العنوان مذكرات السلطان عبد الحميد
الكاتب محمد حرب عبد الحميد
تاريخ النشر الثلاثاء 30-ديسمبر-1975
مشاهدات 70
نشر في العدد 280
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 30-ديسمبر-1975
الحلقة 11
ترجمة الأستاذ حرب عبد الحميد
المدرس المساعد بكلية الآداب بجامعة عين شمس
- حلقة طريفة تروي قصة الصراع الاستعماري المبكر على البترول
- التنافس الإنجليزي الألماني في بترول العراق
- التجسس لاكتشاف البترول عن طريق الأبحاث الأثرية
- صفحة من إخلاص عبد الحميد في حفظ ثروة الأمة
20 مارت 1333«1917»
بيلربي
ذكرت أنني أعطيت الألمان خط سكة حديد بغداد، وذلك لكي أجر الإنجليز إلى الاتفاق الذي أرضى عنه. ولهذا قصة أخرى طريفة أعرضها هنا.
لما قال الروس: «لا» للاقتراح الإنجليزي الرامي إلى تقسيم دولتنا، بدأ الإنجليزيتقربون مني بشكل لم أستطع في البداية فهمه، وإن استطعت معرفته بعد عدة أشهر. فذات يوم قابلني السفير الإنجليزي وتحدث طويلًا في أن الأناضول وسوريا، والحجاز تعد مهد أعظم حضــارات في التاريخ، وسألني إن كنت فكرت في مشروع للتنقيب عن الآثار في هذه المناطق، فربما يمكن العثور على كنوز لو قامت مشاريع للتنقيب عن هذه الآثار هناك، هذا، وأن التماثيل الصغيرة، والقلـل والأواني المكسورة العتيقة، والنقود القديمة، التي ستخرج من تحت الأرض، لها قيمة الكنز، والنظر فيها ربما يكون من شأنه تغيير التاريخ، وسيمكن بواسطتها الحصول على معلومات قيمة كثيرة.
وبعد أن قال: إن قراءة الخط المصري القديم قدم للحضارة العالمية مكسبًا عظيمًا جدًا، أضاف قائلا: إن الدولة العثمانية لو وجدت أن عمليات التنقيب عن الآثار في هــذه المناطق تكلفها الكثير، فإن الــحكومةالإنجليزية مستعــدة لتقديم مختلف المعونات بكل سرور، وسترسل رجالها على وجه السرعة، وسيبدأون في الحفر، وستصرف لهم الحكومة الإنجليزيــة مصاريفهم. وفوق هذا، فإن ما يعثرون عليه من الآثار التاريخية هناك سيتركونه لنا دون مقابل.
ولما كان هدفي إقامة علاقات وطيدة مـع إنجلترا، ولم أكن أعرف ما ينطوي تحت هذا الاقتراح: قبلت، واستدعيت الصدر الأعظم خليل رفعت باشا على الفــور، وشرحت له الاقتراحات الإنجليزية ونبهت عليه بمتابعة أعمال هذه الوفود القادمة.
والحقيقة أن الإنجليز أرسلوا مجموعة من علمائهم إلى إستانبول، دونما تأخر كثير. قابلتهم جميعًا في لقاء عام معهم، وتمنيت لهم النجاح، وأقمت لإكرامهم في ذلك المساء مأدبة عشاء دعوت إليها أيضًا سفراء الدول الأخرى، وكان يبدو علي السفير الروسي بشكل خاص وبوضوح أنه غير ممتن من هــذا التصريح. كــان «انجاتييف» يسمع باهتمام وهو يبتسم حديثي عندما قلت: إن الإنجليز طلبــوا السماح لهم بالتنقيب عن الآثار خدمة للتاريخ والحضارة.
وبدأ فريق من العلمــاء تنقيبهم في «قيصرية»، وفريق آخر في «الموصل» وفريق في نقطة قريبة من بغداد. كانوا ينقبون بمساعدة العمال المحليين، وكنا أيضًا قادرين على متابعة أعمالهم، ولم يظهر شيء من هذه الحفريات غير بضعة أواني مكسورة وقلل وتماثيل صــغيرة وتوابيت ومقابر، وسلمنا الإنجليز هذه الأشياء، حتى النقود النحاسية القديمة.
كان السفير الإنجليزي يطلب كثــيرًا مقابلتي والتردد على للإدلاء بمعلومات عن هذه الحفريات، وكنا نتحادث، وكنت أقدر جميع هذه الفرص، وكنت أمهد الأرض للاتفاق الذي فكرت في عمله. كنت أريد ألا أقدم أنا هذا الاقتراح، ولكني كنت أريد أن يقدمه الإنجليز بأنفسهم إلي، وبذلك يكون الاقتراح في ذلك الوقت اقتراحهم هم، وإذا وجدته مناسبًا وافقت عليه، وإن لم أجده كذلك كنـت سأرفضه. وهكذا كنت أحاول اقتطاف الأفضل.
حدث في هذه الأثناء شيء لم أستطع فهمه أيضًا. جاءني السفير الإنجليزي ذات يوم وهو متحمس، وقدم إلي سيفًا مرصعًا عثر عليه في إحدى الحفــريات بجانب الموصل. كان السيف مكسورًا، لكن يده كانت مرصعة بكثير من الأحجار الكريمة. وقال السفير: إن هذا السيف سقط على الأرض أثناء إحدى الزلازل، فذهب جزء منه إلى أعماق بعيدة، وعثر على الجزء المتبقي ضمن الحفريات شكرت السفير وأنعمت عليه، ولكن لم يكن لدى مخابراتي علم عن سيف كهذا. إذن فتفسير الأمر على شكلين: الأول: أن مخابراتنا لم تعرف بهذا الخبر. والثاني: أن السفير ربما لعب على لعبة لا أعرفها.
عرضت السيف على بعض التجــارمن السوق، والذين يفهمون في هذه المسائل، فقالوا: إن هذا السيف ليس قديمـًا، ولكن أدخلت عليه بعض الحيل ليبدو كأنه قــديم.
ازداد اهتمامي جدًا بالأمر، لكني لم أفصح لأحد بشيء، ثم علمت من الأخبار التي ترد إلى أن بعثتي التنقيب عن الآثار في الموصل وبغداد تركتا أعمالهما على وجه الأرض، وبدأتا تحفران آبارًا.
في ذلك الوقت وضحت أهدافهم. كانوا يريدون مني أن أصدقهم، وهكذا كـانوا يريدون أن يحصلوا على إمكانية العمل براحة أكثر. وهذا السيف الذي قدم لي على أنه قديم ومزين بالأحجار الكريمة كان من أجل أن أزيد ثقتي بهم، ولم يكن ما يبحثون عنه أواني مكسورة أو تماثيل، وإنما كان البترول.
كنت أعرف من قبل أنه من أجل العثور على البترول في الافلاق «رومانيا» تفتـح الآبار، وعن طريقها يبحثون عنه. بعد فترة جاءني السفير الإنجليزي بحجة أن يقول لي خبرا آخر. قال لي: إن قسمًا كبيرًا من أراضي سوريا والحجاز عبارة عن صحراء والمعاناة شديدة في هذه الأماكن من العطش، لعدم وجود الماء، ولهذا السبب، فإنه يتعذر تعمير هذه المناطق، ولذا، فإن الحكومة الإنجليزية- إذا تنقذ الإنسانية وأن تفتح آبارًا هناك، ولكن لهذا شروط: إذا تم العثور على الماء، وتكونت واحات، فإنهم سيتركون استخدام الماء الذي سيخرج للأهالي، ولكنهم في هذه الحالة يصبحون أصحاب الماء. إن الاتفاق ذاته لا يسير كما أريد.
رفضت الاقتراح، ولم أكتف بهذا، بل أغلقت رسميًا الآبار التي فتحوها بالموصل وبغداد. تأثر الإنجليز أبلغ التأثر بهذا، وغضبوا، وتركوا الآبار كما هي، ولكنهم بدأوا يأخذون على عاتقهم التحرش بمسألة الخلافة، متخذين من جمال الدين الأفغاني وسيلة لمآربهم. كانوا يريدون الوصول إلى غايتهم باحتواء أمير الحجاز.
وفي مقابل هذا، قمت بإرسال قافلة من الدراويش كبيرة نوعًا ما إلى مسلمي الهند، وقابل الإنجليز هذا بإثارة نكبة كريت، وذهبوا لأكثر من هذا، بأن حاولوا إقناع روسيا وفرنسا بإسقاطي من على العرش، ورفض الروس بلهجة حادة هذا الاقتراح الإنجليزي، لأن إنجلترا كانت ترتب في روسيا حركات تمرد لإجبار القيصر على قبول الحكم الدستوري، كما فعلت تمامًا مع الدولة العثمانية.
وفي الوقت الذي وقعنا فيه مع إنجلترا في هذا الصراع: بدأت ألمانيا في مد يد الصداقة إلينا،وأيدتنا صراحة في قضية کریت، واختلفت في ذلك مع الدول الكبرى الأخرى.
إن انتصار جيشنا في اليونان نبه الألمان وفتح أعينهم، فاقترب مني القيصر لدفع التحالف الفرنسي الإنجليزي الروسي، أما أنا، فلكي أهدد الإنجليز بأني أستطيع فتح طريق الهند للجيوش الألمانية: اقتربت بسرعة من الألمان، وكانت أفكارنا في الأصل مختلفة عن بعضها البعض تمامًا.
في أثناء هذه الزوبعة وصل القيصر «ويلهلم» إستانبول، فأعددت له استقبالًا فخمًا، وألقى القيصر بدوره خطبًا رنانة أشاد فيها بكرم ضيافتنا، ولم يتحرج من القول بأنه صديق ثلاثمائة مليون مسلم يعيشون في أرجاء العالم المتفرقة، وبعث من دمشق بخطاب إلى قيصر الروسيا قال له فيه: «إن الدولة العثمانية ليست على وشك الموت، وإنما هي دولة تمتلىء حيوية»، كما لم يتحرج أيضًا من تهديده بقوله: «ابتعد عن مس شرف المسلمين وخليفتهم.»
ليس هذا أصل ما أريد شرحه، وإنما هذا التصرف وهذا السلوك من جانب القيصر جعلني أشعر بأحاسيس طيبة كثيرة، وتصرفت معه تصرف الأصدقاء إلى آخر مدى.
جاء مع الإمبراطور الألماني إلى بلادنا بالحفريات، تمامًا مثل الإنجليز، وكانوا أيضًا يريدون البحث عن الآثار القديمة حول الموصل. سمحت لهم، وحيث إني سمعت أنهم شموا رائحة البترول الذي كانت تنقب عنه البعثات الإنجليزية، فإني أرسلت أحد مرافقي باسم مستعار، ونبهت عليه بمتابعة الأمر من مكان الحفائر. مضى على هذا وقت قصير جدًا- وكان الإمبراطور ما يزال ضعيفًا ببلادنا- وإذا بي أتلقى تقريرًا من صلاح الدين أفندي يقول: إن البعثة الألمانية تفعل ما فعله الإنجليز تمامًا، تنقب وتفتح الآبار.
أعترف بأني ابتأست لهذا الخداع، إذ لو كان الإمبراطور الألماني قد جاء لاقتراح البحث عن البترول لأعطيته الموافقة على أساس وجود بعض الشروط، إذ إن هذا البحث يهم بلادي أيضًا، أما أن يكون الأمرإرسال جواسيس يبحثون عن البترول بحجة البحث عن الآثار القديمة، فإنه يفصح بوضوح عن نظرة الألمان للعثمانيين.
اقترح تحسين باشا «أمين البلاط السلطاني» أن أشير إلى هذا للإمبراطور، لكني رفضت وقلت: نتركهم يبحثون، فإذا ما اكتشفوه فإنهم لن يضعوه في جيوبهم، أو نعطيهم أواني الصلصال المكسورة ونستخدم نحن البترول، وذلك لأنهم لم يحصلوا مني في الأصل على إذن للبترول.
مرافقي صلاح الدين أفندي كان رجلًا يفهم هذه المسائل جيدًا. استدعيته وأرسلته إلى أمريكا، لأن أمريكا كانت متقدمة جدًا في هذه الأمور في تلك السنوات، وهذا أيضًا يساعد على إقامة علاقات طيبة مع هذه الدولة، وفي نفس الوقت نستطيع أن نعرف إن كان في بلادنا بترول أم لا.
وللأسف لم تسفر محاولتي هذه عن شيء، فالشركات التي اتصل بها صلاح الدين أفندي في أمريكا لم تبد اهتمامًا بالأمر، وعاد مرافقي بعد عام صفر اليدين.
قال لي صلاح الدين أفندي عنـد عودته: إنالأمريكيين يعتقدون أنهـم يستخرجون بترولًا يكفي احتياج العالم، وأنهم لا يميلون إلى هذا الأمر، بحجة أن ذلك من شأنه أن يخفض أسعار البترول.
لكننا أيضًا شممنا رائحة البترول بعد الإنجليز والألمان، ولذلك طلبت من اليابان وفدًا متخصصًا في التنقيب عن البترول، ووافقت اليابان على طلبي.
لا أعرف بقية هذا الموضوع لأنني أبعدت عن العرش بعد قليل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل