العنوان المجتمع الثقافي (1737)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 03-فبراير-2007
مشاهدات 57
نشر في العدد 1737
نشر في الصفحة 46
السبت 03-فبراير-2007
مسألة وقت!
قصة قصيرة
منى محمد العمد
دخلت علينا وفي عينيها آثار دموع، وتحكي ملامحها قصة حزينة، بادرتها بالسؤال: خيرا إن شاء الله ؟ قالت: لا شيء إلا أني كنت مع زميلتنا عواطف. قلت: وما بها عواطف ؟ قالت: ألم تسمعي الخبر بعد ؟! قلت متسائلة في قلق: عسى أن يكون خيراً، قالت: زوجها مريض بتليف الكبد والأطباء يقولون إن المسألة مسألة وقت، فوجئت بالنبأ وشاركت صديقتي الحزن بل والبكاء لحال عواطف، ثم انكفأت على نفسي أفكر في حالها، المسكينة كيف تلقت النبأ الكارثة؟
وكيف تعيش مع زوجها وهي تعلم أنه على وشك فراقها ؟ بل فراق الحياة كلها ! وهو أيضاً مسكين كيف يعيش مع زوجه وبنياته الثلاث وهو يعلم أنه راحل، وأن الصغيرات قريباً سيتيتمن منه! ترى كيف تكون مشاعر الرجل؟ يا لله كم يتألم وكم تتألم زوجه! وكم تألمت أنا لهما!
تمددت قصتهما على نحو غريب في حياتي، فوضعت نفسي مكانه تارة، ورحت أفكر ماذا لو أبلغت أنني سأقضي بعد عدة أشهر؟ كيف ستكون حياتي عندها؟
«المسألة مسألة وقت»، أهي كذلك؟
بالنسبة لزوج عواطف فقط؟ أليست هي مسألة وقت بالنسبة لنا جميعاً ؟! فمن منا يدري متى ينقضي أجله وتحين ساعته؟ لكننا لا ننتظر النهاية ونضعها نصب أعيننا كما يفعل زوج صديقتي.
وإن كنت وضعت نفسي مكانه مرة فقد وضعت نفسي مكان عواطف مرات ومرات، ترى لو كنت مكانها ماذا أفعل؟ هل سأنشغل بتصور الموت عن الحياة؟
هل سأعمل على إسعاد زوجي في أيامه الأخيرة ما استطعت إلى ذلك سبيلاً؟ وهل سأجد في نفسي طاقة على العطاء مع تصور الفراق القريب؟ أسئلة ما برحت تطرح نفسها في ذهني هي وغيرها، حتى خيل إلي أني أعيش مأساة صديقتي عينها.
كانت قصتها تسيطر علي بشكل غريب، فإذا ما قضيت لحظات سعيدة مع زوجي وأطفالي رثيت لعواطف، وإذا ضقت بطلباته وتدخلاته ومصادرته رأيي وإرادتي، قلت في نفسي: ربما لا ينبغي لعواطف أن تحزن كثيراً، يا لله! حتى الموت له وجه آخر!
جاءني زوجي قبيل العيد يقول: سنخرج الليلة لشراء لوازم العيد، فرح الأطفال، قلت لهم ينبغي لنا ألا نفرح كثيراً هكذا، وابتلعت بقية العبارة فلكل أمر وجه آخر، وذهبنا إلى السوق، وقمنا باختيار الملابس والأحذية وبعض مكملات الزينة (الإكسسوارات) وعدنا إلى البيت، أسعدتني البهجة على وجوه أولادي، قالت إحدى بناتي: اشترينا كلنا ملابس العيد إلا أنت يا أمي. قلت وأنا أنظر بطرف عيني إلى زوجي كالمعاتبة: شخص ما كان ينبغي أن يشتريها لي، قال معترضاً : ولماذا لم تطلبي؟ تلك هي مشكلتنا القديمة الجديدة، لو طلبت لما تأخرت عنك، أنهيت الموقف بابتسامة مصطنعة، فالحوار سيتحول إلى خصام ولست في حاجة إلى مزيد نكد والعيد على الأبواب. وبقي السؤال غصة في قلبي هل يجب أن أطلب حتى هدية العيد؟ فإن أنا طلبتها وأتاني بها فأي قيمة ستبقى لها في نفسي ؟! تشاغلت بمساعدة الأولاد في تنظيم مشترياتهم وحفظها في أماكنها، وأخذت أرقب السعادة في عيونهم وأحمد الله، لكن لم تغب عني عواطف وبناتها الثلاث وكيف اشتروا ملابس العيد وهم في شبه يقين أنه العيد الأخير الذي يقضونه معاً، وتعلم عواطف أنها ستكون وحيدة في العيد القادم وتكون بناتها يتيمات،
يا له من ألم قبل وقوع الألم.
ذات مساء جلست وزوجي نتناول القهوة ونتجاذب أطراف الحديث كعادتنا، وجاء أحد أطفالنا يلعب حولنا، وأخذ يدور ويدور، فحمله أبوه يلاعبه ويقبله، والسعادة تملأ قلبه، وتطل من عينيه، فقد شرب من حنان الأبوة جرعة روت نفسه ومضى منتشياً، دمعت عيناي وأنا أراقب المشهد، من للأيتام؟ من سيعطيهم جرعة الحنان هذه إذا وجدوا من يقدم لهم المأوى والطعام؟ ورحلت أفكاري في لحظة لعواطف: ماذا إذا رأت مثل هذا الموقف؟ سوف تبكي كثيراً ولا ريب، ربما لن يبقى لها دموع تبكي بها إذا مات زوجها .. ربما ..
أعلم كما تعلم عواطف أنه من الحكمة ألا تعيش في انتظار الحدث الأليم، فهو يقع في نفسها مئات المرات قبل أن يحدث فعلاً على أرض الواقع، ولكن هل تستطيع عواطف أن «تتمتع بالصبح مادامت فيه ولا تخاف أن يزول حتى يزولا»؟
قد يمكننا جميعاً أن نتناسى الموت ونشغل أنفسنا بالحياة ونحن نعلم أنه لا محالة آت! ولكن هل تستطيع عواطف أن تفعل فتعيش حدث الموت مرة واحدة؟ الحقيقة أنها عاشت بنفسية أرملة ولما تكن، وتعاملت مع بناتها كيتيمات قبل اليتم، وربما كان هذا هو الجزء الأصعب من مصيبتها، هل ستكون وفاة زوجها خاتمة أحزانها ؟! تساؤل غريب.
«عواطف حامل» هذا خبر آخر آثار في نفسي أسى جديداً، فأنا نفسي كنت قد أنجبت طفلتي قبل شهرين فقط وأعرف كم تحتاج المرأة إلى زوجها وهي في المخاض، ولو أن الدنيا اجتمعت عندها عقب الحدث السعيد فلن تسد الدنيا بأسرها فراغ زوجها، ولو بارك لها الناس كلهم فلا يغنيها ذلك عن كلمات يهمس بها زوجها بسعادة وحنان، ترى هل سيعيش زوج عواطف ليشهد قدوم الطفل؟ وإن شهده فهل يستطيع أن يشعر بالسعادة أو أن يشعر بها أهله وقد أصبح رحيله وشيكاً؟
أخبرتنا إحدى الزميلات أن عواطف تحمل طفلاً ذكراً، الحمد لله، هذا خبر سار، على الأقل لن ينازعها وأولادها أحد في ميراثها، كنا نتحدث فيما بيننا أنه من الضروري أن تحتاط لنفسها في الأمور المادية، ولم تجرؤ إحدانا على مفاتحتها في الأمر لحساسيته الشديدة سيما بالنسبة لمثلها، دخلت علينا فجأة عواطف، فرحنا نتظاهر بأننا كنا نناقش مسألة في المناهج وضرورة تطويرها، ونحن نهرب بأعيننا منها حتى لا تكتشف أنها محط شفقة زميلاتها مما قد يزيد في ألمها. خرجت إحدى الزميلات من الغرفة إذ لم تستطع أن تواري دموعها .
مضت عدة أشهر، وزارتني إحدى الزميلات في بيتي، ونقلت إلي النبأ الذي كنا نتوقعه زمناً، فقد توفي زوج عواطف .. لم أحزن ولم أبك، ابتسمت في عجب بل ضحكت بصوت مسموع، أنا نفسي كنت في حداد، فقد توفي زوجي منذ ثلاثة أشهر!
رسالة دكتوراه تنصف العثمانيين أدبيًا
مصطفى عاشور
العلاقات الوثيقة بين الدولة العثمانية كدولة الخلافة وبين الأقطار العربية، لم تحل دون تعرض تاريخ هذه الدولة لمحاولات تشويه كبيرة. ورغم إدراكنا أن لهذه الدولة مساوئ كبيرة، إلا أن الإنصاف يقتضي القول إن لها حسنات ومواقف جيدة - أيضا - في خدمة القضايا الإسلامية.
ورغم أن أحادية النظرة إلى الدولة العثمانية سيطرت على بعض الباحثين العرب، إلا أن ذلك لم يمنع من وجود جهود علمية وأكاديمية نظرت بقدر من الإنصاف إلى تلك الدولة، فظهرت سلسلة الدكتور عبد العزيز الشناوي «الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها» والجهود التي بذلها بعض الأكاديميين مثل الدكتور «عبد الرحيم عبد الرحمن» والدكتور «محمد حرب» وغيرهما .
ومن الرسائل العلمية المهمة التي سعت إلى النظر إلى الدولة العثمانية نظرة منصفة، رسالة الدكتوراه التي تقدم بها السيد «عيد فتحي» للحصول على درجة الدكتوراه في الآداب من جامعة عين شمس تحت عنوان: «اتجاهات الأدب العربي في القرن الحادي عشر الهجري في مصر والشام» والتي حصل عليها بدرجة ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، في منتصف أبريل ٢٠٠٦م.
وقد ناقشت تلك الرسالة - التي أشرف عليها الدكتور «محمد يونس عبد العال» - الحياة الأدبية في مصر والشام في فترة من فترات الحكم العثماني، وهي فترة مهمة من تاريخ العرب، وإن كان الاهتمام بها سياسياً، فإن الاهتمام الأدبي بها لم يكن على المستوى المطلوب، رغم وجود زخم من الإنتاج الأدبي في تلك الفترة، وهو ما يعني وجود فجوة ثقافية في تاريخ الأدب العربي، سعت تلك الرسالة إلى سدها وملء الفراغ الناتج عن غياب الاهتمام بها.
وتناولت الرسالة أدب القرن « الحادي عشر الهجري = السابع عشر الميلادي»، وسعت إلى تجلية الشخصية الثقافية لتلك الفترة المهمة التي يشوبها بعض الغموض، ولذا استعان الباحث بكتب الأدب والتاريخ والتراجم حتى يتمكن من الوقوف على ملامح واضحة لتلك الفترة المهمة.
وقد لاحظ الباحث أن كتب التراجم والطبقات وقتئذ لم تخص قطرًا عربيًا بعينه، ولا طائفة من الطوائف بعينها، ولكنها كانت كتباً عامة شملت أعلاما عاشوا في بلدان شتى، علماً بأن الكثير من إنتاج تلك الفترة مازال مخطوطاً.
ولاحظ الباحث - أيضاً - أن معظم الدارسين للآداب العربية في العصر العثماني يسيئون فهم هذا العصر من الناحية العلمية والأدبية، بحجة أن السلطان العثماني «سليم الأول» جرد البلاد العربية - ولا سيما مصر - من علمائها ورجال الفنون بها ومهرة صناعها، ومن تراثها الفني، ومنها أيضاً أن العصر العثماني كان عصر الشروح والحواشي، بعد أن اشتهر العصر الذي سبقه بأنه عصر الموسوعات والمؤلفات الجامعة... إلخ.
كما ادعى هؤلاء أن العثمانيين ألغوا استعمال اللغة العربية في دواوين الولايات، واستبدلوا بها اللغة التركية، ونتج عن ذلك أن الرسائل الديوانية والمنشورات والتقاليد لم تعد تكتب باللغة العربية، كما حاول آخرون أن يبرهنوا على أن الثورات لم تنقطع في فترات مختلفة من هذا العصر ضد سوءات الحكم ومظالمه.
ومع ذلك فإن الرسالة سعت إلى البحث عن الحقيقة، وأكدت أنه كان للعثمانيين دور في الحفاظ على التراث الإسلامي الذي وصل إليهم عبر العصور السابقة، كما كان لهم دور في الحفاظ على اللغة العربية التي ظلت لغة الدين ولغة العلم والتدريس في الأزهر الشريف، وغيره من المدارس الشهيرة في العديد من العواصم الإسلامية، كما لم تخل العصور العثمانية من نوابغ في كل العلوم الإسلامية؛ من تفسير وقراءات وحديث وفقه ونحو ولغة ونقد وتاريخ، كما لم تخل من بحوث لغوية وبلاغية تمكن المراقب من الحكم الدقيق على الآثار الأدبية.
وأكدت الرسالة أن معظم الكتاب والدارسين الذين أساءوا فهم العصر العثماني، لا تستطيع حججهم أن تصمد أمام النقد العلمي النزيه، وهو ما يؤكد أن هؤلاء قد تأثروا بالرؤية الأوروبية للعثمانيين.
وذكر الباحث أن مسألة استقدام الصناع والفنيين من مصر لم يدم طويلاً، فقد ذكر المؤرخ ابن إياس، أنه لم تمض فترة طويلة حتى عاد بعض من كان بإسطنبول، وأن السلطان سليم الأول سمح لبعض من كان هناك من المصريين بالعودة إلى بلادهم، وكذلك أمر السلطان سليمان القانوني «سنة ٩٢٧ هـ = ١٥٢١م» بعودة من تبقى من المصريين بإسطنبول.
ورد الباحث على دعوى أن العثمانيين حاربوا اللغة العربية وقللوا من شأنها، وأشار إلى أن اللغة العربية كانت شرطاً لدخول العلماء إلى مجلس العُلمة العثماني، وكان يشترط إجادتها للعمل في كثير من الوظائف الرسمية، وكان من لا يجيدها بالإضافة إلى لغته التركية لا يعتبر مثقفا، ولا يعتبر رجل علم.
ورفضت الرسالة اتهام العثمانيين بالتخلف، وذكرت أن مصر العثمانية قد ورثت عن دولة المماليك أكثر من ثلاثة آلاف مدرسة عالية ومتوسطة، وأنه كان لكل جامع سلطاني مدرسته، وقد وصل عددها في العصر العثماني إلى أكثر من ستة آلاف كتّاب ومدرسة.
وقد رأى العثمانيون في الأزهر صرحاً علمياً شامخاً، وهو ما دعم من قوة الأزهر، وأتاح لعلمائه الكثير من الحرية، مكنته من ممارسة دوره العلمي والثقافي والسياسي، وأشارت الرسالة إلى أن العصر العثماني عرف الكثير من الأدباء والشعراء ممن أجادوا في الصنوف الأدبية المختلفة ومنهم: «شهاب الدين الخفاجي» صاحب کتاب «طراز المجالس».
وبرع عدد من كتاب ذلك العصر في جمع النوادر والفكاهة، مثل أبي الوفاء بن معروف الخلوتي الحموي المتوفى نحو سنة «١٠٣١ هـ = ١٦٢٢م» الذي كان له اهتمام خاص بالنوادر والفكاهة في كتابه «نزهة الأخبار ومجموع النوادر والأخبار».
وكان هناك شعراء من الذين جمعوا شعرهم في دواوين بأنفسهم، أو جمعوا الرسائل الإخوانية التي تبادلوها مع إخوانهم، ومن هؤلاء : شمس الدين الصيداوي المتوفى في أوائل القرن الحادي عشر الهجري.
وللتدليل على قوة الشعر والنثر في تلك الفترة تعرض الباحث للحياة الأدبية والثقافية في مصر وبلاد الشام من خلال دراسة الكتابة النثرية في كل مناحي الحياة، والتعرض للحياة الأدبية بشقيها الشعري والنثري، فتناول اتجاهات الشعر والنثر، وأغراضه التقليدية والمستحدثة.
وخلصت الرسالة إلى الآتي :
-أن العصر العثماني في مصر والشام هو استمرار وامتداد طبيعي للعصر المملوكي.
-كشفت الدراسة عن اختفاء ألوان أدبية شهيرة كالكتابة الديوانية، كما قل مدح الشعراء للسلاطين، لابتعادهم عن مركز الخلافة، واستبدلوا بذلك مدح أئمة الدين وشيوخ الإسلام وكبار رجال العلم.
-وكان لهذا الابتعاد عن العتبات السياسية العليا في الدولة، أثره في اتجاه الشعراء إلى النظم في أغراض جديدة وفنون مستحدثة، اعتمدت على الطبيعة التي نالت نصيبًا كبيرًا من شعرهم أو من نثرهم.
-ونبهت الرسالة إلى أن خزائن المخطوطات العربية ما زالت تضم الكثير من نتاج شعراء العصر العثماني وكتّابه، وهو نتاج يحتاج إلى من يقوم على نشره نشرًا علميا محققًا، ودراسته دراسة متأنية فاحصة تكشف عن أبعاده الفنية واللغوية والأسلوبية، وعن صور متنوعة للحياة الاجتماعية والثقافية في مصر والشام .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل