; ماذا وراء العلمانية في لبنان؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا وراء العلمانية في لبنان؟

الكاتب صادق عبدالله عبدالماجد

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مارس-1977

مشاهدات 89

نشر في العدد 342

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 22-مارس-1977

من جديد تعود إلى أرض لبنان الدعوات المقنعة التي تبدو على ظاهرها الرحمة الزائفة، وفي باطنها يكمن أشد العذاب. إليها تعود الدعوة إلى «العلمانية» كطرح سياسي يمكن أن يشيع السلام بين الطوائف في لبنان. وهي دعوة تمثل أصدق تمثيل واحدة من نقاط اللقاء الذي يجمع خبث الغاية ومكر الوسيلة بين الصليبيين واليساريين والباطنيين والرأسماليين؛ لأنها أولًا وأخيرًا تستهدف الإسلام وتعمل على كسر شوكة المسلمين. وهذا وحده في حساب كل أولئك، يكفي كمرحلة أولى في مجال التخطيط المشترك بينهم ضد القوى الإسلامية هناك؛ بل وفي كل مكان.

ومنذ أكثر من خمسة أشهر، وهذا الشعار المسموم يرتفع في لبنان، حين لاحت أولى بشائر الدعوة للسلام، إن كان حقًّا لسلام أن يقوم في بلد ما تزال كل القوى فيه تعمل على محاربة الله ورسوله! وكان آخر ما ورد في هذا المخطط المشترك، ما جرى به لسان البطريرك «خريش» رئيس الكنيسة المارونية في لبنان في حديث أجرته معه مجلة «الصياد» في عددها الأخير يوم الخميس الماضي ۱۷- ۳- ۱۹۷۷م قال فيه بالحرف: «إذا أردنا أن نبني لبنان جديدًا بصراحة وصدق، فلا حل أمامنا إلا العلمنة. أنا بطريرك ولا مانع عندي من قبول العلمنة. فإما أن يقبلوا بالعلمنة، أو أن يبقوا تحت وطأة الحلول الهامشية».

ويمضي «خريش» قائلًا: «والعلمنة تعني أن لا تتخذ الدولة دينًا رسميًّا».. وعندما يكون في بلد واحد مجموعة طوائف، فالاتجاه القومي يقضي بفصل الدين عن الدولة. وإذا أردنا الديموقراطية فهذه لا تكون ولن تكون في شكل صيغة سليمة بدون علمنة. ولذلك فليس أمامنا في لبنان إلا العلمنة». انتهى خريش.

وفوق هذا، فإن قادة فتح والجبهة الشعبية، قد أخذوا بدورهم يرفعون ذات الشعار الذي يؤملون به أن يقودوا فلسطين المستقبل! نعم إنهم يرفعون شعار «فلسطين ديموقراطية وعلمانية».

ومن قبل حاول أحد المنظرين في لبنان «الدكتور حسن صعب» في محاضرة ألقاها بدار الإفتاء بلبنان تحت عنوان «الإسلام يتوافق مع علمنة الدولة»، حاول تقريب هذا المفهوم المنافي للإسلام روحًا ونصًّا، إلى الأذهان، فإذا به كما يحاول الغريق النجاة من الغرق، يحاول التفريق بين «العلمنة» و«العلمانية» فيقول: «إن العلمنة لا صلة لها بالإلحاد، بل هي حرية الاعتقاد وعقلنة الحكم! وإننا نعني الحكم وتأنيسه أن تكون السيادة فيه للإنسان؛ أي للجماعة، أو للأمة، أو للشعب من حيث إنه هو مصدر جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية».

وهذا الذي يقول به البطريرك الذي يدرك في قرارة نفسه بأن المسلمين في لبنان «أضحوا أكثر من ٦٥ بالمائة من مجموع سكان لبنان» كما ورد على لسان كمال جنبلاط قبل مصرعه بيومين، هذا الذي ينادي به «خريش» إنما هو نوع من الالتواء الذي مرن عليه الصليبيون.. إنه يرفع هذا الشعار في الوقت الذي يمثل فيه المسلمون أكثر من ثلثي سكان لبنان.. إنه يريد لبنان دولة بلا دين! وإنه والحالة هذه لا بد من فصل الدين عن الدولة! وأنه لا ديموقراطية في لبنان إلا بعيدًا عن الدين!

أرأيتم كيف يتحرك الصليب ومتى يتحرك؟! أرأيتم إلى هذه المساواة التي يحاول فرضها البطريرك بين الإسلام والنصرانية، وبين المسلمين والنصارى، من حيث العقيدة والعدد، ليتخذ من هذا ذريعة وسببًا ينادي بموجبهما بإقصاء الدين عن لبنان؟

وما دام الأمر بمثل هذه المناجزة، إذن فليبدأ من النقطة الصحيحة.. وليرتفع من جديد شعار «الإحصاء» الذي نادى به المسلمون في لبنان قبل بداية الكارثة الأخيرة.. ولنضع لذلك الإحصاء كل الضمانات لنعرف «صراحة وصدقًا» أي كفة للمسلمين وأيها للنصارى! ولتكن الكلمة بعد ذلك للكفة الراجحة.. وسندرك يومذاك أن كل ما قاله البطريرك قد انهار من أساسه، وأن المناداة بالعلمنة إن هي إلا هروب من مواجهة هذه الحقيقة التي سوف تجعل الأمر كله في يد المسلمين، وأن «الدين» سوف يكون الأساس الذي يقوم عليه لبنان.. وأن الفصل بين الدين والدولة هو حقيقة تدركها المسيحية، وتدركها الكنيسة بالذات.. حقيقة يخجل التاريخ من أن يروي تفاصيلها ودقائقها! أما الإسلام، فلا شيء فيه مما ينادي به البطريرك، فهو دين الحياة في شمولها، ولن تستقيم الحياة وهذا الإسلام مفصول عنها.. والذين يبحثون عن الحياة المستقرة بعيدًا عن هذا الدين واهمون، حتى ولو أجمعت على غير هذا كل كنائس الأرض ودقت به آناء الليل وأطراف النهار أجراسها.

لبنان لن يستقر ما لم تضع الأغلبية الساحقة المسلمة فيه نفسها حيث وضعها الله.. والذين يحاولون أن يضعوا لبنان في غير موضعه هذا، مآلهم الفشل حتى ولو أضحى لبنان خرابًا ينعق في أرجائه البوم، فلسوف يأتي الله فيه بقوم يحبهم ويحبونه؛ أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين.

فليقبل البطريرك خريش ما شاء من العلمنة.. وليقبل ما شاء من فصل الدين عن الدولة.. أما المسلمون في لبنان وهم أصحاب الأغلبية فيه، فلن يتنازلوا عن شيء من كامل دينهم، وإنهم لمحققون كلمتهم هذه على أرض لبنان، إن عاجلًا أو آجلًا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل