.

دور أمريكا في الفتنة

ونحن نعلم أن حوادث ما يسمى بالفتنة الطائفية، لم تتزايد، إلا يوم أن طالب المسلمون باستعادة هويتهم التي سرقها جمال عبد الناصر وباعها قربانًا للأشرار في الغرب الشيوعي.. ونعلم أن الولايات المتحدة وجهات أخرى تفرض على مصر المسلمة أن تتخلى عن إسلامها وشريعتها من أجل رغيف الخبز المسموم، وفي المقابل تدعم التطرف النصراني معنويًّا وماديًّا، ويكفي أن البيت الأبيض يستقبل الأنبا شنودة كما يستقبل رؤساء الدول، بل إنه يعتبره الرأس الثاني في حكم مصر، وقارنوا هذا بما يحدث مع شيخ الأزهر! ولعل هذا ما دفع التطرف النصراني إلى الوقاحة والتبجح في المطالبة بعلمنة الدولة، في مقالات مكتوبة وكتب منشورة.. ولا نعرف هل يستقيم هذا المنطق مع منطق الديمقراطية؟ وهل يعني منطق الديمقراطية أن يخضع أكثر من ٩٥٪ من المسلمين الأغلبية لأقل من ٥٪ من النصارى الأقلية؟

إن فرنسا الديمقراطية لا تسمح للأقلية المسلمة هناك بأن تمارس حياتها وفقًا للشعائر الإسلامية فضلًا عن المشاركة في السلطة.. وقام الصليبيون الفرنسيون من خلال ما يسمى باليمين الفرنسي بقتل قرابة أربعمائة مسلم في حوادث يشيب لهولها الولدان، ولم تقم قيامة الصحافة المصرية ولم نسمع من الكتاب النصارى في بلادنا أي استنكار للإجرام الصليبي هناك.. فكيف سمحت لهم أنفسهم أن يقوموا بالتحريض على الفتنة والتهييج والإثارة في بلادنا؟

لو لم يكن للكتاب النصارى حصانة طائفية لقدمهم النائب العام للمحاكمة بتهمة الإضرار بأمن الدولة ومصالحها العليا ولوقف موسى صبري وفيليب جلاب وميلاد حنا وسعيد سنبل ولويس جريس وغالي شكري وماجد عطية وأنطون سيدهم أمام القضاء العادل لمحاسبتهم على الترويج للروح الصليبية بين النصارى ومهاجمة عقيدة الأمة وشريعتها بدافع التعصب والتبعية للغرب.. وللأسف فإن حكومتنا، تكاد تكون الحكومة الوحيدة على ظهر الأرض التي أعطت للأقلية حصانة طائفية لا تحصل عليها الأغلبية الساحقة.

يكفي أن الحكومة المصرية أعادت الأنبا شنودة إلى كرسيه بالرغم من إدانة المحاكم له في شتى درجاتها. ولم تعد الشيخ كشك إلى منبره بالرغم من تبرئة المحاكم له في مختلف مستوياتها.

ويكفي أن الحكومة المصرية عينت وزيرًا في وزارة الخارجية منذ ثلاثة عشر عامًا، لم يراع مشاعر الأغلبية المسلمة أبدًا، بل كان إصراره على جرحها واضحًا عندما يتكلم عن أولاد الأفاعي في فلسطين، أو اليهود المهجرين إليها، أو إرتيريا المسلمة.. بل إنه لم يصدر في حياته تصريحًا واحدًا مؤيدًا لشعبنا المسلم المجاهد في أفغانستان! هل هناك وزير مسلم واحد في فرنسا أو إنجلترا؟ وهل يستطيع هذا الوزير إن وجد أن يفعل مثلما يفعل بطرس غالي؟

إن السماحة التي تعيشها مصر، ينبغي أن يفخر بها المصريون جميعًا.. أما أن يستغلها البعض لإشاعة الروح الصليبية بين النصارى وإخراجهم عن طبيعتهم ومنهجهم الذي عرفته مصر منذ القدم فهذا هو الإجرام بعينه ويجب مواجهته بالقانون وفرض هيبة الدولة وسيطرتها.

تزوير الحقائق لا يفيد

إن الاكتفاء بالقول: إنها فتنة يشعلها المتطرفون «المسلمون» كذب صراح على الله والناس، ينبغي العدول عنه، ومعالجة الأمور في إطارها الصحيح.

إننا لا نشك أن أجهزة الدولة المعنية لديها من المعلومات والحقائق ما يغني عن كل قول وكل حديث.. فالتطرف النصراني ليس وليد اليوم، ولم ينبت في أبوقرقاص وحدها، ولا يستخدم الشائعات أو سلاح الانحراف الخلقي فحسب، ولكنه مرض أصاب الأمة منذ عهد الثورة المباركة ويزداد حدة في أيامنا بحكم ما تواجهه الدولة من ضغوط وأزمات.. وأعتقد أن استئصال المرض خير وأبقى من محاربة الإسلام وتطبيق الشريعة والمتدينين، فهذه الحرب محكوم عليها بالفشل الذريع، ولن ترضي الولايات المتحدة أو غيرها.. لأن الذي يرضيها هو استئصال الإسلام من مصر، وهو المستحيل بعينه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف:8).

حاشية:

أقام مواطن نصراني دعوى أمام المحاكم المصرية ليحصل على فوائد تأخير ربوية قدرها 24 جنيهًا من جامعة الأزهر، وعرضت عليه الجامعة ٣٠٠ جنيه كتعويض بدلًا من الفوائد.. ولكن المواطن النصراني أصر على الفائدة وهي أقل بكثير من التعويض، ومازال الأمر معروضًا على القضاء، أليس في هذا الإصرار دليل على فكرة في ذهن المواطن النصراني تعني تحدي المشاعر الإسلامية وإذلال أكبر هيئة تمثل الإسلام في مصر؟ وهل كان هذا المواطن يستمر في تحديه واستفزازه ما لم يكن معه ضوء أخضر من زعمائه وموجهيه؟ ما رأي أهل التطرف النصراني في الصحافة المصرية؟

الرابط المختصر :