; ما حكم كشف الأطباء على النساء؟ | مجلة المجتمع

العنوان ما حكم كشف الأطباء على النساء؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-سبتمبر-1988

مشاهدات 108

نشر في العدد 883

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 20-سبتمبر-1988

تظل عورة الرجل حرامًا على الرجل والمرأة وتظل عورة المرأة حرامًا على الرجل والمرأة كليهما إلا أن هذا الموضوع في الممارسة الطبية له رأي آخر يختلف كلية عن الرأي الأول وكانت منظمة الطب الإسلامي في ندوتها «الإنجاب في ضوء الإسلام» المنعقدة بتاريخ ۱۱ شعبان ۱4۰۳ هـ الموافق ٢٤ مايو ۱۹۸۳ م قد ناقشت هذا الموضوع بعد بحث مطول تقدم به الأستاذ الدكتور حسان حتحوت أستاذ أمراض النساء والولادة بكلية الطب بجامعة الكويت سابقًا.

مجلة المجتمع طرحت هذا الموضوع من جديد على بساط البحث واشترك بالنقاش كل من:

  • الدكتور نجم عبد الله عبد الواحد طبيب مختص بالأمراض النسائية. 
  • الدكتور عيسى زكي الخبير بالموسوعة الفقهية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت 

هذا وسنقدم للأخوة القراء ملخص ما أدلى به سابقًا الدكتور حسان حتحوت ثم رأي كل من الدكتور نجم والدكتور عيسى في هذه القضية.

  • يقول الدكتور حسان حتحوت:

إن أمر العلاج أمر ضرورة ولئن بين التشريع أحكام العورات في الرجال والنساء فلقد كان جليًا أن داعي العلاج هو استثناء من القاعدة العامة وطالما توفر هذا الشرط أي الحاجة الطبية وتوفرت تقوى الله وصلاح النية فلا إثم ولا بأس.

 ويلتبس الأمر على بعض الإخوة المسلمين فيعبرون عن قلقهم من ذلك في حقل أمراض النساء والتوليد بالذات، ولكن الناظر إلى المهنة الطبية والناظر إلى الشريعة الإسلامية نظرة البصيرة كذلك يستطيع أن يجد فيها ما يرفع ذلك الحرج.. ذلك بأن بدن المرأة عورة كله إلا وجهها وكفيها فإن تركنا تخصص أمراض النساء والتوليد جانبًا فماذا عن الباطني الذي يفحص الصدر، والبطن، والظهر، والأطراف.. وماذا عن الجراح الذي قد يتناول الثديين بالجس والنبض ليطمئن إلى خلوهما من ورم قد يكون سرطانيًا!؟

على أن فريقًا من الإخوة المسلمين يقفون موقف القلق عند تعبير «الضرورة» أو «إذا لم يوجد ما يعالجها غير رجل وما إلى ذلك.. ونتمنى لو امتد حبل التفكير الهادئ بنا معًا قبل القطع بالنتائج، فهذه التحفظات لا تقتصر على العمل في التوليد والأمراض النسائية فقط وإنما تشمل العمل الطبي أيضًا.

كذلك ينبغي أن نعلم أن نظر المرأة إلى عورة المرأة ليس مباحًا على إطلاقه، ولكنه أيضًا استثناء من القاعدة العامة من أجل الضرورة وهي هنا الضرورة الطبية.. فالأصل أن المرأة المسلمة تنظر من المرأة كالرجل «حاشية ابن عابدين ج٥ ص ۲۳۷» فإن ولجت تخصص التوليد والأمراض النسائية فيحكم الاستثناء الذي أفضت إليه ضرورة العلاج فانحسرت عنه القاعدة العامة، ولكن ينبغي العلم أن عملية إعداد الطبيب أو الطبيبة توجب أن يطلع كل منهما على عورة الجنس الآخر من البداية.. فلن يتكون أطباء من الرجال إذا حذف جسم المرأة كله أو بعضه من مقررات الدراسة.. ولن تتكون طبيبات من النساء إذا حذف جسم الرجل كله أو بعضه من مقررات الدراسة.. فطبيعة الدراسة الطبية تجعل ذلك محالًا. 

لا يكون التخصص في فرع من فروع الطب إلا أن بعد الدراسة العامة الشاملة، فالتخصص يفرض معرفة عامة بالكل يتلوها تعمق في أحد الأبواب إلا كان المتخصص كالناظر من ثقب المفتاح معه ينظر إلى جزء من صورة لا يدري ما حوله وما سبقه وما يلتوه وما يتفاعل معه وما يتشابك فيه.

أما الدكتور نجم عبد الله عبد الواحد فقد أجاب بما يلي:

يلتبس الأمر على كثير من الإخوة والأخوات المسلمين فيعبرون عن قلقهم وحرجهم من هذا الكشف الطبي والنسوي على أطباء رجال، ولكن الناظر إلى المهنة الطبية ببصيرة والناظر إلى الشريعة الإسلامية نظرة بصيرة كذلك يستطيع أن يجد في كل ما يرفع عنه أحد ذلك الحرج.

فنجد أن تعاليم الإسلام تؤكد أن تظل عورة الرجل حرامًا على الرجل والمرأة وتظل عورة المرأة حرامًا على الرجل والمرأة كليهما وبأن بدن المرأة عورة كله إلا وجهها وكفيها وحتى عند البعض حتى الوجه يعتبر عورة وهم يأخذون بأدلة النقاب الشرعية.

وآراء فقهاء المسلمين في القديم والحديث على إنه يجوز للطبيب أن ينظر من المرأة إلى العورة عند الحاجة إليها وكذلك يجوز للمرأة والرجل أن ينظر إلى عورة الرجل عند الضرورة. وبالنظر الشرعي للعورة تجد أن العورات ليست كلها بمثابة واحدة بالنظر إلى السوأتين ليس كالنظر إلى الساقين أو الذراعين فأيضًا لا يجوز أن نمحو هذه الفوارق بين العورة المغلظة وبين غيرها من العورات ومن ثم تبقى إباحة العورة المغلظة للضرورة. وهنا نجد من الشريعة الإسلامية أنه إذا مرضت المرأة ولم يكن هناك لعلاجها إلا طبيب جاز أن ينظر إلى موضع العورة حتى فرجيها، وإذا مرض الرجل ولم تكن هناك لعلاجه سوى طبيبة جاز أن تنظر منه إلى موضع العلة حتى فرجيه، كما اشترط الفقهاء أيضًا أن تؤمن الفتنة وأن يكون النظر أو اللمس في الموضع المحتاج إليه وأن يكون في غير خلوة.

لذلك نجد أن توصيات ندوة الإنجاب في ضوء الإسلام والتي نظمتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت وشارك فيها مجموعة كبيرة من الأطباء والفقهاء وكانت من الفترة ما بين ٢٤ – ٢٦ مايو ۱۹۸۳ حيث كانت التوصية في هذا الصدد على: «جواز نظر الجنس إلى عورة الجنس الآخر لدواعي الكشف الطبي والمعالجة والتعليم مع الاقتصار فيما يبدو من العورة على ما تدعو إليه الحاجة».

كما نجد من مناقشات ندوة الإنجاب في ضوء الإسلام ومن فتاوى كثير من الفقهاء المعاصرين أنه إذا توفر الطبيب المتخصص فله الأولوية بالكشف على المرأة فإن وجد طبيبة امرأة ومتخصصة حازت على هذه الأولوية حتى وإن كانت غير مسلمة وإن لم يوجد فطبيب رجل متخصص حاز على الأولوية حتى ولو كان غير مسلم والسر في كون الأولوية تعود بالدرجة الأولى لمستوى التخصص والمقدرة العلمية وليس لجنس الطبيب بكونها امرأة لأن بصيرة متخصص وذي كفاءة أفضل من بصيرة حديث التخرج وبالتالي تكون الفائدة أعلى وأفضل.

تظهر بعض الصفات الأنثوية كعوامل من سلبية المرأة ورفضها للكشف الطبي والفحص النسوي وأهم هذه الصفات الأنثوية «الحياء» فهو لا شك علامة مميزة للمرأة وعلامة جيدة ومهمة وإن نزع الحياء من نزع القيم السامية وإن درجة الحياء تزداد مع درجة الإيمان بالله، يقول عليه الصلاة والسلام في حديث ما معناه أن الحياء لا يأتي إلا بخير. ولكن هنا نجد الأمر مختلف تمامًا فسواء المريضة أو الطبيب فكلاهما يجب أن ينظر إلى الآخر بمنظار مختلف فمن هنا تجد أن حقيقة الحياء وإن كانت موجودة في علاقة المرأة بالطبيب الذكر وعلاقة المرأة الطبيبة بالمريض الذكر، ولكن أصبح يغلب عليها طابع الثقة والذي يتأثر بعوامل كثيرة فكلما زاد مستوى الثقافة زادت الشقة وتوطدت العلاقة بين الطبيب والمرأة وكذلك أصبحت البيئة المثقفة هي أكثر البيئات تعاونا في تحقيق هذا الأمر وتقليل السلبيات لهذا الفحص فحديث النساء بعضهن البعض بزيارة الطبيب كفيل برفع الحرج والعكس صحيح. ونجد كذلك أن للممرضة دورًا ساميًا وشريفًا فكلما ازداد إدراكها وإخلاصها بالعمل ارتفع مستوى الأداء الطبي حيث إن فحص المرأة من قبل رجل طبيب يجب أن لا يتم بخلوة والأفضل بوجود ممرضة واعية ومدركة لما لها من أهمية في إقناع وتفهيم المريضة بأهمية الفحص حتى ولو كان دوريًا فالضرورة في مقياس الطب موجودة في الوقاية من الأمراض كمثل الاكتشاف المبكر لسرطان الثدي أو سرطان عنق الرحم وليس فقط في علاجها والضرورة كذلك موجودة في مهنة الطب في تفهم الفوارق الكثيرة الطبيعية بين الناس والتي لها الأهمية في التشخيص العام وهذا لا يتم إلا بالخبرة الواسعة والمهارة الفائقة بالفحص للطبيب الواعي المفكر. فهنا يأتي دور الممرضة في التحضير النفسي والجسدي للمريضة وفي تواجدها لرفع معنوياتها أثناء الفحص.

هناك بعض من السيدات يجدن حرجًا في أن يعاينهن رجل، فالواجب يقضي بالحرص على قدر المستطاع على أن تفحصهن طبيبة لا بداعي الحل والحرمة، ولكن بداعي الرفق الذي هو من حق المريض على الطبيب وبداعي مراعاة المشاعر واحترامها وبداعي إننا أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم. فإن لم يتيسر إجابة رغبتها في الحال ضربنا لها موعدًا يتيسر فيه وإن كان الأمر لا يحتمل التأجيل بينا لها وجه الضرورة وطمأناها إلى أنها غير عاصية وإن عالجها طبيب. وهذا يذكرني بحادثة عندما طلبت من امرأة الكشف على ركبتها المتورمة فغضبت وقالت «أما تخاف الله» فارتعدت مفاصلي واقشعر جلدي وازداد نبض قلبي وقلت لها: «بلى والله». 

وأخيرًا وليس بآخر يبقى أمامنا سؤال واحد كثيرًا ما يشغل بال النساء والرجال هل ممكن توفير الطبيبات لفحص المرضى النساء؟ والجواب هنا بالاستحالة لأن فروع الطب أصبحت كثيرة جدًا وواسعة وأن التخصص الدقيق والعميق في أسرار هذه الفروع الطبية أصبح يتطلب مهارات وفنونا وعلومًا في شتى المجالات وأن مرضى النساء ليس بالضرورة أن تكون مشاكلهن في الأجهزة التناسلية في مجال التوليد وأمراض النساء فإن الطبيب المختص بالجراحة، أو الباطنية، أو الأشعة، أو غير ذلك قد يقتضي عليه معاينة عورة المرأة المغلظة لعلاقة المشكلة التي هو بصددها وهذا الموضع من جسمها. فإن كان الكسر في حوض المرأة قد يتطلب هذا كشف العورة المغلظة للمرأة من قبل جراح الكسور ونرى هذا كذلك في عمليات الناسور الشرجي وغيرها، وغالبًا إن لم يكن دائمًا المتخصصون في هذه الفروع رجال، بل من النادر المستبعد وجود نساء أخصائيات جراحة الكسور. أما إن أخذنا بأهون الأمرين وقلنا هل ممكن توفير الطبيبات لاختصاص النساء والولادة؟ ولا زال الجواب بالنفي ونجده واضحًا في قول الأستاذ حسان حتحوت وهو أستاذ النساء والولادة حيث يقول في بحثه المقدم في ندوة الإنجاب في ضوء الإسلام عند التعرض لهذا السؤال بالذات: «وهنا نقول بحق إن العمل في هذا التخصص هو من أشق الأعمال في الحقل الطبيب.. إن لم يكن أشقها على الإطلاق... فهو من أنواع الجراحة التي قد تدعو لاتخاذ أخطر القرارات وفي لحظات من الزمان وتنفيذها في حسم وسرعة وجرأة لا يؤثر في ذلك نوم ولا يقظة ولا ساعات عمل طوال في الليل أو النهار وهو تخصص لا يتهيأ إلا لذي العزم الأكيد والجسم الحديد والبدن النشيط والدقة في ميزان الأمور والتصرف الفوري الحكيم دون تعجيل أو تأجيل وأهل المهنة يعلمون أن هذا الطراز غير وفير لا في الرجال ولا في النساء ولعله عن طبيعة النساء أبعد. ولهذا فالنابهات فيه من النساء قليلات وهن لا شك يبذلن تضحية غير هينة من راحتهن ورعاية أطفالهن وبيوتهن وأنفسهن وليست الغالبية من الطبيبات على هذا الاستعداد».

فمن هذا كله يتضح أن الحاجة والضرورة هي الأصل في هذا الكشف الطبي والفحص النسوي والذي شرحنا أبعاده لعل الأمر يتضح والحرج يرفع عند توفر الأفضل من الأطباء عندما يكونون رجالًا.

ويبقى أمامنا أمر نحتاج إلى فهمه والتعاون جميعًا لتحقيقه وهو إعداد الطبيب المتخصص المتفوق في شتى مجالات الطب في مجتمعاتنا لأنه فرض كفاية وواجب فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب حتى لا نظل عالة على الأجانب عن ديننا في العلاج، الذي ليس ضمن مفاهيمهم مفهوم العورة والتقوى والحلال والحرام أو هي عندهم تخالف ما نؤمن به وندین.

  • وقد أجاب الدكتور عيسى زكي الخبير بالموسوعة الفقهية عن السؤال بما يلي:

إن من المقرر عند الفقهاء أن نظر الرجل الأجنبي إلى عورة المرأة الأجنبية لا يجوز إلا مع قيام الحاجة والضرورة وذكروا من بين هذه الحاجات: حاجة المرأة للعلاج الذي يستلزم كشف الطبيب عن موضع العورة منها ووفقًا للقاعدة الفقهية المعتمدة أن الضرورة تقدر بقدرها بمعنى أنه لا يجوز تجاوز الحد الكافي لدفع الضرورة من نظر وكشف ولمس وغيرها من دواعي العلاج.

 وفقًا لهذه القاعدة فلا بُدَّ للطبيب أن يلتزم الضرورة ولا يزيد فيغطي –مثلًا– جميع مواضيع العورة من الجسم سوى موضع العلاج وأن يكتفي من النظر واللمس بقدر الحاجة لمعاينة المرض والكشف عن أعراضه. 

 ومن الشروط التي ينبغي مراعاتها أن يكون الطبيب أمينًا غير متهم في خلقه ودينه ويكفي في ذلك حمل الناس على ظاهرهم، كما يشترط عدم الخلوة بأن يكون مع المرأة محرم يقطع الخلوة؛ إذ إنه ضرورة لها.

 ويشترط تقديم الطبيبة على الطبيب إن وجدت خاصًة إن كان الكشف في مواطن العورة المغلظة وهي وإن كانت لا يجوز إطلاع النساء عليها كذلك إلا أن نظر الطبيبة أخف ضررًا من نظر الطبيب وذلك لاتحاد الجنس بينهما.

وإن تعارض وجود طبيب حاذق ماهر خبير مع طبيبة لا تتوفر فيها هذه الأوصاف قدم الطبيب إذا استلزم الأمر قدرًا زائدًا من المهارة والخبرة وإلا اكتفى بالطبيبة لاندفاع الضرورة بها.

وجواز كشف الطبيب الأجنبي عن عورة المرأة الأجنبية مبني على تعارض مصلحة ضرورية وهي حفظ النفس مع مصلحة ستر العورة وهي مصلحة حاجية والأصل تقديم رعاية المصالح الضرورية على المصالح الحاجية مما يشهد له سماحة الشريعة واستيعابها لمصالح الناس وحاجاتهم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 656

85

الثلاثاء 31-يناير-1984

جلسات مجلس الأمة- العدد656

نشر في العدد 657

85

الثلاثاء 07-فبراير-1984

جلسات مجلس الأمة (العدد 657)

نشر في العدد 1109

82

الثلاثاء 26-يوليو-1994

الفقه والمجتمع (العدد 1109)