العنوان مذكرات رضا نور .. حظ الأمة التركية سيء
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مايو-1982
مشاهدات 60
نشر في العدد 572
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 25-مايو-1982
اللورد كيرزون آثار إعجابي
تباحثت تباحثًا خاصًا مع اللورد كيرزون من أجل الموصل علمت نقطة ضعف كيرزون، حساس تجاه المديح، و الحق أنه رجل عظيم وجدير بكل مدح عظيم، أمدحه لذاته أمدحه بهذا الشكل وأنا مقتنع بما أفعل، رويدًا رويدًا بدأ هذا الرجل يحبني وبدأ يدعوني و رَقَّت طباع كيرزون معي وهو المعروف عند كل شخص بخشونته، وفي كل لقاء معه أقول له: اتركوا لنا الموصل. وجاءت أوقات كاد يجيبني إلى ما طلبت. و ذات يوم و بينما أنا أصر على مسألة الموصل، تكلم هو عن السياسة العامة وقال: «ولكنهم مع الروس» فكيف يحدث ما تريد؟! إن هذا الضوء حسن، قل له: «نحن دائمًا نحمل فكرة الصداقة مع الإنجليز والأمة التركية تحبكم وتكره الروس، والروس عدو طبيعي للتركي، وهذا القديم ولم يغير اليوم أيضًا ولم تغير الحرب العالمية هذا «إننا الآن أصدقاء مخلصين للروس لكن هذا حدث نتيجة تقصيركم، وَجَّهْتُم إلينا لطمة، فدفعتم بنا إلى أحضان الروس، افتحوا الآن أذرعكم بالصداقة وسنجري إليكم» نهض من مكانه وجلس بجانبي، معنى هذا إني ضربت على أكثر الأوتار حساسية، قال لي: «إذا تصادقنا، هل تتركون الروس؟ قلت له فورًا: «سر كيرزون من هذا فقلت له: إن عدونا هو روسيا ونحن سئمنا من الاستيلاء على الأراضي وسئمنا من الحروب. أراضينا واسعة ولا نريد إلا الأمن. كل همنا ينحصر في تعمير بلادنا الخربة وتربية أمتنا في إطار من السلام؛ لذلك فحاجتنا إليكم كبيرة، ولكن فينا حاجة نحن نكون درعًا دفاعيًا لكم ضد روسيا، وبدلًا من المصاريف التي ستصرفونها في العراق و إذا ثارت عليكم نمدكم نحن بالجيش. إن فكرة الخلافة وفكرة الطوارنية كلاهما بعيدة عنا كل البعد.
أيها الإنجليز نحن فقط القوة التي تستطيعون الاعتماد عليها في الشرق
لا بُد لكم من قوة صديقة في الشرق، و أردتم أنتم أن تكون اليونان هذه القوة، ولم يحدث ما أردتم إن الأحداث لتظهر لكم أن هذه القابلية وهذا الاستعداد مُنعدم في الأمة اليونانية، نحن فقط الذين يمكن أن يكونوا هذه القوة» طال الحديث وعمق، فقال لي: «حسنا جدًا! كل هذا جميل جدًا مضبوط لكن لابد من ضمان لهذه الصداقة، كيف يمكن أن يكون هذا الضمان؟ ذلك لأن الحكومة يمكن أن تغير في يوم وهذه السياسة تتغير، وليس لديكم حكومة مستقرة بل ولا فكر وسياسة حكومية مستقرة» واضح أننا نتحادث بإخلاص وصراحة، لا يجدون أمانًا عندنا، لم أجد جوابًا عن كلامه هذا وإنما قلت فقط: «ليس من الممكن إيجاد إجابة و النطق بها فورًا» إذا أحببتم فيمكن الدخول في مناقشة هذا فيما بعد» فهمت بأن الإنجليز يهتمون بأن نكون بعيدًا عن روسيا و يودون هذا جدًا.
فإذا أصبحنا بصدق أصدقاء للإنجليز فهم محتاجون إلى قوتنا ليستندوا إليها، ومن الطبيعي إن مكسبنا من هذا سيكون عظيمًا، مكاسب اقتصادية وإعمارية وتدريبية وتربوية، وأمن حدودنا. ولكن لابد من قدرتنا على إعطائهم هذا الإخلاص و حاسة الاستقرار.
صداقتنا مع الروس شيء مؤقت أما الإنجليز فهم الأصل
استدعاني كيرزون ذات يوم، نتحدث كما نتحدث كل مرة، كل مشكلتي تنحصر في اكتساب صداقة الإنجليز، وإني مقتنع جدًا بأن حياة تركيا وسعادتها لن تكون إلا بهذا صداقتنا مع الروس شيء مؤقت.
كان لدينا احتياجاتنا وحصلنا عليها وانتهت المسألة. وإلى هذا الحد فقط تصادقنا. كما أني وجدت عند الروس إن فكرة الاستيلاء على تركيا ما تزال تراودهم ولم تنفع صداقتنا لهم، هذه الفكرة من أذهانهم، ثم إن الروس ما هم؟ ما قيمتهم؟!
لو كان عند الأقرع مرهم لدهن به رأسه، إن سياستهم هي التوافق مع الإنجليز، وكثيرًا ما صرحوا لي و اعترفوا بأنهم محتاجون للإنجليز، وبغير الصداقة الروسية الإنجليزية لم يستطع الروس العيش في سلام، إلا أن مصطفى كمال له ارتباطات خاصة بالروس وهذه مشكلة.
حظ الأمة التركية سيء
لو كانت الحكومة التركية أرسلتني بعد لوزان إلى لندن لأقمت هذه الصداقة التركية الإنجليزية، و لأنقذت الموصل لنا، ومن جانب آخر كان اللورد كيرزون قد سأل على كثيرًا بعد لوزان، وسمعت هذا من أشخاص عددين، ومع الأسف مات لورد كيرزون، وكنا تفاهمنا وانسجمنا معًا كثيرًا، إن حظ الأمة التركية سيء.
يا حكومة أنقرة! لماذا لا تحتلوا سوريا!
ذات مرة كنت أتحادث مع لورد كيرزون، وكنت أُكثر من ترداد كلمة الموصل، وكان هو في غرفته فأخذ يسير جيئة وذهابًا مستندًا على عصاه. وأخيرًا وقف واقترب مني وقال بصوتٍ خفيض «الموصل! الموصل! ماذا ستفعلون بها؟ سوريا تحت أنفكم تمامًا خنوها! ضربة واحدة تكفي» أنعشني هذا الكلام. معنى هذا أنه أصبح يطمئن لي تمامًا؛ حتى يقول هذا الكلام فهو يقترح أن نأخذ سوريا من الفرنسيين. لم أندهش لهذا، كنت أعرف «هذا» في بداية الهدنة عندما كنت في مصر قام الإنكليز بتشكيل جمعيات من العرب، وأنشأوا منظمات مسلحة.
جميع تمردات الدروز،صنعها الإنجليز
فقد كانوا يريدون طرد الفرنسيين من سوريا وجميع التمردات الدرزية الأخيرة من صنع الإنجليز؛ ذلك لأن هذه المسألة هي مسألة الهند، والتاريخ فصيح في هذا الباب، فالتنافس الإنجليزي الفرنسي في البحر المتوسط والمستمر منذ قرن ونصف قرن مازال موجودًا تنافس مستعمرات، وعلى هذا فقد كان دخول نابليون مصر وسوريا موجبًا لقيام الإنكليز بالحرب متعاونين معنا ضد الفرنسيين، وتم بهذا طرد الفرنسيين من مصر. كان نابليون يريد الذهاب إلى الهند من بعد استيلائه على سوريا. و وجود الفرنسيين في سوريا لابد أن يأتي اليوم الذين يطردونهم منها.
سر إنجليزي أذيعه لأول مرة
كان اقتراح كيرزون جديًا.. إن هذا الرجل ديبلوماسي قدير وفي غاية الذكاء، و ربما يكون مقصده معرفة وجهة تفكيرنا في احتلال الأراضي، فقلت له «ليست لدينا أدنى رغبة في سفك الدماء و بَذْل المصاريف في سبيل أخذ أراضي، و إثباتا ماديًا لصداقتنا في صداقتكم، نستولى نحن على سوريا من الفرنسيين ونعطيها لكم.
ضحك لورد كيرزون كثيرًا من السرور. وقد خبأت أنا سره هذا حتى اليوم. و أودعه للضرورة في مذكراتي هذه، بعد فترة أستاذته وغادرت المكان على أمل اللقاء به.
تمسك الإنجليز بالموصل لم يكن من أجل البترول!!
كنا نعتقد قبل ذلك أن الإنجليز يتمسكون بالموصل من أجل البترول، وكنا نظن أننا سنأخذ الموصل ونعطيهم امتياز البترول؛ تقدمنا بهذا الاقتراح؛ لم يوافق كيرزون إطلاقًا على هذا، ونحن نُصر على موقفنا هذا، فقال اللورد كيرزون أن ليس لمسألة الموصل أدنى علاقة بمسألة البترول، وقد كرر الإنجليز هذا كثيرًا، و كيرزون يُصر على قوله إصرارًا عظيمًا، والشيء المُثير للدهشة أن هذا ليس اقتناعنا نحن فقط وإنما الجميع يتصورون أن ارتباط الإنجليز بالموصل أصله البترول، والإنجليز يقولون العكس، ويصرون على قولهم، ولم أفهم هذا أبدًا، غالبًا أن السبب في هذا هو موقع الموصل الاستراتيجي، من يستولى على الموصل يُصبح مالكًا لبغداد فليس بينهما مكان دفاع ولا جبل يمكن أن يُسمى بجبل.
خلاصة الأمر أن مسألة الموصل لم يكن حلها عن طريق المُباحاث الخاصة، وحاولنا إثبات دعوانا بذكر خواص ولاية الموصل وغيرها، كذلك حاول الإنجليز «من وجهة نظرهم» قالوا بأن الأكراد هنا أكثر، وإن التركمان هناك ليسوا بأتراك.
كيرزون هددنا لكي نقبل إحالة قضية الموصل إلى عصبة الأمم
اقترح كيرزون تقديم مسألة الموصل إلى عصبة الأمم، وهددنا لكي نقبل هذا الاقتراح، وبذلك أوصل الأمر إلى درجة الإجبار، وسرعان ما ظهر تأثير هذا التهديد على عصمت فوافق على الاقتراح، جاءني «فوربر آدم» خصيصًا ليقول لي، فلنعقد الصلح، ويجب ألا تكون مسألة الموصل مانعًا لعقده، فهذه المسألة يمكن حلها فيما بعد، وهذا ما نريده فلا بُد من عقد الصلح، ومسألة الموصل تحل فيما بعد، وما دامت الأمور وصلت إلى هذا الحد، فمعنى هذا أن الصلح قد تم، ذلك لأن المُسيطر على المؤتمر وعلى العالَم كله هم الإنجليز، وعلى هذا فقد فضلوا الموصل عن مسألة الصلح.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل