; مذكرات السلطان عبد الحميد الحلقة (21) | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات السلطان عبد الحميد الحلقة (21)

الكاتب محمد حرب عبد الحميد

تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1976

مشاهدات 79

نشر في العدد 318

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 21-سبتمبر-1976

  • اعتقلوا على محسن بك الذي كنت أملي مذكراتي عليه وصادروا ما كتبت
  • عدت لكتابة المذكرات لتكون أمانة تاريخية
  • تسلم الجيش ثروتي وطلبوا مني أن أكتب أن التسليم كان برضائي فكتبت..

۷ نیسان ۱۳۳۳ (۱۹۱۷)

مذكرات السلطان عبد الحميد قصر بيلربي. 

ليست لدي أية رغبة في كتابة الباقي من الأحداث ولكن ما دمت بدأت فلأستمر في الشرح. جاءني فتحي بك في اليوم التالي لكي يزورني. 

كان سبب الزيارة الوداع. والمفهوم أنه أدى واجبه بحصوله على توقيعي وعين مكانه واحد اسمه قول أغاسي راسم جلال الدين.. قلت من قبل لقد تغيرت في نظري مثل أولادي أيضًا ماهية الأحداث المهمة. تحوز على اهتمامنا جميعًا مرة واحدة. نقل قائد الحرس وتعيين آخر محله. يا ترى هل سنخضع لنظام أكثر شدة؟ ذلك لأن القائد الجديد كان جنديًا له وجه خشن. 

لكني فهمت إلا حق لنا في طلب شيء وأننا مجبرون على الرضا بما يقدم. ولذلك فإن نقل فتحي بك ومجيء راسم بك لم يكن هامًا وأيا كان تصورنا فإننا كنا سنقاسيه. وها هو ذا راسم بك القائد الجديد جاء إلى حجرتي ذات مرة وأخبرني بأن موظفي البنك سيحضرون عندي وسيسلمونني النقود والأسهم والايداعات يعني هذا أن البنوك لم تعترف بالتوكيل الذي وقعته وكانت اشترطت تسلیم إيداعاتي لي. ولا فرق عندي في هذا، فلو أنهم لم يزجون بي في هذا الأمر لكنت أكون أكثر سرورًا. كان ابني عبد الرحيم أفندي تتناوبه نوبات عصبية، امتقع لونه. وكان الدم ينزف من أنوف بناتي باستمرار ورقدت زوجتي في السرير يعني أن مجيء موظفي البنك معناه اضطرابهم مرة أخرى. 

في ذلك الصباح ارتدى ضباط الحرس ملابس مدنية وطوال الليل وهم يجيئون ويذهبون في الحديقة أمام غرف نومهم. 

وإذا بالصباح يصبح علينا دون أن تغمض لنا عين. بعد صلاة الفجر استدعيت ابني عبد الرحيم. وقلت له بصوت مهدئ إن يكون بجانبي لأنه أكبر أفراد الأسرة بعدي وقلت له إننا سنهب ثروة الأسرة للجيش. 

طلب مني أن أسامحه والدموع في عينه. أصبح يخاف من رؤية الضباط وبناء على هذا أخذت عابد أفندي معي وهو ابن الخامسة واستقبلت  موظفي البنك في قاعة الطعام. حضر القنصل الألماني مع الوفد وكان يسير خلفه كل من هادي باشا قائد الجيش الثالث وعلي رضا باشا وقول اغاسي راسم بك قائد الحرس. استقبلتهم في قاعة الطعام في الطابق الأول أربع عشر حقائب ممهورة بخاتم دويتش بنك. نجاة استدار موظفو البنك وقالوا للباشوات:؟ 

-نحن مضطرون للقاء فخامته على انفراد. ولهذا السبب نرجوكم أن تتركونا معًا. 

كرر القنصل نفس الكلام. نظر كل من هادي باشا وعلي باشا إلى بعضهما البعض، ثم التفت كلاهما إلى راسم بك. فهمت أن واجبهم في ذلك الوقت كان أن يكونا حاضرين معنا. كنت سأتدخل فشرح القنصل في احترام عظيم وبلغة حاسمة أن هذه مسألة عرف وأصول. 

انسحب الباشوات، وأنا ضمنت دخول الأولاد الذين يتفرجون علينا من على السلم، ضمنت دخولهم غرفهم بإشارة من يدي. 

موظف قدم نفسه على أنه المدير الثاني لبنك دوتيش. قال إنهم حسبما يقتضيه التوكيل سيفتحون الحقائب التي أحضروها وسيعدون ما بداخلها واحدة واحدة وسيسلمونها. وإنما قبل البدء في هذا، سألني بوضوح إذا كنت أرغب أو لا أرغب في هذه الإيداعات وذلك بسبب الظروف التي إذا لم أعشها وأضاف قائلًا: اذا لم ترضوا، فإننا سننفذ حرفيًا الأوامر التي تصدرونها إلينا شفاها- 

فأجبته قائلًا إنني أسحب مودوعاتي من البنوك بإرادتي الحرة ثم التفت إلى ابني الصغير الجالس بجانبي وسألته: 

-أليس كذلك يا عابد أفندي؟

كان المسكين البريء ينظر إلى عيني هززت رأسي فهز رأسه أيضًا. ثم التفت إلى الموظفين وقلت -باشروا عملكم- وسريعًا ما فتحت الحقائب وتم إحصاء كل منها؟ ثم قدمت لي المحاضر فوقعت عليها. خرجوا وذهبوا باحترام كبير ولكن بحزن عميق.

بعد ذلك وحسب ما سمعته من الأولاد أن الباشوات عند خروجهما من الحجرة التف حولهما الضباط الموجودون في الحديقة وسلوهما بلهجة مستهجنة وبصوت عال كيف كيف تركونا وحدنا فدهش الباشوان وعندما خرج موظفو البنك أسرعوا وعلى رأسهم هادي باشا جريا إلى الداخل. فقلت لهم: 

-ها هي ذي، احملوها من فضلكم.

وإذ بالضباط في لحظة واحدة وفي حماس النهب يرفعون الحقائب ويحملونها ويخرجونها. ونحن أيضًا بهذا استطعنا أن نفرح نوعًا ما بناتي تزوجن. واستطاع بعض الذين أتوا معي إلى سلانيك العودة إلى إستنبول وفي نشوة خررت لله ساجدًا شاكرًا. طلبوا مني أن أكتب خطابًا بخط يدي أقول فيه بأنني أهب ثروتي ببنك دوتيش كلها برضائي وموافقتي للجيش الثاني والثالث فكتبت ووقعوا هما لي على مضابط تفيد بأنهم سينفذون مطالبي وغير ذلك فقد تلقيت خطاب شكر من قيادة الجيش الثالث: 

أعلم وكنت أعلم أن كل هذا ليست له أدنى قيمة، ولكني أحفظه للتاريخ وحسابي سيكون يوم الحشر. 

۷ نیسان ۱۳۳۳ (۱۹۱۷) قصر بيلربي     

كنت لا أتضايق كثيرًا من البقاء في القصر ذلك لأنني اعتدت الحياة فيه وعدم الخروج منه كثيرًا. ولكن من كانوا معي من المرافقين والأمناء والأمراء كانوا يضيقون، كانوا يقدرون نعمة الخروج ولو إلى حديقة القصر. طلب إذن لهم من القائد. 

كانوا يتمتعون بالجو ورؤية الشمس تحت رقابة، عدا واحدًا منهم وهو أمين يسمى على محسن بك فبدلًا من يخرج إلى الحديقة كان يأتي إلى جانبي في الساعة التي لا يكون أحد فيها معي ويكونون خارج القصر. 

كان يلتذ من التحدث معي عن الأيام الماضية. وقال لي ذات يوم 

-سلطاني. لماذا لا تسجل ذكرياتكم هذه؟ 

أن أحداث ٣٣ سنة من سلطنتي رأت ولا يعرف خباياها غيري أو بضع أشخاص ممن حولي. إذ ألم أكتب أنا وإذا لم يتكلموا هم فمن أين سيعلم التاريخ بهذه الحقائق. فقلت لعلى محسن بيك ذات يوم: 

-أنا أقول. وأنت تسجل.

ابتهج جدًا وسريعًا ما تناول قلمًا وورقًا وانثنى على ركبتيه بجانبي.

أشرح ما يأتي في ذهني وهو يسجله على الورق. والساعات التي كان يخرج فيها كل شخص إلى الحديقة سريعًا ما كنا نقضيها معًا وكنت أنبه عليه من وقت لآخر مغبة أن يشتبه الحرس في هذه الكتابات وأن يخبئها جيدًا. وكان بدوره يقول لي إلا أشغل بالي بهذا وكان يخبئ هذه الكتابات في مكان لا أعرفه. 

 ثم حل شهر رمضان فانقطعنا عن الكتابة. ولم أستطع رؤية على محسن بك لفترة. لم يعد يأتي إلى جانبي. شغلني هذا الغياب فسألت عنه قال الأولاد: إن السبب شهر رمضان والاعتكاف أنه في إحدى الحجرات السفلية يصوم وإفطاره على الماء والخبز ويكثر من الدعاء ولا يلتقي بأحد.. فاطمأننت وزاد تقديري نوعًا لعلي محسن بك.

وذات يوم م إذ بابني عبد الرحيم أفندي يخبرني ولا أدري أمن إشفاقه على علي محسن بك أم من فرط فقده للسيطرة على نفسه أن على محسن بك محبوس في مخزن القصر. 

دهشت. ماذا يمكن أن تكون جريمة يسجن بسببها أمين مثله دائمًا في حاله. استدعيت أحد الضباط وسألته فقال إنه مريض يا مولاي السلطان- والطبيب يقوم بمعالجته وهو بيننا وليس في المخزن ولا يكن عند جلالتكم أي انشغال..

إذا كانوا قد عرفوا لكنت أظن أنه كان يعطيني معلومات في هذا الصدد. رمضان يمر ولم يبعد على محسن بك عن خاطري. وعند السؤال عنه كانوا يقولون إن صحته تتحسن ويتماثل للشفاء. أخيرًا لم أعد احتمل. استدعيت راسم بك وسألته. البداية لم يكن يود التكلم ألححت عليه فقال- يبدو أنكم أمليتم عليه مذكراتكم وهذا ممنوع. ورغم تذكيرنا لمن في معيتكم بأن هذا ممنوع فإن على محسن بك لم يستجب لهذا وكتب مذكراتكم وخبأها تحت سريره وعثرنا عليها فكتبت بهذا إلى الجيش الثالث وأنتظر الجواب- 

وكان دوري في الإصابة بالدهشة لهذا. إذا كانت كتابة مذكراتي جريمة فينبغي أن يقال لي هذا بدل من أن يقال لمن في معيتي إذا لم يكن على محسن بك هذا الذي خط هذه المذكرات بخطه وإذا كنت أنا الذي كتبتها بخطي فمعنى ذلك أنهم كانوا سيلقون بي في المخزن وكانوا سيشجونني . قلت هذا لراسم بك فاعتذر وطلب مني الصفح لأنه إنما يؤدي واجبه. 

رجوته إطلاق سراح على محسن بك وعودته إلينا ثم التحرك حسب الأوامر التي تأتي من الجهات العليا. وعد. وقال: سأطلق سراحه ولكن لن يعود إليكم. ورضيت بهذا.

وحسب الأخبار التي زودني بها الأولاد فإنهم أطلقوا سراح علي محسن بكى في اليوم التالي لكنهم لم يصرحوا له بالعودة إلى القصر لا أدري أين ذهبوا به. ولا أين يعيش. إنما عندما أذنوا بعودة بناتي وبعض الأشخاص الموجودين ضمن معيتي إلى استانبول بعد تبرعي بثروتي الموجودة في دوتيش بنك إلى الجيش الثالث والثاني كان علي حسن بك من بين الذين استقلوا القطار. وحتى في القطار لم يؤذن له بالتحدث مع الآخرين.

أني أفهم أنهم عرضوا بعض الاقتراحات على علي محسن بك ولم يقبل هذا الرجل الشريف اقتراحاتهم ولذلك أبعدوه عنا. ولو لم يكن في الأمر شيء مثل هذا. إذن فلماذا منعوه من لقاء مرافقي العائدين إلى استانبول.

والآن أفكر بمرارة وأنا أملي خاطرتي هذه على مرافقي في سراي بيلربي. يا ترى هل سيقبض في يوم من الأيام على عبد مخلص لي في أيامي هذه الأخيرة لأنه خط بيده خاطرتي، وهل سيلقى في السجن؟ 

من يدري يا ترى هل يعتقد هؤلاء الذين يحيطونني بهذا القدر من الإطار والذين يرتجفون من مذكراتي بأنهم سيستطيعون تغيير كل شيء حسبما يودون؟ -سلطان حميد- عاش أمام أعين الدنيا ثلاثًا وثلاثين عامًا ويعلم كل شخص ماذا عمل وماذا سوى كل شخص يقوم هذا الأمر من وجهة نظره. أكتب هذا تسهيلًا للتاريخ وليس لأنني سأفهم خطأ. فلا أنا ولا هم بمستطيعين تغيير التاريخ والتاريخ سيعطي حكمه لكن مخاوفهم هذه ستسلمهم من اليوم اللهم لا تجازي الناس بضمائرهم هذا أكبر الجزاء

ملحوظة:

إن القائد الذي تسبب في حبس على محسن بك بحجة خطه لذكرياتي هو حارسي الآن وطلبته من سلانيك وأحضرته معي. إنه يحترمني لكنه مخلص في أدائه لواجبه. لو كنت عرفته أثناء سلطنتي لما ترددت في جعله سجانًا. إنه يجد لذة في أدائه لهذا العمل. لو وقعت في يده هذه المذكرات ذات يوم فيا ترى أيكون ممتنا لسطوري هذه أم سيحزن؟

 

الرابط المختصر :