; ماذا يجري في الجزائر الآن! | مجلة المجتمع

العنوان ماذا يجري في الجزائر الآن!

الكاتب فاروق أبو سراج الذهب

تاريخ النشر السبت 14-يونيو-2008

مشاهدات 74

نشر في العدد 1806

نشر في الصفحة 30

السبت 14-يونيو-2008

الجزائر :

ماذا يحدث في الجزائر هذه الأيام؟ وكيف يمكن قراءة تزاحم وتوالي بعض الأحداث الوطنية والدولية؟ هل من قراءة تركيبية تحليلية لفهم الارتباط المحلي والدولي بين هذه الأحداث؟

وحتى تكون أكثر دقة في تحديد مفردات التحليل نتساءل عن السر وراء إعادة طرح قضية الحجاب واللحية في حديث وزير الداخلية ووزير الاتصال، واشتراط نزعهما في بطاقات التعريف وجواز السفر وتبرير ذلك بالمصلحة الدولية للمواطن المحتقر في بلاده والأكثر استهجانا هو ربط ذلك بالعولمة والتغيرات الدولية وكأن العولمة عرفت لأول مرة في ولاية تيارت والتغيرات الدولية بدأت من« سوق أهراس»!!

ملفات الحجاب واللحية والتنصير للتغطية على الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية!

وثمة سؤال آخر عن خلفيات الحملة الدعائية في صحف بقايا التيار العلماني علي بلخادم الذي أعلن عن انطلاق قافلة فارس القرآن الكريم من ساحة الشهداء وهذه الساحة التي شهدت استشهاد 1آلاف مواطن جزائري في مجزرة الاستعمار الفرنسية بمسجد كتشاوة الذي حولته الإدارة الفرنسية إلى إسطبل، حملة بدأت من خلال إعادة إخراج شريط قديم ومشروخ يتضمن مفردات «إسلاموية»  بلخادم؟

ثم لماذا تثير نفس الصحف قضية حبيبة قويدري هذه المنتصرة التي القت عليها الشرطة القبض في ولاية تيارت وهي توزع أناجيل، وعندما قدمت للمحاكمة قالت نفس الأبواق إن ذلك يمس بحرية المعتقد والحريات الدينية التي برزت في الآونة الأخيرة على رأس التقارير الصادرة عن مراكز الدراسات الأمريكية حول الحريات الدينية في العالم والتي وصفت الجزائر بأنها من الدول التي تضيق على الأقليات المسيحية .

ومن خلال استخدام مفردة أقليات تظهر النية المبينة في إمكانية استغلال ذلك لتهديدات مستقبلية- الله يعلمها – وتقف وراءها كواليس التنصير في الجزائر وهذا الملف الذي بلغ درجة الإعلان عن القلق حيث كشفت التقارير المسوقة – ولا ندري مصداقيتها – أن عدد السكان الذين اعتنقوا المسيحية بولاية تيزي اوزو مثلا وصل إلى 3 آلاف وعدد الكنائس بها ارتفع إلى ٢٥ كنيسة تتوزع على عدد من الدوائر ٢٤ منها، تنشط دون اعتماد من السلطات الجزائرية بينما يبلغ عدد الكنائس على المستوى الوطني ٢٢ في انتظار رد السلطات على طلب اعتماد ۲۰ كنيسة أخرى.

 ومن جهة أخرى، وفي نفس السياق نجد تصريح وزيرة الدولة الفرنسية لحقوق الإنسان، والتي قالت وهي في زيارة للجزائر هذه الأيام راماباد: إن محاكمة حبيبة التي «اعتنقت المسيحية» أمر محزن ومثير للصدمة ويأتي ذلك في سياق استقالة القس «تيسي»، وتعيين الأردني غالب، على رأس أساقفة الجزائر وتكريم السفير الفرنسي على جهده وتعيينه رئيساً للمخابرات الفرنسية وليس غريباً ولا مستهجناً هذا التدخل الفرنسي – وقبله الأمريكي في شؤوننا الداخلية والخاصة فالأمر بالنسبة لهؤلاء محسوم ويعتبر استراتيجية تجسد بخطوات مرحلية مدروسة في ظل تنافس ثقافي وديني محموم على بلاد المغرب العربي وآخر فصول هذا التنافس هو الطلب الكندي وقبله الشيراكي بالدعوة إلى انضمام الجزائر إلى منظمة الفرانكفونية.

·        عالم اجتماع: مشكلة الجزائر تتمثل في غياب أخلاقيات وثقافة الدولة

وفي نفس هذا السياق تعاد صياغة المبادرة السياسية حول الدستور الجزائري حيث تحدثت بعض المصادر عن مقترح تعديل دستوري رفعه إلى السيد رئيس الجمهورية 17 عسكريًا جزائريًا يتضمن مفردات فتح العهدة وتعيين نواب للرئيس، مقابل إسرار بعض المصادر عن مبادرة أخرى ظلت طي الكتمان في مضمونها وأعلنت عنها سابقًا شخصيات جزائرية كان آية أحمد أحد موقعيها وفي غضون ما رشح من معلومات تتحدث بعض المصادر عن إعادة بعث المبادرة من جديد.

طبيخ على نار هادئة القراءة المتأنية لمثل هذه الأحداث ومن خلال مراجعة طبيعة النظام السياسي الجزائري يتبين لنا في قراءة أولية أن هناك شيئاً ما يطبخ على نار هادئة يحتاج في بعض مراحله إلى إشغال بعض الأطراف ببعض القضايا الثانوية وإهدار وقتها في ردود الفعل حتى لا تشوش على المولود الجديد، وإلا فإننا لا نجد تفسيرا لتركيز الإعلام المعروف الهوية على قضايا الاحتجاجات الرياضية والاجتماعية، وكذا إعادة طرح ملفات عولجت في السابق كملفات اللحية والحجاب، وإعطاء الصفحة الأولى لقضايا التنصير والفرانكفونية؟

الساحة السياسية الجزائرية تتفاعل هذه الأيام على وقع اضطرابات اجتماعية وشبابية وسياسية تحيل الطبقة السياسية إلى ضرورات التفاعل الإيجابي من أجل المشاركة الحقيقية في صياغة المستقبل، ولا تغرق في قضاياها الحزبية الداخلية، وهو تحد مهم واستراتيجية لاسيما إذا علمنا أن هامش الحريات يتراجع بشكل لافت ذلك أن دخول ما تبقى من الطبقة السياسية في عطلة، أو فترة نقاهة تقتضيها ظروفها النظامية وهو طريق نحو الاستقالة من الفعل السياسي في ظروف جد حساسة.

·        صحف علمانية تدافع عن منصرة توزع الأناجيل علنًا بحجة حرية الأديان.. وتنصير ٣ آلاف في تيزي أوزو !!

التدهور الأخلاقي: إن الأوضاع الاقتصادية التي يمر بها المواطنون والمواطنات قد هزت أركان المجتمع الجزائري وبدأت تفرز مجموعة من الظواهر السلبية على المستوى الأخلاقي والروحي والثقافي بين الأجيال الشابة على وجه الخصوص.

 ومن الناحية التاريخية فإن المجتمع الجزائري كان معروفاً بالتكافل والتضامن ولكن في العقدين الأخيرين ضُرب هذان التقليدان، الأمر الذي غير العلاقات والسلوك مما دفع بعالم اجتماع جزائري إلى تسجيل ملاحظة خطيرة لخصها في إحدى مداخلاته بقوله إن مشكلة الجزائر تتمثل في غياب أخلاقيات وثقافة الدولة.

إن هذه الملاحظة الدقيقة في محلها بمثابة دق لناقوس الخطر الذي يهدد المجتمع الجزائري ككل، ويمكن تفسير غياب أخلاقيات وثقافة الدولة تفسيراً ماديا محضاً، بمعنى أن تخلي الجزائر عن النهج الاشتراكي ودخولها في الليبرالية واقتصاد السوق قد أفرزا وضعاً اجتماعياً مختلاً ضحاياه من الشريحة الشبابية والشريحة الوسطى والشريحة الفلاحية .

وفي هذا المناخ برز إلى السطح الاقتصادي مجموعة من الأثرياء وأصحاب الشركات الكبرى مع العلم أن هذه المجموعة لها ارتباطات مع بعض النافذين في السلطة، وبسبب ذلك تمكنت من احتكار التجارة وأدت إلى غلاء الأسعار وتعميق البطالة وإبقاء المرتبات في علاقة غير متزنة مع المعروض في السوق، إن هذا التأويل المادي هو الذي يجعلنا نفهم ظاهرتين وهما ظاهرة الفرانكفونية وظاهرة حركة التبشير المسيحي، الغربي بين أوساط الشبان بشكل خاص.

 إن الموقف الجزائري من التبشير بالمسيحية الغربية حساس جدًا، وله دلالات سياسية واجتماعية كثيرة ومعقدة جدا فالمسيحية الغربية في الذاكرة الوطنية الجزائرية مرتبطة بالاستعمار الروماني الذي دام عدة قرون.

ففي تلك المرحلة الرومانية كان عدد الأسقفيات المسيحية في الجزائر وحدها أكبر من نظيراتها في الضفة الشمالية الأوروبية، وفضلاً عن ذلك فقد كان الاحتلال الروماني وحشياً ولذلك فإن مجمل التطبيقات الدينية المسيحية الرومانية في الجزائر كانت تعسفية ولم تكن روحية محضة.

أما عمليات التنصير التي قادتها الإدارة الاستعمارية الفرنسية على مدى قرن و۲۰ سنة فقد كانت ذات أهداف استعمارية.

 حيث استهدفت القضاء على الوحدة الدينية الجزائرية، وتحطيم التراث الثقافي والروحي الوطني، وإحلال الثقافة الاستعمارية محله بالقوة واستخدمت ذلك شتي أنماط الترغيب وإجراءات في الضغط والعقاب الفردي والجماعي.

 

هدف سياسي للتنصير

تلك هي الخلفية التاريخية التي تجعل من المجتمع الجزائري يعتبر التنصير عاملاً مهدداً للهوية الوطنية وللوحدة الوطنية أيضاً، وبخصوص هذه الأخيرة فإن المشكلة المطروحة تتمثل في تركيز عمليات التبشير المسيحي الغربي في منطقة حساسة جداً ألا وهي منطقة القبائل الأحرار.

إن هذا التركيز الاستراتيجي له أهداف سياسية وهي استغلال الوضع اللغوي في هذه المنطقة، وكذلك الأوضاع الاقتصادية المتردية للشباب العاطل لتحقيق الاختراق وإنشاء قواعد جديدة لتشجيع بعض العناصر الانفصالية التي تطالب بالحكم الذاتي لمنطقة القبائل الأحرار «الأمازيغ».

 وتفيد الأبحاث والدراسات والتحقيقات أن توغل العمل التبشيري المسيحي في هذه المنطقة يستمد مبرراته من اليأس الاقتصادي الذي يعصف بالشرائح الشبابية العاطلة عن العمل، ومن الإغراءات المادية التي تقدم إليهم من قبل المبشرين فضلاً عن وعود منح تأشيرات السفر إلى فرنسا والغرب عامة.

 وبالتالي هنالك تأويل آخر يؤكد أن تجربة الإسلام السياسي وسنوات الصراع الدموي قد لعبا مجتمعين دوراً في دفع قطاع من الشباب إلى تغيير موقعه الديني.

وعلى الرغم من خطر هذا الوضع فإن الدولة الجزائرية والطبقة السياسية والمجتمع المدني والعلماء والمفكرين والدعاة لم يدخلوا بعد في الرهانات المصيرية اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، وروحياً المقاومة تعقيداته وتداعياته.

 فالبطالة لا تزال مستشرية وأزمة السكن متفاقمة فضلاً عن أزمة الثقة في السياسة والسياسيين، وهذه الأوضاع لها ضلع أساس في الهزة الروحية التي تصيب الأجيال الشابة في الجزائر، وهو تحد يقتضي أن يضطلع الجميع برفعه.

الرابط المختصر :