; صفحات من دفتر الذكريات «21»: زيارة تونس تحت الحماية | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات «21»: زيارة تونس تحت الحماية

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1994

مشاهدات 34

نشر في العدد 1123

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 01-نوفمبر-1994

  • الانشقاق بين الحزب الدستوري و أصحاب الثقافة الإسلامية جعلني ألح على زيارة تونس رغم أن الأبواب كلها كانت موصدة

في عام 1948م، كان قد مضى عام على عودتي من عطلتي بالقاهرة، خلال هذا العام، كنت أتابع تطورات قضية فلسطين بعد صدور قرار التقسيم، لكم ميدان العمل لها كان في مصر، حيث يقيم المفتي، وهناك بدأت جماعة الإخوان المسلمين عملية إرسال المتطوعين إلى القدس وغيرها من مناطق فلسطين، وتزويدهم بالسلاح والمؤن، وكان من بينهم متطوعون من شباب شمال أفريقيا، وانشغلت في باريس بإتمام رسالتي للدكتوراه، ولكن كنت حريصًا على عدم العودة إلى مصر إلا بعد أن أبذل قصارى جهدي لزيارة الجزائر ك«ما وعدت الشيخ الفضيل» وجميع أقطار الشمال الإفريقي. 

وطرقت جميع الأبواب، أولها باب المستشار الثقافي الذي طلبت منه أن يعطيني خطاب توصية للسلطات المختصة في باريس، لكي يسمحوا لي بزيارة الجزائر من أجل الحصول على معلومات تتعلق برسالة الدكتوراه، وكان يقول: «إنك تدرس الحقوق ولا توجد حقوق هناك»، وصمم على أن ينصحني بعدم التفكير في ذلك، لأن هذا غير ممكن، كنت قد طلبت من صديقي التونسي «محمد الميلي» أن يبحث لي عن وسيلة لزيارة تونس، وقلت له: «إن الشيخ الفاضل قال لي إن الباب مفتوح للحصول على التأشيرة من باريس»، ولكن علمت فيما بعد أن كل محاولة في هذا الاتجاه كانت تجد الأبواب موصدة تمامًا بالنسبة لتونس، كما هو الأمر بالنسبة للجزائر والمغرب، ولكن ما سمعته عن الانشقاق بين حزب الدستور الجديد، وعلماء الزيتونة، وذوي الثقافة الإسلامية عامة، جعلني ألتمس من صديقي أن يرتب لي زيارة إلى تونس.

رحلة إلى تونس

وقبل بداية الصيف في عام 1948م، أخبرني «الميلي» بأنه قرأ إعلانًا عن رحلة إلى تونس وأبدى استعداده ليرافقني إلى الجمعية التي تنظم هذه الرحلة، وكانت إحدى الجمعيات المهنية للعاملين في حقل التعليم، ذهبنا إلى مقرها وطلبنا معلومات عن الرحلة، فأبدوا ترحيبًا بنا، سألتهم إذا كان يمكن لي أن أذهب معهم على الرغم من أنني لست فرنسيًا، وإنما أن مصري وأنا طالب، ولكني سأكون «أستاذًا» فيما بعد، فقالوا لي: «نحن نرحب بك معنا إذا رغبت في المشاركة في الرحلة»، قلت إنني أحتاج إلى تأشيرة دخول لتونس، فقالوا: «هذا ممكن، وسوف نأخذ جواز سفرك، ونحن سنتولى كل شيء للحصول لك على تأشيرة الدخول في الوقت المناسب بعد أن تدفع اشتراك الرحلة».

فتركناهم مسرورين وودعني «محمد الميلي»، وهو يقول: «مبروك يا شاوي سوف ترى تونس، وسوف أعطيك عناوين بعض أصدقائي»، وعدت للجمعية بعد ذلك وأتممت إجراءات الاشتراك في الرحلة، وقبل الموعد المحدد بشهر تقريبًا عدت إليهم، وسألت عما تم بشأن سفري وتأشيرتي فطلبوا مني جواز السفر فأعطيته لهم وقد وعدوني بأنهم سيكاتبون مندوبهم في تونس وتأتي التأشيرة. 

وبعد أسبوع عدت إليهم فأبدوا أسفهم بأنه لم يأتِ لهم رد من تونس، وطلبوا مني مهلة أخرى وصرت أتردد يومًا بعد يوم إلى أن قرب موعد السفر، ولم يبق إلا أسبوع واحد، فلما عدت إليهم قالوا لي: «إلى الآن لم يأت لنا رد، واليوم سنرسل استعجالًا آخر، لأن مندوبنا هناك لم يرد علينا، ولم يقل لنا إن الطلب مرفوض، ولذلك لا تنزعج فإن رئيس الرحلة رجل ممتاز وهو سيتكفل بكل إجراءاتكم، سواء أثناء الرحلة أو قبل الرحلة»، وفعلا قدموني إلى المشرف على الرحلة، الذي سيرافقها طوال المدة فحياني، ورحب بي كثيرًا وقال: «إنني سأرسل اليوم تلكس آخر للحصول على التأشيرة ولكن أنا أطمئنك إذا لم تأتِ التأشيرة، ولم يأتِ رد برفضها، فإنني أستطيع عند وصولنا هناك أن أدبر لك الأمر، وأحصل لك على التأشيرة من الميناء، وهذا حقك»، فأبديت بعض التردد، وقلت له: «ماذا يحصل إذا لم تنجح في الحصول لي على التأشيرة من الميناء؟ هل يقبضون علي؟» قال: «كلا إنهم لن يحبسوك ولكن كل ما يفعلونه حسب القانون هو أن يعيدوك على نفس المركب إلى مارسيليا، وهذا لن يكلفك شيئًا، لأن أجرة سفرك مدفوعة ذهابًا وإيابًا، وزيادة لاطمئنانك فإن لنا معسكرًا صيفيًا في جنوب فرنسا على البحر الأبيض المتوسط قرب مدينة نيس، وسوف أحصل لك على خطاب بالاشتراك فيه، وإذا عدت إلى مارسيليا ما عليك إلا أن تركب سيارة وتذهب إلى مخيمنا هناك ومعك هذا الخطاب، وتبقى به المدة المحدودة، وبعد ذلك تعود معنا أو معهم في نهاية المدة إلى باريس أو بدوننا»، فأراحني هذا الترتيب، واستعددت للسفر وأخبرت السيد «جلولي فارس»، مندوب الحزب الدستوري بذلك، فلم يأخذ الأمر مأخذ الجد، وقال: «على كل حال إنها نزهة وسترى أن تونس جميلة، وتستحق هذا»، فقلت له: «هذا هو هدفي، وإذا كنت تريد شيئًا من هناك فأنا على استعداد»، وفعلًا مررت عليه قبل السفر بأيام وأخذت منه رسائل للسيد «المنجي سليم» المسؤول عن الحزب هناك، وبعض المسؤولين الآخرين، وطلبت منه أن يبقى الأمر بيني وبينه، وألا يعلم أحدًا بسفري.

حيلة للدخول

عندما جاء اليوم الذي حددوه لنا لبدء الرحلة، اجتمعنا في مقر الجمعية مساءً وتوجهنا إلى محطة ليون، وركبنا القطار إلى مارسيليا، وفي مارسيليا أركبونا سفينة متجهة إلى تونس، وكان عدد أفراد الرحلة ثمانين تقريبًا أغلبهم من الفرنسيين ولكن يوجد إلى جانبهم بعض البلجيكيين وغيرهم من بعض الدول الأوروبية المجاورة، وفي السفينة ارتكبونا على ظهرها لأن الأجرة كانت قليلة وكنا نعرف ذلك، ولم نعترض عليه لأن الوقت كان صيفًا والسفينة أعتقد أنها تأخذ المسافة في ليلة واحدة أو ليلتين على الأكثر ، وقالوا لنا إن النوم على ظهر السفينة سيكون ممتعًا لأن القمر ساطع والجو دافئ، وفعلًا لم يشتك أحد من الثمانين أي شكوى، وكان كثير منهم من النساء والعائلات. 

ووصلنا إلى ميناء تونس، وهنا تقدم رئيس الرحلة وقال لنا: «إن مندوب الجوازات صعد إلى الباخرة ليتم إجراءات التأشيرات، وقد قابلته وقلت له إن كل من معي لا يحتاجون إلى تأشيرات لأنهم فرنسيون أو أوروبيون، فقال لا داعي لأن يمروا علي، واكتفى بأن ينزلوا وحدهم بعد نزول جميع الركاب طابورًا، وما عليهم إلا أن يقدموا بطاقات إقامتهم»، وهنا وقعت في المأزق، لأن بطاقات الإقامة للفرنسيين كانت حمراء، أما بطاقتي فكانت زرقاء، لأنني أجنبي، فكيف أمر وسيكشف الجندي الواقف أنه ليس معي بطاقة، فتطوع أحد الزملاء وأخذ بطاقتي ووضعها في داخل بطاقته، ومر على الجندي الواقف وأشار له على قائلًا: «إن بطاقته معي ها هي ذي» ولم يفتحها ومررنا بسهولة ونزلنا وحصل كل منا على حقيبته وأوقفونا في ساحة واسعة.

وكان في استقبالنا شاب تونسي باعتباره مندوبًا للجمعية التي نظمت الرحلة، وعرفت فيما بعد أنه يهودي، وأثناء وقوفنا دعانا السيد مندوب الجمعية للاستماع إلى تعليماته، وقال: «إن عندنا اثنتان من سيارات الأتوبيس، وسنضع أربعين في كل سيارة، ويهمنا أن نكون مستريحين، ولذلك قسمنا الرحلة إلى قسمين، وسأنادي أسماء الزملاء الذين سيكونون في الأتوبيس الأول وأسماء الذين في الأتوبيس الثاني، ومن أراد منكم أن يغير أتوبيسه ليركب في الآخر، لأن له أصدقاء أو أقارب أو زملاء يريد أن يركب معهم، ما عليه إلا أن يحضر إلي لأنقله، وعندي الوسائل لذلك». وأثناء نداء الأسماء، فوجئ باسمي بين المشتركين في الرحلة، ولكنه لم يظهر شيئًا، وبعد أن انتهى من التوزيع، قال: «إنكم ستنزلون في المدرسة العليا للمعلمين بساحة الغنم في المدينة القديمة، وهي ليست بعيدة، ومن أراد أن يركب السيارة إلى المكان الذي ستنزلون فيه، فإنه يقف في انتظار السيارة، أما من يرغب منكم أن يسير على قدميه من هنا حتى هناك فهذا سيكون ممتعًا لتروا المدينة في طريقكم، وهذا جزء من السياحة، وما عليكم إلا أن تسيروا معًا من هنا إلى المكان الذي ذكرته وسيكون معكم أحد الأدلاء ليرشدكم إلى الطريق»، وكنت أنا من بين من فضلوا المشي.

مفاجأة جديدة

ولكن فوجئت بهذا السيد يستدعيني ويقول لي: »يا سيد شاوي، أنا مسرور بأنك وصلت وبالطبع حصلت على التأشيرة، لأنني سبق أن كلفت بطلبها، ولكنهم رفضوا طلبي»، قلت: «هذا من شأن رئيس الرحلة، وما عليك إلا أن تسأله فهو الذي يتولى هذه الأمور والجواز معه»، وتركته وانصرفت مع الماشين نحو المدرسة، واخترقنا الطريق من الميناء إلى المدرسة من داخل المدينة حتى وصلنا إلى ساحة الغنم، ودخلنا المدرسة، وبالطبع كان مندوب الجمعية (ومعه رئيس الرحلة) قد حمل الحقائب في السيارة وسبقنا إلى المدرسة ووقف وأمامه الحقائب ليسلم كل شخص حقيبته، وبمجرد أن دخلت إلى ساحة المدرسة لاحظت أنه ترك موقعه ودخل إلى أحد المكاتب، وبعد دقائق كنت قد تقدمت للبحث عن حقيبتي، فإذا به يعود مستعجلًا ويناديني: «يا سيد شاوي، هل لك أصدقاء هنا؟»، قلت: «لا»، فقال: «إنهم يطلبونك على الهاتف»، قلت له: «أنا ليس لي أصدقاء، ولا أحد يعرف شيئًا عني»، قال: «تعال انظر من يناديك»، ودخل أمامي، وأمسك بالسماعة وقال: «ها هنا السيد شاوي، أقدمه لك»، فمسكت بالسماعة، وإذا بالمتكلم يقول لي: «نحن هنا نقطة بوليس الميناء، وقد أخبرنا مندوب الجمعية أنك مررت من الجمرك دون أن تختم جواز سفرك»، قلت له: «جواز سفري ليس معي وإنما هو مع رئيس الرحلة، ولم أعرف إن كان قد قام بالإجراءات المطلوبة أم لا»، فقال: «إذا كان جواز سفرك لم يختم فما عليك إلا أن تحضر غدًا صباحًا للقسم هنا لنختمه لك»، قلت له: «إن اليوم هو السبت مساء وغدًا صباحًا هو الأحد. فهل تعملون يوم الأحد؟»، قال: «لا، الأفضل أن تحضر يوم الاثنين»، وهكذا بكل بساطة، فعرفت في يوم الاثنين عندما يكتشفون أن جواز سفري ليس عليه تأشيرة، وأن المسألة ليست مسألة ختم الجواز فقط وإنما تأشيرة الدخول، فإنهم في الغالب سيعيدونني إلى السفينة التي تحملني ثانية إلى مارسيليا، وتألمت كثيرًا أن تنحصر الرحلة في يوم واحد، ولكنه على كل حال كانت فرصة عظيمة لم أكن أحلم بها.

ولذلك تسلمت حقيبتي ووضعتها في المكان الذي سأبيت فيه مع آخرين، ونزلت إلى ساحة المدرسة وكان السيد اليهودي قد تركنا وشأننا، وخرج ليقوم بترتيبات الطعام، وكنت في حيرة من أمري ووقفت في ساحة المدرسة قرب الباب أفكر ماذا أستطيع أن أفعله في هذه الفرصة وهذه الساعات المعدودة التي سأقضيها في مدينة تونس من السبت مساء إلى الاثنين صباحًا، وفجأة وأنا واقف أقبل عليَّ أحد الطلبة التونسيين الذين يدرسون في فرنسا، وكان قد عرفني من ترددي على نادي الطلبة ومطعمهم في 115 شارع سان ميشيل، فأقبل عليًّ مرحبًا وقال: «يا شاوي، من جاء بك، وكيف جئت؟» فقلت له: «أنا جئت والمهم أن تساعدني»، فسألني: «كيف أساعدك؟» فقلت له: «تعرف الطاهر جيجة؟» قال: «نعم أعرفه»، قلت: «عليك أن تذهب إليه وتبحث عنه وتحضره إلي»، فقال: «من حسن الحظ أن منزله قريب جدًا من هذا المكان، تعال معي». 

فذهبت معه إلى المنزل ومن حسن الحظ أننا وجدنا «الطاهر جيجة» في منزله، ودهش لرؤيتي ورحب بي ودخلت معه لمنزله وانصرف زميلنا. 

وقد سبق أن قلت إن الطاهر جيجة كان تونسيًا، ولكنه كان يعتبر نفسه عضوًا في حزب الشعب الجزائري، وكان مثلي يحب الجزائريين ويتعاون معهم وحالته شبيهة بحالتي من عدة وجوه، ولذلك كنت أثق فيه وسعدت جدًا بلقائه في منزله. 

وقلت له إنني جنت زائرًا وذكرت له القصة، وقلت له: «الآن عندي أربع وعشرون ساعة فقط لكي ألتقي ببعض الإخوة المسؤولين في حزب الدستور، لأن هناك احتمالًا كبيرًا بأن أغادر تونس الاثنين».

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 67

93

الثلاثاء 06-يوليو-1971

تعقيب «المجتمع»

نشر في العدد 112

59

الثلاثاء 08-أغسطس-1972

مهلًا.. يا بنت الخنساء!

نشر في العدد 131

85

الثلاثاء 26-ديسمبر-1972

أحكام الحج وأسراره