العنوان ماذا يقول المدرسون عن مهنتهم؟
الكاتب صالح إبراهيم البليهي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1989
مشاهدات 69
نشر في العدد 913
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 18-أبريل-1989
منذ أيام قلائل،
احتفل بـ«يوم المعلم»، ونشطت بعض المؤسسات التعليمية في هذا الاحتفال، فتجدد
الحديث حول مسألة التربية والتعليم وحول دور المعلم ومكانته في المجتمع، واللافت
للانتباه أننا وجدنا معظم المعلمين يقوّمون مهنتهم من واقع تجربتهم وخبرتهم بنبرة
يغلب عليها عدم الرضا والحسرة.. فماذا يقول هؤلاء عن مهنتهم؟
منطق
معكوس
يقول أحدهم وهو
مدرس بالمرحلة الثانوية:
مسألة التربية
والتعليم مسألة شائكة ومعقدة تتداخل فيها عدة عوامل، لكنها باتفاق الجميع مسألة
مصيرية وفي غاية الأهمية؛ لأنها غرس الحاضر وجني المستقبل، وهي التي تحدد ملامح
المجتمع المستقبلي وهويته ومكانته بين المجتمعات، لكن أن تكون المسألة التعليمية
بهذه الأهمية، وأن يكون المدرس فيها دون أهمية؛ فهذا هو المنطق المعكوس!
إن الإنفاق على
التعليم هو بحق أعظم استثمار، ولا غرابة أن تولي العديد من الدول أكبر عنايتها
وأوفر جهدها لمسألة التربية والتعليم في مختلف مراحله، لكن الإنفاق لبناء المدارس
وتجهيزها وإعداد الكتب وما إلى ذلك من الوسائل التعليمية غير كاف؛ إذ يبقى المدرس
هو الأداة الرئيسة للعملية التربوية، ومنطق الأشياء يحتم أن تكون العناية به منذ
مرحلة الإعداد والتهيئة في المقام الأول، ولكن ما نلاحظه في العديد من دولنا
العربية والإسلامية أن المدرس لا يحظى بالعناية المطلوبة، وقد أصبح ينظر للمدرس
على أنه موظف يؤتى به ليسد خانة وظيفته.
بالنخوة
والمثل!
في إحدى الدول
العربية، طالبت مجموعة من المدرسين برفع رواتبهم المتدنية، فكان رد وزير التربية
على مطلبهم بأن المدرس لا بد أن يبقى صاحب مُثل ومبادئ، وأن يكون دائمًا هو
المتفهم المضحي وأن يعيش بالنخوة!
والحقيقة أن
المدرسين اليوم لم يعد لهم من النخوة الشيء الكثير، وكأن غلاء المعيشة ووباء
التضخم لم يقلص فقط القيمة الشرائية لمرتباتهم، بل قلص أيضًا نخوتهم وأتى على جزء
كبير من احترام المجتمع لهم وتقديره لدورهم؛ وكيف لا يكون الأمر كذلك بعد أن غلبت
المادة على كل قيمة في هذا العصر؟
إن راتب المدرس
المبتدئ لا يزيد كثيرًا عن راتب عامل في مصنع أو معمل، بل إن رواتب العمال المهرة
تفوق رواتب المدرسين أصحاب المؤهلات الجامعية، حتى إن أحد المدرسين وصف مهنته
التدريسية بأنها مهنة تأكل من صاحبها ولا يأكل منها في هذه الأيام، مشيرًا بذلك
إلى المجهود الذي يبذله المدرس والمقابل المادي غير المجزي على ذلك المجهود، لكن
صاحبنا أردف يقول: «إن أجر المدرس على الله، وفي اعتقادي أنه سيثاب عليه أحسن
الثواب ما دام مخلصًا في عمله مؤديًا له يرضي الله ويرضي الضمير».
موظف
لا غير
مهنة التعليم
والتربية من أنبل المهن وأشرفها، تكتسب شرفها وقدسيتها من نور العلم الذي تهتدي به
البشرية منذ أن وجدت على وجه الأرض، وكيف لا تكون هذه المهنة كذلك وهي مهنة
الأنبياء والرسل الذين بعثهم الله برسالات سماوية يبلغونها إلى الناس لإخراجهم من
ظلام الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان، ولكن هذه المهنة أخذت اليوم تفقد شيئًا
فشيئًا قدسيتها وأهميتها؛ حيث لم تعد مقصورة على أعداد محدودة من العلماء، بل صارت
تشمل جيشًا هائلًا من خريجي كليات التربية والتعليم والمعاهد المختصة.
ومن العوامل
التي ساهمت في تجريد هذه المهنة من هالتها التوسع في التعليم ومجانيته بسرعة كبيرة؛
الشيء الذي استدعى تكوينًا سريعًا وأحيانًا غير كاف لبعض المعلمين إكمالًا للنقص
وسدًّا للحاجة، وبذلك دخل ميدان التعليم في الكثير من البلدان العربية والإسلامية
من لم يؤهل له؛ فاختلط الحابل بالنابل، وصار المعلم ليس ذلك المعلم الجليل الذي
يبهرنا بعلمه وسعة اطلاعه، وإنما ذلك الموظف الذي يقوم بعمل روتيني شأنه شأن أي
موظف آخر في أي مؤسسة أخرى.
غير أن فترة
الحاجة الملحة لسد النقص تجاوزتها معظم بلداننا الآن، ولم يعد هناك كما يحول دون
انتقاء العناصر الكفؤة للتعليم وإعداد المعلمين الإعداد الجيد والارتفاع بمستواهم
من خلال دورات تدريبية من حين لآخر حتى يقوموا برسالتهم على الوجه الأكمل ويواكبوا
ما يجدّ من تطورات في ميدان التعليم.
لكن للأسف
الشديد، ما زال هذا لا يحدث في كثير من الدول، وكثيرًا ما يعزى ذلك إلى قلة
الموارد والإمكانيات المادية، ومما يزيد الأمر سوءًا عدم إقبال العناصر الجيدة من
الطلاب على مهنة التعليم؛ وبالتالي ما زالت الأبواب مفتوحة أمام العناصر الأقل
جودة، ويستمر الوضع على ما هو عليه وكأنه بات من الصعب كسر الحلقة المفرغة
والنتيجة الحتمية لذلك طبعًا هبوط مستوى التعليم العام وانتشار الدروس الخصوصية.
مهنة
المتاعب
يقول أحد
المدرسين: إن متاعب المهنة تكمن في كون المدرس يتعامل تعاملًا مباشرًا مع بشر في
طور التكوين، إنه يتعامل مع عقول ونفسيات وأمزجة مختلفة، ويكاد يمثل كل طالب نوعًا
خاصًّا بمفرده ووسيلة هذا التعامل اللغة ولا شيء آخر، ولو ألقينا نظرة على الكثير
من المهن الأخرى لوجدنا صاحب المهنة يتعامل أساسًا مع مادة، فالجزار يتعامل مع
اللحم، والبائع أو التاجر يتعامل مع بضاعة، والنجار يتعامل مع الخشب، والبناء
يتعامل مع مواد البناء، لكن المعلم يتعامل مع آدميين في طور النمو والتكوين، ومن
هنا تكمن صعوبة مهنته وحساسيتها؛ إذ كثيرًا ما يوجد في الفصل بعض الطلاب ذوي
الطباع الشرسة أو الميول الغريبة أو السلوك السيئ؛ فيحتاج المدرس أن يبذل جهدًا
كبيرًا في ترويضهم وتعليمهم والارتفاع بمستواهم الثقافي والأخلاقي.
لكن ليس هذا
وحده ما يجعل من مهنة التعليم مهنة المتاعب، بل هناك أشياء كثيرة أخرى يشتكي منها
المدرسون، وفي مقدمتها اكتظاظ الفصول، وكثرة إهمال وازدحام المناهج، وفوق هذا
وأسوأ منه ضياع سلطة المدرس وهيبته بين الطلاب وأولياء الأمور، فالمجتمع لم يعد
ينظر للمدرس نظرة احترام وتقدير وما أبعدنا اليوم عن قول شوقي:
قف للمعلم وفه
التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
وإذا كان الكبار
ينظرون من فوق إلى المدرس؛ فكيف سينظر إليه الصغار في ظل ضعف الوازع الديني
والأخلاقي لدى الكثيرين منهم؟!
إن حوادث
الاعتداء على المدرسين هنا وهناك -التي لو أمكن إحصاؤها لوجدناها في ازدياد مطرد-
لهي دليل آخر على أن هذه المهنة هي مهنة المتاعب.
فالاعتداء
بالضرب على المدرس لم تعد من الحوادث النادرة، وأحيانًا يتجاوز الاعتداء بالضرب
إلى محاولة القتل، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكرته جريدة «الوفد» المصرية بتاريخ 16/
6/ 1987م حول طالب حاول قتل مدرس بمطواة، وسبب ذلك أن المدرس منع ذلك الطالب من
الغش في مادة التاريخ.
ما
يبنيه المعلمون تهدمه الأفلام والمسلسلات الهابطة
يعلق أحد
المدرسين على تأثر الطلاب بما يشاهدونه من أفلام ومسلسلات هابطة فيقول: لفت نظري
أن عددًا من طلابي يرددون في الصباح بعض العبارات السمجة التي سمعوها بالليل أثناء
مشاهدتهم لفيلم أو مسلسل هابط، فكيف يمكن لنا أن نربي هؤلاء الطلاب على الأخلاق
الفاضلة والمثل العالية والسلوك الحسن وما نبنيه أثناء الدوام المدرسي تهدمه
الأفلام أو المسلسلات الهابطة بعد الدوام؟
ثم يواصل
قائلًا: إن الكثير من الأفلام والمسلسلات الأجنبية والعربية لا تعلم الشباب سوى
الرذيلة وقلة الأدب والخبث والسخرية من المعلم ورجل الدين خاصة، بل إن بعض الأعمال
التي يسمونها فنية كمسرحية «مدرسة المشاغبين» محورها الرئيس السخرية من المدرس
والاستهتار بالتعليم وتلقين الطلاب أساليب إثارة الفوضى والشغب في المدرسة وداخل
الفصول، وحتى مشاهد العنف التي لا يخلو منها فيلم أو مسلسل هابط تقوي لدى الطلاب
النزوع إلى العنف والعدوان؛ إذ ما دام الطالب يعتبر بطل الفيلم نموذجًا وقدوة وهو
يريد أن يقلده.
وينتقل بنا مدرس
آخر إلى قاعة الدرس فيذكرنا بما يمكن أن نسمعه من أصوات من 35 أو 40 طالبًا يفتحون
حقائبهم لأخذ كتاب ويتبادلون خلال ذلك ولو بعض الكلمات البسيطة فيما بينهم، لقد
تعودنا على مثل هذه الأصوات التي تشبه أصوات أمواج البحر أو صوت جمع من المترجلين
يعبرون الشارع، ولا حل للمدرس سوى الصبر، ليس هنالك صراخ، ولكن الصمت التام نادرًا
ما يحصل، وقد تعود الطلاب على السماع والكلام في نفس الوقت.
ونظرًا لكثافة
المادة وازدحام المناهج فإننا مثل القطارات السريعة دائمًا نجري ونلهث، أما تصليح
الأعمال التحريرية فلا ينتهي، صدقني إذا قلت: إنني كنت أصحح أعمال الطلاب أثناء
الإجازة الأسبوعية وإجازات الأعياد، ولا يعرف كمية الشغل الذي نقوم به سوى زوجاتنا
أو من مارس المهنة، أما بالنسبة للطلاب فكل همهم العلامات التي يريدون الحصول
عليها بأي طريقة، وآخرها طريقة المذاكرة وبذل الجهد.
إن طلابنا اليوم
من أنصار «المجهود الأدنى» و«العلامة الأعلى»، ولكن عزاءنا في أننا ما زلنا نشعر
بلذة العطاء ولذة التكوين والتهذيب وبناء الشخصية، وعزاؤنا في وجودنا قبالة بعض
الطلاب الأذكياء والخلوقين الذين يتفاعلون معنا ويعون ما نقوله ويستفيدون به أن
أمثال هؤلاء الطلاب الذين لا يخلو منهم صف من الصفوف هم شعاع البهجة الذي ينير بيت
عملنا المظلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل