العنوان مسؤولية التابع والمتبوع
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 09-أبريل-2005
مشاهدات 63
نشر في العدد 1646
نشر في الصفحة 47
السبت 09-أبريل-2005
المسؤولية عبء ثقيل، وحمل كبير لمن أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها وضياع ومتاع وتبديد واستهتار واستعباد لمن نالها بغير جدارة أو تولاها بلا مؤهلات، أو تقلدها من دون رضا الاتباع أو الشعوب، ومن كان هذا شأنه تكون المسؤولية وبالاً عليه وعلى مستقبله، وعلى أخراه ودنياه، كما تصبح لعنة على شعبه وأمته، ينالهم ما يناله إن تابعوه وساعدوه وساروا خلفه ولم يناصحوه أو يأخذوا على يديه والمتبوع ليس مسؤولاً عن عمله فقط، ولكنه مسؤول عن عمل غيره كذلك.
أما أنه مسؤول عن عمله فهذا أمر طبيعي وقد يقول قائل: ولماذا يسأل عن عمل غيره والقرآن الكريم لا يقول بهذا وكثير من الآيات تقرر ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ (النساء: ٨٤) ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَا عَلَيّهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزّرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: ١٦٤). ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (البقرة: ٢٨٦) ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ (البقرة: ۱۳۹)، ﴿أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (يونس: 41)، ﴿قُل لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا تُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُون﴾ (سبأ: 25)، ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ٥٢) ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ﴾ (النور: ٥٤).
نعم يقرر القرآن هذا ويؤكد على تلك الحقيقة الثابتة التي تقرر أننا لن نحاسب على ما يفعله غيرنا، إلا إذا كان لنا دخل فيه من قريب أو بعيد، يعني إذا كان عمل الغير مسبباً عن عملنا، فنكون نحن مسؤولين عنه، أي فنكون نحن محاسبين على شيئين اثنين على فعلنا الذي كان سبباً في فعل الغير وعلى الفعل الذي صدر عن الغير من جراء فعلنا، قال تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُم﴾ (يس: ۱۲)، فهذه إشارة إلى أن مسؤوليتنا لا تقف عند حد أعمالنا المباشرة بل تجاوزها إلى آماد بعيدة حتى نتناول كل ديونها وأعقابها.
وقد نبه القرآن إلى ذلك في الكثير من آياته يحذر المتبوعين من آثار أعمالهم التي يقتدي الناس بها وتتسبب في ضلالهم، قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ (العنكبوت: ۱۳)، وقد فسرت هذه الآية بآية أخرى في قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ﴾ (النحل: ٢٥) وهكذا كل قادة البوار وزعماء السوء الذين ضلوا وأضلوا وفسدوا وأفسدوا في الأرض.
وهذا لا يعفي التابعين من سوء أعمالهم وخبث أفعالهم، فلا يتعللن تابع بالأوامر الصادرة إليه ويأتي بالدواهي ويعمل المصائب متعللاً بتلك الأوامر وهو في الحقيقة مخالف لدستور الطبيعة في نفسه، ودستور السماء في كتاب ربه، ويظن أن أوامر رؤسائه إكراه يخرجه عن إرادة نفسه ويبرئه من تبعة فعله، فتلك دعوى لا تقرها دساتير الأرض فضلاً عن السماء، ونسمع هذا السجال الرعيد بين الظالمين وأتباعهم.
والقرآن الكريم يحكي مشهداً من مشاهد القيامة: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ مَوۡقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمۡ يَرۡجِعُ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ ٱلۡقَوۡلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لَوۡلَآ أَنتُمۡ لَكُنَّا مُؤۡمِنِينَ (31) قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُوٓاْ أَنَحۡنُ صَدَدۡنَٰكُمۡ عَنِ ٱلۡهُدَىٰ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَكُمۖ بَلۡ كُنتُم مُّجۡرِمِينَ (32) وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ﴾ (سبأ : ۳۳)، ﴿وَإِذۡ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا نَصِيبٗا مِّنَ ٱلنَّارِ (47) قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُلّٞ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ حَكَمَ بَيۡنَ ٱلۡعِبَادِ (48) ﴾ (غافر) ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أطعنا سادتنا وكبراءنَا فَأَضَلُّونَا السبيلاً﴾ (الأحزاب: 67)، فقال الحكم العدل: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ إِذ ظَّلَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ﴾ (الزخرف: 39).
والضعيف له إرادة وعقل وعزم، فكيف ضاع كل ذلك؟ ضاع في زحمة الشهوات والانسياق وراء التطلعات والمكاسب الزائلة، وكان ينقصهم لاقتراف الذنب وعمل الإثم تعلة، أو راية يسيرون خلفها وقد وجدوها، وقد عرف حتى الشيطان منهم ذلك: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (إبراهيم: 22) قد يأمر سلطان بضرب إنسان فإذا بالشرطي يضرب المظلوم بحرقة وانتقام قد يفقده حياته وهو منتفخ الأوداج منبسط الأسارير، أترى هذا يعفي من العقاب الدنيوي والأخروي ؟!
هذا وقد قرر علماء الإسلام أنه إذا أمر قاطع طريق أو سلطان إنساناً أن يقتل رجلاً ظلماً وهدده بالقتل إذا لم يقتله أفيقتل هذه النفس البريئة خوفاً على نفسه؟ كلا، فتلك بإجماع المسلمين جريمة لا تغتفر، ولأن يقتل هذا الإنسان مظلوماً خير له من أن يقتل بريئاً، ولكن عندما تنحل الأمم وتضيع كرامتها، بل وآدميتها، لا تكون هناك مسؤولية لا على المتبوع أو التابع، ومما يزيد الأمر كارثية أن المتبوع قد يكون محتلاً والتابع الباغي يكون وطنياً مسلماً، يأتمر بأمره، ويكون أشد على المسلمين من كافر محتل ويؤخذ الأمر ببلاهة ومن دون محاسبة، بل قد يكون هذا التابع الباغي سلطان المستقبل يحاسب الناس ويتحكم في رقابهم، وسلام على المسؤولية والنصر للتابع والمتبوع.