; مذكرات رضا نور | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات رضا نور

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأربعاء 03-يونيو-1981

مشاهدات 44

نشر في العدد 531

نشر في الصفحة 38

الأربعاء 03-يونيو-1981

حياة الطلبة في المدارس التركية

كان الطلبة في المدرسة على صنفين: طلبة الطب وطلبة البيطرة، وكان كل فريق يكن العداء للفريق الآخر، كنت في ذلك الوقت مازلت في السابعة عشر من عمري، في هذه المدرسة كان الطلبة الأشداء ذوي الطابع الإجرامي يحمي كل منهم طالبًا صغيرًا جميلًا، لكن الحمد كل الحمد فإن النظام الشديد في المدرسة كان يمنع الأعمال الرديئة.

بداية قراءتي للأدب القومي

وبدأ اهتمامي في هذا العهد بقراءة الأدب، كانت أعمال الأدباء الأتراك (النوريين) مثل أعمال ضيا باشا ونامق كمال ممنوعة، لكني كنت أقرأها خلسة، كنت أكن الحب لنامق كمال لأنه كان يعطي إحساسًا عظيمًا بالحرية والوطن، في ذلك الوقت كانت الكتابة في أوروبا متجهة ضد (السلطان) عبدالحميد (الثاني)، وكنت أستطيع الحصول عليها وأقرأها.

اشتغالي بالأدب والسياسة

ضعفت معتقداتي الدينية في هذه الفترة، بدأت بتحصيل العلوم الطبية، كان ذلك في العام 1311 بدأت فترة نضجي وتعقلي لكني مازلت مشغولًا بالأدب وقراءة أدباء أوربا وشعرائها، كنت أجد لذتي في أدباء أوربا أكثر مما أجدها في قراءة أدباء بلادي، وانشغلت أكثر بالسياسة.

القومية الجركسية والقومية التركية

كنت أثناء دراستي هذه أيضًا أذهب إلى سينوب وهناك كان يوجد بعض الأشخاص المنفيين بسبب اشتغالهم بالسياسة، كنت أخالطهم وأتكلم ضد السلطان عبدالحميد وضد الاستبداد، تعرفت بأحدهم وكان اسمه رؤوف، كان جركسيًا قحًا، كان يتحدث في قضية الجركسية ويتكلم مهاجمًا القومية التركية فغضبت منه، كانت القضية التركية عندي فوق كل شيء، وكان أحدهم ألبانيًا.

كنت على اتصال بهؤلاء المنفيين، كما كنت على اتصال ببعض الشباب من سينوب، وكنت أشتم معهم وأسب في عبدالحميد وإدارته وحكمه.

السأم من الفلسفة

أحببت في هذه الأثناء الفلسفة، قرأت لمجموعة من الفلاسفة مثل لامارك وداروين وبوخنر وهيجل وشوبنهادر وسبنسر لم أفهم بعض أعمالهم، لم أجد في حياتي أحدًا يرشدني وسرعان ما أصابني السأم من الفلسفة، مسألة وجود الله، ليست من شأني، لا أنكر ولا أؤمن، وتراجعت عن مواصلة القراءة في الفلسفة.

المطبوعات المضادة لعبدالحميد

كنت مع هذا أشتغل بالسياسة، كانت هذه الفترة هي فترة رواج النشريات ضد عبدالحميد في أوربا وفي مصر، كانت (الشخصيات المعارضة لعبدالحميد) مثل أحمد رضا بك (من زعماء الاتحاديين) ومراد بك صاحب جريدة الميزان (الذي كان ضد عبدالحميد ثم عاد لمناصرته) وصباح الدين بك (صاحب سياسة اللامركزية) متواجدون في أوربا ويصدرون بعض الصحف في الخارج وتأتي إلى إستانبول لنقرأها خلسة.

الضابط العربي صبري يساعدنا ضد عبدالحميد

وفي المدرسة كان ضابط الداخلية ملازمًا عربيًّا أسودَ، وكان رجلًا طيبًا جدًّا، كان يتعامل مع الطلاب كأب حنون، استدعاني ذات يوم إلى المطعم وقال لي: «يا بني! أنت ذكي ومجتهد وأخلاقك طيبة وستنفع الوطن، لكنك تشتغل كثيرًا بالسياسة، الإدارة تعلم بذلك وتتعقبك وسيصيبك مكروه، ابتعد عن السياسة، وإلا فإن طردك من المدرسة مؤكد، وأنا أتألم لك. اسمع نصيحتي فأنا مثل والدك، إني أيضًا مثلك أئن من الاستبداد، فماذا لو صبرت وكل شيء بوقته»، أيقظني هذا الحديث، اسم هذا الضابط صبري، كان الرجل منضمًا لجمعية الاتحاد والترقي منذ تأسيسها، كان ينقذ الطلبة دائمًا حيث يخبر أي طالب يكون البوليس قرر مهاجمة حجرته، كان يخبره حتى يخفي الأوراق المحظورة، وأخيرًا صدر قرار بنقل الضابط صبري إلى اليمن، ومع أنه تمكن من الهرب منها إلى مصر إلا أنه مات جوعًا في حقل قطن بجوار الإسكندرية، إنه من أكبر شهداء الحرية.

المدرسة الطبية: أول خلايا الاتحاد والترقي

كانت مدرستنا الطبية هذه قد ضمت أول تشكيل لجمعية الاتحاد والترقي، ومن المنتمين إليه إسحق سكوتي، وشرف الدين نعمومي وغيرهما.

أصبحت طبيبًا لكني فقدت الخلق الطيب

كان دور طلبة الطب هامًا جدًا في إعطاء الناس مفهوم الحرية (على المعنى الغربي) وعند تخرجنا رأيت الحياة الاجتماعية والعملية وقد تشبعت بالقبح، انتهت مني مجموعة من العادات الطيبة والأخلاق الكريمة والفضائل التي اكتسبتها بجهد فائق، هذه المجموعة من الأخلاقيات انتهت من تلقاء نفسها، وتركت بعضها الآخر مختارًا، كذبت أيضًا، ولازمني هذا الكذب بعد ذلك خاصة في الأعمال الدبلوماسية.

من الصدف الغريبة أن ديوجين -أيضًا سينوبي من بلدي سينوب، درسنا في المدرسة: الكيمياء والفيزياء والتشريح والنباتات وأمثالها، كان يدرس لنا الكيمياء كل من علي رضا وواصل ناحوم.

الطلبة والحرب بين إسبانيا وأميركا

عندما كنت أضع أقدامي في الطبية (عام 1311 رومية) حدثت واقعة قنبلة الأرض الذي حاول بها قتل السلطان عبدالحميد -في هذا الوقت قامت حرب تساليا، كما حصلت الحرب بين كل من إسبانيا وأميركا، وانقسم الطلبة إلى قسمين: واحد مؤيد لإسبانيا والآخر لأميركا، وكل فريق يقول بانتصار البلد الذي يؤيده، كان أحد الطلاب يؤيد إسبانيا حتى أطلق عليه زملاؤه اسم الأميرال جرهرا وهو اسم الأسطول الإسباني، وعندما هزمت إسبانيا، أخذ الطلبة يسخرون به، أصبح هذا الطالب من بعد من الاتحاديين، كان مجنونًا، ولم يكن يفهم في الطب شيئًا.

أخذت الحكومة في تلك الفترة في تشديد حملتها ضد المعارضين، وكثرت عمليات النفي والسجن، كان أغلب الطلاب في الطبية يشتمون السلطان.

الخمر والثورة

ذات يوم جمعة ذهبت مع بعض الأصدقاء نتنزه حيث يقع قصر ولي العهد يوسف عزالدين، ويقع هذا القصر في جامليجة بإستانبول، وبالقرب منه أكلنا وشربنا الخمر وبعد ذلك أخذنا في الصياح متجهين بأنظارنا نحو القصر، قلنا الكثير وقتها! شباب! كانت نار الحرية وعشقها قد أخذت بنا، هتفنا بها ولم نخف.

وذات يوم أربعاء وعلى ضوء القمر ذهبت مع حوالي عشرة من الأصدقاء طلبة الطبية إلى التنزه. أخذنا معنا أكلنا وشربنا: اللحم والطماطم والخبز والخمر، أوقدنا نارًا بين أشجار الصنوبر، عملنا من اللحم كبابًا، أكلنا وشربنا الخمر التي معنا، ودارت رؤوسنا، وفورًا أخذنا ننطلق صائحين بأشعار وقصائد من كمال (شاعر الحرية)، ثم قام كل منا بإلقاء خطبة في الحرية، لعنا الاستبداد، هاجمنا عبدالحميد، تولتني نوبة حماس فألقيت خطبة طويلة ألقيتها بأعلى صوتي حتى بح.

ثم أخذنا في التجول بين أشجار الصنوبر حتى الصباح.

الخمر والإلحاد

كان لنا زميل في الدراسة، أحببته كثيرًا، اسمه رشيد وكان من أتراك منطقة الإسكندرون، ذكيًا كان وكثير الفتن، مجدًا كان ومحبًا للفلسفة، معرفته للفرنسية لا بأس بها، لكنه كان فقيرًا جدًا، وكان ملحدًا، كان ضد الاستبداد، وكان عاشقًا للإنكليز، وبهذا الحب كان يحاول تعلم الإنكليزية، ومع ذلك لم يكن يحب العمل، كان يبيع لي كتبه، ليأخذ ثمنها ويشرب به الخمر.

الخديوي عباس حلمي يقضي على الثوريين

نفت الحكومة شيخًا من البكداشيين بسبب اشتغاله بالسياسة ضد الحكومة يدعي على الشيخ أحمد بابا (بابا: تعني الشيخ في الطريقة البكداشية) نفوه إلى سينوب، كان رجلًا ذكيًا صاحب ثقافة واسعة، كنت أشعر بالسرور كثيرًا بصحبته، كان هذا الرجل قد فر إلى مصر عندما قبضوا عليه بحكم طريقة عمله بالسياسة، كان الخديوي عباس حلمي باشا مواليًا لعبدالحميد في الخفاء، وفي مصر في ذلك الوقت الكثير من أفراد جماعة تركيا الفتاة (وكانوا ضد عبدالحميد).

أخذ عباس حلمي يصادر صحف تركيا الفتاة في مصر، لكن الإنكليز كانوا يسمحون بصدورها من جديد، أخذ الخديوي يخدع هؤلاء الثوار أحيانًا فيرسلهم إلى إستانبول حيث يلقاهم السجن والنفي.

وذات يوم استطاع رجال الخديوي أن يخدعوا أحمد بابا، وأدخلوه السفينة التي كانت على وشك الإقلاع من الإسكندرية إلى إستانبول، وبالتالي تم القبض عليه، وعندما وصل أحمد بابا إلى إستانبول، حبسوه ومن ثم نفوه إلى سينوب.

الدروس الدينية في الطبية لم يحسنوا عرضها

كان مقررًا علينا في الطبية درس العقائد الدينية، لذا كان يدرسه لنا رجل معمم، لم أكن أحب هذا الدرس بل أثور عليه، لم يكن السبب في ذلك ما بي من إلحاد، السبب أنهم أعطوا هذا الرجل كتابًا مليئًا بالمديح للسلطان وبأنه الخليفة ظل الله في الأرض، كتبوا له هذا بدلًا من تدريس الدين، فنتج عن هذا توتر أعصابي، كان يمدح لنا السلطان بدلًا من تدريسه الدين.

مدى ميل الطلبة الثوريين للمعلم

شيء عجيب! كان لي بعض أصدقاء في الفصل يقولون: «آه لو نتخرج من هذه المدرسة. آه! لو تخرجنا لأحرقنا هذه الكتب المقررة علينا وتحررنا منها» وبالفعل قام واحد منهم بأخذ كل كتبه ووضعها في المدفأة وأشعل فيها النار.

عملي في الطب

في عام 1317 رومية أصبحت طبيبًا بدرجة نقيب (يوزباشي) أهم شيئين في رقي الناس: العلاقات الاجتماعية والتنظيم.

فتاة يهودية تعلمني الفرنسية

 سكنت في بنسيون تملكه أسرة يهودية يتكلم أفرادها اللغة الفرنسية، كان فيها فتاة هي ابنة هذه الأسرة، وكانت هذه الفتاة تعطي للعائلات دروسًا في اللغة الفرنسية، لغتها الفرنسية ممتازة، وبهذه اللغة كنت أتحدث معها، أظهرت لي هذه الفتاة اهتمامًا، سكنت عندهم قرابة ستة أشهر، أصبحت أتكلم الفرنسية بدرجة كافية (من جراء سكني عند هذه الأسرة).

وجدت أن هذه الفتاة قد تجاوزت حد الاهتمام العادي بي. وجدت أيضًا أن هذه الفتاة اليهودية غير مناسبة لي، إنني لست في ظرف يسمح بالزواج، لا مكسب بعد، والمستقبل مازال مجهولًا، كما أن من شأن هذا عرقلة سير العمل، إذن فهذا الأمر لا يتفق وصالحي، خرجت من هذا البيت، ومع ذلك لم تتركني الفتاة، وأخيرًا، ذهبت هي إلى باريس، فظلت ترسل إلي البطاقات من هناك.

الأساتذة الألمان في المدرسة الطبية

بادئ ذي بدء دخلت شعبة الداخلية في الدراسة العالية، كان إمبراطور ألمانيا (ويلهلم) قد أرسل الجراح (رايدر) الأستاذ بجامعة بون إلى تركيا، منحته الحكومة العثمانية رتبة الباشا، أما أنا فقد كنت أعمل مع الأستاذ (دايكا)، لكني كنت أتابع دروس رايدر بشوق زائد، كان الأساتذة الألمان يختارون خمسة أو عشرة من الطلاب النابغين ليكونوا مساعدين لهم.

السفير الألماني يتدخل لإلغاء تعييني في البصرة

انتهت سنة التدريب هذه، حصلت على درجة جيد جدًا، عينت في البصرة، خفت، انزعجت، في هذه الأثناء اختارني الألمان لأكون مساعدًا لهم، فرحت جدًا، لكن قاضي السر عسكر لم يرض أبدًا بهذا، أصر على إرسالي إلى البصرة، نجح الألمان (أخيرًا) في الضغط على الحكومة واستطاعوا تنفيذ رغبتهم في أن أكون مساعدًا لهم، كان القائد العام في ذلك الوقت هو رضا باشا، هذا الرجل الذي لم يستطع الإصرار على كلمته (بتعييني في البصرة) هو الذي تزوجت بابنته من بعد.

ولأنني كنت أنام في المستشفى فقد نجوت من دفع إيجار السكن، في ذلك الوقت صدر قانون بالتعامل النقدي الورقي بدلًا من الذهب.

قرار تعييني في اليمن

بعد عام صدر أمر تعييني في اليمن، بذل الألمان كل جهودهم حتى أنقذوني من هذا التعيين، بعد عام آخر، صدر القرار بتعييني في اليمن أيضًا، بذل دايكا كل جهده لإنقاذي من هذا التعيين لكنه لم ينجح، تدخل السفير الألماني (لدى الدولة العثمانية) قال للسلطان إن المستشفى في حاجة إلى رضا نور، بدونه يصبح العمل صعبًا، أرجو بقاءه مساعدًا بالمستشفى، وصدرت الإرادة السلطانية بذلك، كان ذلك بفضل دايكا الذي طلب هذا من السفير، لذلك فإني أعتبر (دايكا) أستاذي وولي نعمتي في نفس الوقت.

كنت أعمل في المستشفى كثيرًا، لم أكن أخرج للتنزه حتى يومي الجمعة والأحد رغم أن المستشفى كانت تأخذ عطلة في هذين اليومين كنت أشتغل في المعمل، وكنت أجد في ذلك لذة كبيرة.

النشر المشترك مع الألمان

ثم تخصصت في الجراحة، كان (ويتنج) قد علمني، ثم بدأنا ننشر أبحاثا مشتركة نقوم بعملها معًا، كنت أشتغل على الأمراض الهامة، أكتبها بالفرنسية وأعطيها له، كان هو يصححها ويترجمها إلى الألمانية وينشرها، كما أسند إلي ويتنج مجموعة من العمليات الجراحية.

السلطان عبدالحميد يتعهدني برعايته

كنت وأنا أعمل مساعدًا بالمستشفى أكتب كتابي «فن الختان» اخترعت آلات لعملية الختان وأصولًا عملية خاصة بهذه المسألة، كان لي اتصال وتعارف ببسيم عمر باشا، وكان بسيم عمر باشا هذا صديقًا لسعيد باشا الطبيب الأول للسلطان، تحدث بسيم باشا إلى سعيد باشا عن كتابي، نقل هذه المسألة إلى السلطان، طلب السلطان أن يقرأ الكتاب، فاستدعاني سعيد باشا وأخبرني برغبة السلطان، (أعددت الكتاب نسخًا) وقدمته للطبيب الأول الذي قدمه إلى السلطان، سُر السلطان عبدالحميد بالكتاب وأصدر إرادته السلطانية بطبع كتابي بالمطبعة العسكرية وترقيتي إلى رتبة (قول أغا).

سعدت جدًا بطبع الكتاب على حساب الدولة، فقد كان هذا الكتاب لو طبعته على نفقتي سيكلفني مالًا كثيرًا جدًا، نجح كتابي نجاحًا كبيرًا، تحدثت عنه الصحف، لذلك كانت سعادتي كبيرة كما حثني هذا إلى مواصلة البحث والكتابة، عندما كنت أجد اسمي مكتوبًا في الصحف كانت السعادة تستولي على كياني، وللآن لا أستطيع أن أنسى حلاوة هذا.

الجمعية الطبية الشاهانية

كنت أنشر أبحاثي الصحية والطبية في الصحف، وكانت الجمعية الطبية الشاهانية تقع في حي (بك أوغلو)، كانت هذه الجمعية تصدر مجلة باللغة الفرنسية، كتبت مقالة بالفرنسية وأرسلتها إلى هذه المجلة فنشروها. كما انتخبوني عضوًا بهذه الجمعية، حتى ذلك الوقت كان كل أعضاء هذه الجمعية من الأطباء الأجانب، لم يكن هناك أحد من الأتراك تقريبًا.

الرابط المختصر :