العنوان مذكرات رضا نور: قوادنا عسكريون فاشلون
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1982
مشاهدات 54
نشر في العدد 564
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 23-مارس-1982
ضابط تسبب في نصر الجيش فعتم عليه عصمت:
أيضًا في تلك الأثناء شاهد أحد الضباط الترك من الصف الأول قوات اليونان وهي تتراجع، ولما تلقى هذا الضابط الأمر بالانسحاب أرسل أحد رجاله جاريًا ليقول للقائد «عصمت» اسحب أمر الانسحاب، والقوات التي سحبتها ادفع بها إلى الأمام! العدو يتراجع من تلقاء نفسه، هذا ما حدث! وبالتالي أصبح النصر في صفنا ولو كانت هذه الحادثة حدثت في أي جيش من الجيوش لترقى هذا الضابط عدة مرات، ولكانوا يقدمون له المال والمكافآت ولأقاموا له التماثيل، لكن حتى اسمه لا يعرفه أحد، ويحتمل أن يكون عصمت قد عتم على هذا الضابط حتى لا يسمع به أحد، يجب أن نكشف عن هوية هذا الضابط ونخلد ذكراه.
النصر لصاحب الأعصاب الأقوى:
ها هو ضابط ينقذ هذا الموقف، لو لم يكن هذا الضابط لاحظ هذا الانسحاب اليوناني، لانسحب جيشنا ولاحظ اليونانيون ذلك ولعادوا مرة أخرى، وكانوا سيصبحون هم المنتصرين، وعندما سألت أنا عصمت عن هذه المعركة وكنا متوجهين إلى لوزان لعقد معاهدة لوزان مررنا من منطقة الحرب، وعندما سألت عصمت عن هذا النصر، تغير وجهه وأطرق ولم يكن يريد أن يتكلم، كان يفكر، لكن كنت مصرًا على سؤالي وأخيرًا تراجعت عن السؤال في التفصيلات وسألته عن كيفية كسب الحرب «فقال: النصر لصاحب الأعصاب الأقوى، من يقاوم أكثر فالنصر له، ثم سكت، ثم أضاف قائلًا: أحيانًا يظن كل من طرفي المعركة أنه انهزم وينسحب وأي منهما يرى هذا الوضع قبل الآخر ويتخذ لذلك الأمر وضعه فهو الذي ينتصر».. كنت أعرف القصة من قبل والآن أسمعها منه هو شخصيًا تمامًا.. فبهذا فقط انتصر.. كانت نتيجة هذه الحرب عبارة عن عودة العدو وعدم حصول العدو على أراضٍ جديدة، وعلى هذا النصر رفع مصطفى كمال عصمت باشا إلى أعلى مكان وأخذ يكيل له المديح.
وهذه موقعة إنيونو الأولى لموقعة إنيونو الثانية أخرى كان رأفت هو قائد القطار الجنوبي من الجبهة وكان حقق انتصارًا في موقعة دوحلو بينار، وقد صفق له مصطفى كمال، ثم قالوا له بعد ذلك: «لا إنك هزمت» وعزلوه من القيادة، وفي خطابه يقول مصطفى كمال عنه إنه انهزم، ولا أدري هل هذا صحيح أم أنها مؤامرات عصمت يتخلص من منافسه رأفت، ويخلو له الجو بالتالي، دبر له أمر عزله، لكن المحقق هو أن اليونانيين تقدموا نحو قونيه ثم انسحبوا، يجب على المعسكر هناك أن يوضحوا الأمر، غضب رأفت وذهب إلى أجاويد وأقام هناك، والمكان هناك مليء بالغابات وأشجار السرو ويقع على طريق إینه بولي- قسطموني، ولكن كيف يذهب، ذهب إلى هناك كقائد روماني مظفر، عسكر يومًا هكذا يتولاهم الكبر والعظمة ذهب ومعه الياوران وأركان الحرب وفرقة حرس وخصصت له خيمة ووسائل نقل ومواصلات ومصاريف، وكلها من خزانة الدولة، وعند وصولنا إلى أنقرة كانوا يتحدثون في مجلس الأمة عن هذه الفخفخة.
وزارة الدفاع الوطني مزرعة يملكها العسكريون:
إن عسكريينا يتصورون أن وزارة الدفاع الوطني مزرعتهم العامة، ويستعملونها على هذا الأساس، معنا في مجلس الوزراء بعضهم، يحضرون ومعهم مرافقوهم وياورانهم وحراسهم وعدد من الجنود ولهم سيارات عسكرية، ونحن وزراء أيضًا ولكن ليس لدينا مرافق «يارو» ولا غيره، بل ولا حتى خادم عادي، لأننا مدنيون، وإذا كانوا هم في مواقع خطرة فنحن «أيضًا» هكذا، وليس لدينا حرس، كثيرًا ما نتأخر في مجلس الوزراء، نجوع فنأكل الخبز والجبن، وكم كان يحدث أننا لا نجد غير هذا فنبيت على الطوى.
أصبح عصمت رئيس الوزراء بعد معاهدة لوزان فبنى فيللا ووضع فيها كل وسائل الراحة، حتى جهاز تكييف الهواء الشتوي، فكان العامل على هذا الجهاز جندي والذي يرمي الفحم فيه جندي والذي يقطع الخشب جندي والخدم الآخرون جنود، وعربات النقل التي تحمل الفحم والخشب عربات عسكرية، هؤلاء الرجال هكذا ومازالوا كذلك، جميع خدم مصطفى كمال حتى الآن جنود ومن الجيش، لمصطفى كمال ثماني عشرة سيارة من أحدث وأفخم السيارات، كل سائقي هذه السيارات جنود في الجيش.
بعد توقيع معاهدة موسكو، أخذنا في الاستعداد للعودة، وفي موسكو قال لنا علي فؤاد «أن نترك له مائة ألف ليرة من مجموع نصف مليون ذهب» وقال: «إنه سيحصل على ذخيرة من ألمانيا بهذا المبلغ»، وقلنا له: «ليس معنا إشعار بهذا ولذلك لن نعطيك» فذهب إلى الروس دون أن يخبرنا بهذا وأخذ منهم المبلغ، قلت للروس: «لن نستطيع أن نوقع بأننا تسلمنا نصف مليون ليرة» وأخيرًا سلمونا 400,000 ليرة، وقع يوسف كمال على هذا المبلغ، ووضعوا النقود في صناديق وحملوها في عربات القطار، وأعطونا مفرزة قوامها ثلاثون أو أربعون عسكريًا مسلحًا، ثم أخذنا عديدًا من المدافع والمترليوزات، والبنادق والطلقات والقنابل، وقد تم إرسال هذه من جهات مختلفة.
موقعة صقاريا:
يتحدث مصطفى كمال في خطابه «اعتبارًا من ص 337» عن معركة صقاريا «مع اليونانيين» وأنا كنت أثناءها في قلب الأحداث.
كنا هزمنا شر هزيمة في جبهتي اسكيشهر وأفيون، وقد بلغت الهزيمة حدًا رهيبًا جعلت قوتنا تتبعثر وهي تهرب، وقد ترك جنودنا قطعان الماشية في ميدان المعركة، وقد استفاد اليونانيون استفادة كبيرة من هذا الخط، وقد نفعتهم هذه القطعان في الأكل كثيرًا، ولو لم تكن هذه القطعان موجودة لما استطاع اليونانيون البقاء في صقاريا عشرين يومًا.
وأنا أكتب هذه الحقائق التي رأيتها وعشتها وعرفتها.
اقتنعنا بكلام مصطفى كمال بأن اليونانيين لن يقوموا بالهجوم، وفيما اعتقدنا بأن المسألة انتهت على هذا، وإذا بانفجار مفاجئ في أفيون وقراحصار وكان أقوى هجوم على أفيون وقراحصار حتى الآن قام اليونانيون بهجوم شديد كل الشدة من هناك إذن فالحرب أمر واقع، واستشرت الحزب على طول الجبهة حتى الشمال وأقوى هجوم كان على جناحنا الأيسر يعني من جانب كوتاهية وفي حذائها إلى أفيون وقراحصار وسيد غازي صب اليونانيون نيرانهم في البداية على العصابات المسلحة التابعة لنا ولم يروا حربًا حديثة نظامية، في معركة إنيونو الأولى كان اليونانيون قد حضروا بقوات قليلة، وفي إنيونو الثانية جاءوا بقوات مساوية، وربما كانت جنودنا هم الأكثر، لو كانوا استطاعوا الصبر عدة ساعات أكثر لانتصروا، وفي هذه الحروب لم يظهر الجنود اليونانيون أي دراية ولا درية، لقد أثبتوا أنهم يفتقدون الحماسة العسكرية وأنهم عدو تافه والآن قتلوا جنودًا بأعداد كبيرة وهم الآن يقومون بحركة هامة، وعلى رأسهم ملكهم.
يوضح مصطفى كمال في بيانه أنه لم يكن يملك أي معلومات لا هو ولا قائدنا «عصمت» عن الجيش اليوناني، معنى هذا أنهما كانا في غفلة تامة، ويبين أنهما لم يفهما في الأصل الحركة التي بدأت في الجيش اليوناني.
قوادنا عسكريون فاشلون:
صحيح أن عصمت هو القائد لا يخطو خطوة بخلاف رأي وأمر مصطفى كمال، كان القائد اسمًا هو عصمت، ولكن القائد غير الشرعي هو مصطفى كمال.
والخلاصة أن العدو استطاع بنجاح أن يخدعنا، وأخيرًا، كان الانسحاب أمرًا محتومًا على جناحنا الشمالي، طلب القادة الجدد المدد من عصمت، يرفض عصمت ويقول: إن العدو في مظاهرة بالقوة فقط في هذه المنطقة «أي في جناحنا الشمالي»، ولن أرسل جنديًا واحدًا، ولم يرسل بالفعل، رغم أن القادة المذكورين يتمزقون بعد أن دافعوا بشجاعة وجنون.
وأخيرًا يقوم عصمت بهجوم مقابل من أسكيشهر، ويقولون إنه كان هذا خطأً كبيرًا، المهم وأخيرًا فطن قائدنا للمسألة فتراجع عن ذلك بسرعة وأمر بانسحاب عام، ولو لم يكن أصدر هذا الأمر لانتهى الجيش، الجنود يهربون والذين منهم من أهالي المنطقة التي تقع فيها الحرب يتجهون إلى قراهم.
مصطفى كمال يسمي هذا رجعة وانسحاب ص «377» إنها هزيمة نكراء، يبدي في ذلك الأسباب وكلها كذب، هذا الرجل لا يخجل أبدًا، كل صفحات هذا الرجل كلية كذب.
نزل علينا هذا الخبر في أنقرة كالصاعقة، الأمة والدولة تغرق ثانية، قرر كل من مصطفى كمال وفوزي نقل الجيش إلى ما خلف يشيل إیرماق، هرب مصطفى كمال من الجبهة ووصل إلى أنقرة وكان كالقطة لا يتكلم، لا يكذب مثلما يفعل في كل وقت، ينبغي الآن فورًا تقديم كليهما للمحاكمة، لكننا في حاجة للعسكر مهما كانوا جيدين أو سيئين.
أصبحت أنقرة كيوم الحشر، كان أول من هرب إلى قيصرية «خوفًا من العدو» هو حمد الله صبحي وزير المعارف ومعه يوسف نادي الحمد لله وإن كان ثمانية أو عشرة من النواب قد هربوا، إلا أن أحدًا غيرهم لم يهرب، الحكومة والموظفون والضباط يرسلون عائلتهم إلى قيصرية «خوفًا من مداهمة اليونانيين لأنقرة».
لا أرى الله أحدًا يومًا كهذا اليوم، حتى إنهم يقولون في الأمثال ولا العدوى.. مضبوط.. مسئولية عصمت في هذه الحرب فظيعة جدًا، ما فعله كان من عمل الأطفال، لو كان هذا القائد في أمة أخرى لأعدموه فورًا، ولكن ليست عندنا مسألة تحميل المسئولية لأحد، خاصة أن المسؤول من الذين يتملقون مصطفى كمال ومن الذين يجعلون له أنفسهم عبيدًا، ففي هذه الحالة يكون الخطأ صوابًا والهزيمة نصرًا.
كنت قرأت قبل حوالي شهر على من هذه الحرب في مجلة التمبس مقالًا للجنرال الفرنسي دي ركروا قال فيه: سيقوم اليونانيون بهجوم كبير وهم الآن يستعدون له، ولكن يستطيعون القيام بهجوم كبير كهذا لابد من تأمين الرجال والسلاح والمأكل ونقل الذخيرة، ولذلك فلابد أن يقوموا بالهجوم من منطقتي أفيون، ذلك لأن هناك خط سكة حديد من أزمير إلى هناك، ولا يستطيعون القيام بهجومهم من مكان غير هذا.
ثم وفي أثناء تحقيقي في أنقاض الجيش الذي هرب إلى قارية وعندما عرفت الخطأ الذي ارتكبه عصمت في أنيونو من انتظار للحرب هناك تذكرت هذه المقالة، لو كان هؤلاء الناس قد قرأوا هذا المقال، ولو كانوا اتخذوا منه درسًا، وإن عسكريًا لو فكر قليلًا لعرف أن هجومًا كهذا لا يمكن أن يتم إلا من أفيون وهذا مثل ضرب اثنين في اثنين يساوي أربعًا، وقد جهل رجالنا حتى هذا! أخجلوا أنفسهم وأخجلونا معهم.
سيسحب هؤلاء السادة القوات، الجيش خلف قبزيل إيرماق أي جيش؟ لقد تفرق وتبعثر جيش قوامه مائة وعشرون ألف شخص، ولم يأت خلف صقاريا إلا عشرون ألف شخص، ومعظم السلاح استولى عليه العدو كان جنودنا يهربون هروبًا فظيعًا أثناء الهزيمة والواقع أن مجموعة من الجنود وكانوا يهربون حتى قبل أن تبدأ الحرب لا يجب أن نفخر كثيرًا ونقول بطلنا وأبطالنا وما إلى ذلك، الجنود سأموا الحرب، وكلما تسنح لهم الفرصة يلقون سلاحهم من أيديهم، وقسم منهم كان يهرب بسلاحه، وقد تم القضاء على هذه الظاهرة إلى درجة ما، عندما تشكلت محاكم الاستقلال.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل