العنوان مؤتمر المصالحة الصومالية: نقاش ساخن في مسائل مصيرية
الكاتب مصطفى عبدالله
تاريخ النشر السبت 26-أبريل-2003
مشاهدات 47
نشر في العدد 1548
نشر في الصفحة 34
السبت 26-أبريل-2003
يشهد مؤتمر المصالحة الصومالية المنعقد في كينيا نقاشًا ساخنًا فيما تمر مرحلته الثانية بأيامها الأخيرة، أما أبرز النقاط التي يدور حولها النقاش فهي عدد نواب البرلمان الانتقالي المزمع تشكيله والجهة التي تختار هؤلاء النواب ومدة الفترة الانتقالية، ونوع الدولة المقبلة، وقد تكونت تحالفات ائتلافية يتبنى كل واحد منها مواقف معينة حيال تلك المسائل.
ومن المقرر أن تحسم هذه المسائل في الأسبوع الأول من شهر يوليو، بعدها ينتقل المؤتمر إلى مرحلته الثالثة والأخيرة، ويتم فيها مناقشة تقاسم السلطة بين الأطراف الصومالية المتنازعة، وتشكيل مؤسسات الدولة في الفترة الانتقالية من برلمان ورئيس وحكومة تتسلم المسؤولية من الحكومة الانتقالية الحالية التي تنتهي مدتها بعد أسابيع.
شكل الدولة المقبلة
منذ منتصف العقد الماضي، يدور النقاش حول الشكل المناسب للجمهورية الثالثة للدولة الصومالية، هل تكون دولة موحدة أم فيدرالية، وإذا تم اختيار النموذج الأول، فكيف تكون العلاقة بين المركز والمحافظات، وعند اختيار النظام الفيدرالي كيف يكون ذلك النظام وما الأسس والمعايير التي تحدد عدد الولايات التي ستتكون منها الفيدرالية.
وقد دار نقاش حاد في المؤتمر حول الموضوع وظهرت فكرتان متباينتان أولاهما تقول إن العمل بالنظام الفيدرالي يحتاج إلى استفتاء شعبي، وهو أمر لا يمكن تحقيقه خلال الفترة الانتقالية، ولذلك يبقى الصومال دولة موحدة لا مركزية في المرحلة الانتقالية، وبعد حل الأزمة الحالية، يمكن عرض القضية للشعب عبر الاستفتاء؛ ليختار ما يراه مناسبًا؛ لأن الشعب الصومالي اختار نظام الدولة العدد 548 مؤتمر السلام الصد الموحدة في استفتاء عام ١٩٦١م.
وتتبنى هذه الفكرة في المؤتمر غالبية الأطراف الصومالية والدولية، والحكومة الانتقالية، وعدد من الفصائل المسلحة، وغالبية المثقفين والمجتمع المدني، وكذلك خبراء دوليون يساعدون اللجان الصومالية من الناحية الفنية.
وترى الفكرة الثانية أن يبدأ تطبيق النظام الفيدرالي في الفترة الانتقالية، وتتبنى هذا الرأي فصائل غالبيتها موالية لإثيوبيا، ونزر يسير من المثقفين والمجتمع المدني، إضافة إلى الطرف الإثيوبي في يحدد هذا الطرف المؤتمر، ومع ذلك لم يحدد رسميًّا الأسس والمعايير التي تنبني عليها الولايات الفيدرالية ويظهر من خلال المناقشات أن العشائرية تلعب دورًا محوريًّا في ذلك.
ولا شك أن الأطماع الإثيوبية تلعب دورًا محوريًّا في المسألة؛ إذ إن البرنامج الإثيوبي حيال الصومال يرتكز على تقسيمه إلى كانتونات صغيرة على أسس
عشائرية تدور في فلك إثيوبيا، وبذلك يتحقق الحلم الإثيوبي بأن تكون الدولة الإقليمية في القرن الإفريقي بلا منازع ولا إزعاج، وهو ما يرحب به المعسكر الغربي، ولذلك فإن الأطماع الإثيوبية والأقلام الأوروبية هي التي بلورت فكرة الفيدرالية في الصومال، وقد برزت فكرة الفيدرالية منتصف التسعينيات بعد الفشل المتكرر المؤتمرات تصالحية عدة لحل الأزمة الصومالية، وتطورت إلى برنامج مكتوب عام ۱۹۹۸م بصدد إفشال اتفاق السلام المنبثق عن مؤتمر المصالحة الصومالية في القاهرة أواخر عام ۱۹۹۷م، وظهرت الفكرة ضمن برنامج إثيوبي للمصالحة الصومالية سمي بـ:
The New Approach for Somali Reconciliation
وعلى هذا المنوال نسج خبراء بريطانيون من الجامعات البريطانية بدائل عدة لشكل الدولة الصومالية المقبلة، ومن هنا اكتسبت فكرة الفيدرالية تأصيلًا من الناحية النظرية، وبرنامجًا سياسيًّا من الناحية التطبيقية وفي مؤتمر المصالحة الصومالية في جيبوتي عام ۲۰۰۰م، نص الميثاق المنبثق عنه ينتقل CARTA JA على فيدرالية الدولة الصومالية بعد الفترة الانتقالية.
وقد تكون خبرة المجتمع الصومالي خلال الجمهوريتين الأولى والثانية بعد الاستقلال وبعد الحرب الأهلية الدامية، قد تكون مبررًا لتلك المناقشة أو على الأقل إثارتها وتهيئة نفسيات المجتمع لها، وذلك أن الحكومات المدنية في الجمهورية الأولى اتسمت بالضعف الإداري والفساد الحكومي المتفشي، ولم تحقق إنجازات تذكر في العاصمة فضلًا عن خارجها، أما النظام العسكري في الجمهورية الثانية، فقد اتسم بشمولية مطلقة؛ إذ يتحكم الرئيس في جميع أمور البلاد ويديرها من مقره.
البرلمان الانتقالي
يدور النقاش حول عدد نواب البرلمان في الفترة الانتقالية والجهة التي تقوم باختيارهم في وقت سابق، اتفق زعماء الأطراف الصومالية في المؤتمر على أن يكون عددهم (٤٥٠) نائبًا، ويتطلب الأمر عرض المشروع على الوفود للمصادقة عليه بالإجماع طبعًا.
وفي المرحلة الثانية للمؤتمر، تشكلت لجان ستة لبلورة القضايا الأساسية التي تتطلب المصادقة قبل تشكيل الحكومة ثم شكل رئيس المؤتمر، وهو المندوب الكيني لجنة فنية تتكون من كوادر صومالية متخصصة للتنسيق بين الاقتراحات التي تقدمت بها اللجان السنة واقترحت هذه اللجنة أن يكون عدد نواب البرلمان (۱۷۱) نائبًا، انطلاقًا من الحجم السكاني للصومال.
وانتقل النقاش رسميًّا للمؤتمرين منتصف يونيو، وظهرت فكرتان أولاهما أن يكون العدد ٤٥٠ نائبًا، والأخرى أن يكون العدد ما بين (۲۰۰ -۲۰۰۰) نائب، وتدخلت الأسرة الدولية في الأمر، واقترحت ألا يتجاوز العدد ٢٥٠ نائبًا، وأضاف مندوبو الأسرة الدولية في المؤتمر في بيان لهم: إن العالم مستعد أن يتحمل التكاليف الضرورية لتشغيل البرلمان الصومالي إذا كان عدده ٢٥٠ نائبًا، ولكن إذا قرر المؤتمرون أن يكون العدد ٤٥٠ نائبًا، فإن الأسرة الدولية لا تقدم لهم مساعدات مالية في هذا الشأن.
عدد كبير من النواب.. لماذا؟
المبررات الأساسية للعدد الكبير هي أنه يساعد في تخفيف أزمة الثقة في مجتمع دارت بينه حروب أهلية دامية بينما المبررات الأساسية للعدد القليل أن سكان الصومال قد لا يتجاوز عددهم عشرة ملايين والظروف الاقتصادية مع الاعتماد على المساعدات الخارجية لا تسمح بتحمل بهذا العبء، إضافة إلى الصعوبات اللوجستية والفنية التي ستواجه برلمانًا بهذا الحجم، وهذا لا يتناسب مع أمة تحاول النهوض من كبوتها.
ويدور نقاش آخر حول الجهة التي ستختار النواب، وقد ظهر رأيان في هذا الأمر، أولهما يرى أن يختار شيوخ العشائر النواب ما داموا يأتون عن طريق عشائرهم؛ لأن الشيوخ يمثلون الشرعية التقليدية للمجتمع، والشرعية الوحيدة القائمة في البلد بعد انهيار الشرعية المعاصرة التي جاءت بالانتخاب أو بالقوة، ومن ثم فلا مناص من شرعية شيوخ العشائر على غرار مؤتمر المصالحة في جيبوتي قبل ثلاثة أعوام ويتبنى هذا الرأي الحكومة الانتقالية وفاعليات المجتمع المدني في المؤتمر، وتميل غالبية مندوبي الأسرة الدولية في المؤتمر إلى هذا الرأي.
أما الرأي الثاني، فيرى أن يقوم زعماء الفصائل السياسية باختيار النواب بدلًا من رؤساء العشائر، ويتبنى هذا الرأي زعماء الفصائل جميعًا ومعهم إثيوبيا.
نقاش آخر يدور: هل تكتسب الوفود المشاركة في المؤتمر عضوية البرلمان مباشرة بمجرد مشاركتها في المؤتمر أم لا؟ وتفضل الفصائل الموالية لإثيوبيا هذا الرأي ومعهم المندوب الإثيوبي بينما ترفض الأطراف الصومالية الأخرى هذا الرأي، ومعها الأسرة الدولية.
مدة الفترة الانتقالية
كما يحتدم النقاش هل تكون الفترة الانتقالية ثلاث سنوات أم خمس سنوات ويتشبث بعض الفصائل الصومالية وأغلبها من المجلس الصومالي للمصالحة وإعادة الأعمار الموالي لإثيوبيا بأن تكون خمس سنوات، وتدير الحكومة المنبثقة عن مؤتمر المصالحة الجاري دفة الحكم خلال هذه المدة، وتعارض هذا الرأي الحكومة الانتقالية الحالية وبعض الفصائل وأغلبية المجتمع المدني والمثقفين وكذلك مندوبو الأسرة الدولية في المؤتمر، ويرون أن خمس سنوات مدة طويلة جدًّا لمرحلة انتقالية مهمتها الأساسية هي إعادة النظام والاستقرار والتهيئة للخروج إلى مؤسسات دستورية مستقرة، وأن ثلاث سنوات كافية لتحقيق ذلك.
هذه المسائل .. لا بد من حسمها قبل الانطلاق إلى المرحلة الثالثة بعد ذلك يدخل المؤتمر في أصعب مراحله على الإطلاق.