; مثلث المتغيرات السياسية البيت الأبيض -حرب الخليج- القضية الفلسطينية | مجلة المجتمع

العنوان مثلث المتغيرات السياسية البيت الأبيض -حرب الخليج- القضية الفلسطينية

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 02-ديسمبر-1986

مشاهدات 60

نشر في العدد 794

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 02-ديسمبر-1986

من الصعب على المحلل السياسي أن يلم بجميع خيوط اللعبة السياسية وسط متغيرات متلاحقة وأحيانًا متناقضة سيما إذا أراد هذا المحلل أن يتوخى الموضوعية في تحليله... وأصعب من ذلك التنبؤ بمجريات الأحداث مستقبلًا، سيما إذا كان هذا التنبؤ مبنيًا على معطيات غير واضحة المعالم اختلط فيها الخبر المقصود تسريبه بالمعلومة المراد سترها، وإذا كان كل خبر يحتمل الصدق والكتب فإن كل استنتاج يقوم على هذا الخبر يحتمل الصحة والفساد.

ونحن لا نزعم أننا نعلم بواطن الأمور، كما لا نزعم أننا نملك القدرة على التنبؤ بالمستقبل، فالمستقبل من علم الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده لا شريك له. 

ومع ذلك فإننا نحاول بما وهبنا الله من عقل أن نستقرئ الأحداث التي تدخل في نطاق علمنا وأن نربط بينها لتصل إلى نتائج متوقعة لا أكثر ولا أقل.

ولا شك أن هناك مجموعة من المتغيرات طرأت على الساحة السياسية في الآونة الأخيرة أو بتعبير أدق ظهرت على الساحة السياسية سواء عن عمد وسبق إصرار أو بطريق الصدفة، سيكون لها تأثير على كل من البيت الأبيض، وحرب الخليج، والقضية الفلسطينية، وهو محور مقالنا الذي يمكن أن نطلق عليه اسم «مثلث المتغيرات السياسية».

ففي البيت الأبيض اعترف الرئيس الأمريكي رونالد ريغان بعد تردد بأنه زود إیران بكميات من الأسلحة عن طريق طرف ثالث، وأن مسؤولين أمريكان ومنهم ماكفرلين أجروا مباحثات سرية مع مسؤولين إيرانيين تمخضت عن صفقة يتم بموجبها تزويد إيران بكميات من الأسلحة وقطع الغيار مقابل إطلاق سراح عدد من المخطوفين الأمريكيين في لبنان من قبل منظمات تابعة لإيران.

ولمّا لم يكن هذا السبب كافيًا لتبرير تناقض السياسة الأمريكية المعلنة ضد ما أسمته الإرهاب الدولي وضد الدول التي تقف -حسب التصور الأمريكي- وراء هذا الإرهاب... ما لم يكن هذا السبب كافيًا لجأت أمريكا إلى الحديث عن الأهمية الاستراتيجية لإيران -جغرافيًا وسياسيًا- في مواجهة خطر التوسع السوفياتي المحاذي لإيران وما يمكن أن ينتج عن ذلك من اختلال في موازين القوى بين الشرق والغرب.

وحين لم يقتنع كثير من الأمريكيين والغربيين- ولا نقول العرب، لأن مشاعر العرب تقع في هامش الشعور الأمريكي -كان لا بد من إيجاد كبش فداء لهذه الفضيحة التي أطلق عليها اسم فضيحة ريغان، فاستقال جون بویندكستر مستشار الأمن القومي الذي كان له دور في هذه الفضيحة- الصفقة، وأعفي مساعده من العمل.

وأنكر شولتز علمه بالصفقة واستنكرها مستطردًا إن هذا رأيه الشخصي ولا يمثل سياسة البيت الأبيض، وراجت إشاعات بقرب استقالته، ثم عاد -فجأة- يلتصق بالرئيس الأمريكي ريغان ويعلن أن السياسة الأمريكية الخارجية سياسة سليمة فأصدر ريغان قرارًا بأن يكون شولتز مسؤولًا عن السياسة الأمريكية تجاه إیران وخوله الصلاحية الكاملة بهذا الخصوص وبمجمل السياسة الأمريكية الخارجية. 

وعاد ماكفرلين عراب الصفقة يخطئ نفسه وسياسة حكومته وقال في حديث مع الواشنطن بوست: إنه كان خطأً جسيمًا شحن الأسلحة إلى إيران، وأنه كان علينا -والحديث لماكفرلين- أن نكتفي بمحاولة فتح حوار سياسي مع بعض الإيرانيين من خارج الحكومة الإيرانية، وأنه كان عليه أن يتوقع -باعتباره مستشارًا للرئيس ريغان- النتائج الوخيمة التي كان لا بد أن تترتب على مثل هذه السياسة في حالة انكشاف أمرها.

وتوقع ماكفرلين حالة من الفوضى السياسية تعم البيت الأبيض، وبأن تطورات هذه القضية ستترك عواقبها الوخيمة على سياسة الولايات المتحدة لفترة غير قصيرة، وستحدد مستقبل العديد من السياسيين الأمريكيين. 

ويرى كثير من المحللين أن الورطة التي وجدت الإدارة الأمريكية نفسها فيها جاءت حصيلة سوء تقدير وتحليلات خاطئة، وأن الاندفاع المتهور للاتصال بالإيرانيين على أساس أن إيران صاحبة الأهمية الاستراتيجية والإقليمية التي لا تستطيع واشنطن تجاهلها، يظل يفتقر إلى عنصر الإدراك المطلوب لحقيقة الأوضاع في إيران.

من المعروف أن الإمبريالية العالمية بزعامة الولايات المتحدة تعتمد في العادة على مجموعة الوكلاء- العملاء، لتنفيذ سياستها الرامية إلى الهيمنة على الشعوب الضعيفة بل على العالم كله

فإذا استنفد الوكيل العميل أغراضه أو حاول أن يخرج عن بيت الطاعة الأمريكي فمصيره القتل أو الخلع والبدائل تكون في العادة متوفرة ومعدة سلفًا.

هذا هو جوهر النظرية البراجماتية التي تعتمدها الإمبريالية العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة في سياستها الخارجية وتعاملها مع الدول الصغرى، فإذا أفلت الزمام من يدها لاعتبارات وعوامل لم تكن في حسبانها ظلت تبحث عن الطرق والوسائل الملائمة للتعايش مع الوضع الجديد وتجبيره تدريجيًا للعودة إلى بيت الطاعة الأمريكي.

هذه المبادئ هي التي أفرزت سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران ما قبل الثورة وما بعدها، وهي التي أدت بشكل أو بآخر إلى ما أطلق عليه اسم «حرب الخليج» وما نتج عنها من كوارث على المستوى الإيراني والعراقي والخليجي والعربي عمومًا .

لقد حجزت الولايات المتحدة أموال إیران وأسلحتها المشتراة، فقامت إیران باحتجاز رهائن أمريكيين، فعرضت الولايات المتحدة عودة الأسلحة والأموال مقابل الرهائن، وتقدم السماسرة والوسطاء للخدمة، واليهود أمهر من يجيد حرفة السمسرة وتمت الصفقة الأولى وأطلق سراح الرهينة الأولى، وكانت هذه هي البداية، وكان لا بد من الاتصال المباشر، وتم الاتصال المباشر، وعقدت الصفقة الثانية مقابل إطلاق الرهينة الثانية.

وفي إيران ظهر الخلاف جليًا بين أنصار التقارب الأمريكي وأعدائه، واعتقل مهدي هاشمي أحد المقربين من منتظري المنادي بقيام ثورة إسلامية عالمية عن طريق تصدير الثورة، كما اعتقل أخوه هادي هاشمي صهر منتظري وقائد حراس الثورة والمسؤول عن مساعدة «حزب الله» و«الجهاد الإسلامي» وتنظيمات أخرى في لبنان وغير لبنان. 

ثم أفرج عن الأخوين هاشمي بكفالة مالية وبذلك استعاد خط منتظري قوته النسبية على الساحة وأصبح من الصعب على الخط الآخر أن يذهب في سياسته إلى آخر المدى دون عقبات. 

وعلى الساحة اللبنانية، هناك متغيرات في غاية الأهمية، فرغم الهجمة العنيفة لقوات أمل التي تحاول تجريد سكان المخيمات الفلسطينية من سلاحهم ليأمن بنو صهيون وتقبض «أمل» الثمن كيانًا ذاتيًا، وتتم التسوية على الطريقة الأمريكية فإن التطور الجديد أن سكان المخيمات لم يكتفوا بالصمود والدفاع السلبي وإنما انتقلوا إلى الهجوم وطرد قوات أمل من قرية مغدوشة المطلة على مخيمي عين الحلوة والميه ميه لإيقاف القصف المستمر عليهم وإجبار «أمل» على فك الحصار عن مخيم الرشيدية الصغير المعزول قرب صور، مما دفع وليد جنبلاط إلى الإعلان عن استعداده للقتال مع «أمل» ضد ما أسماه بالتمدد الفلسطيني خارج المخيمات، تطور آخر، هو قيام الطائرات الصهيونية بضرب الفلسطينيين الذين استولوا على مغدوشة مناصرة لقوات أمل، إضافة إلى قوات لحد التي تقوم بقصف الفلسطينيين بالمدافع من بعيد.

وتفيد التقارير إن القوات الفلسطينية بكافة اتجاهاتها تقاتل بغرفة عمليات واحدة وقد أعلن الأخ ياسر عرفات إنه حصل على وثيقة تضمنت موافقة الحكومة الإسرائيلية على اقتراح الرئيس الأركان الإسرائيلي بتكليف قائد المنطقة الشمالية بالإشراف على تنسيق العمليات العسكرية ضد الفلسطينيين في الجنوب اللبناني وهذا يعني بداية تنفيذ خطة جديدة ضد المخيمات الفلسطينية في لبنان.

مثلث المتغيرات السياسية في البيت الأبيض وحرب الخليج والقضية الفلسطينية متصل الأطراف يصب في خانة واحدة هي إنهاك المنطقة أو استسلامها للهيمنة الأمريكية وقبول ما تمليه أمريكا من حلول .

إلا أن هذه المتغيرات، ما دامت متغیرات، فهي تحمل في ذاتها احتمال نقيضها والخروج من الأزمة بهزيمة المخطط الأمريكي برمته سواء كان نتيجة الاتفاق في ريكافيك أو نتيجة الاختلاف، وحل مشاكل العرب والمسلمين في أيديهم لو تدبروا أمرهم واجتمعوا على قلب رجل واحد، واهتدوا بهدي الله واقتدوا بسنة رسوله... فهل يفعلون؟

الرابط المختصر :