العنوان مستقبل القضية الأفغانية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 01-ديسمبر-1991
مشاهدات 67
نشر في العدد 978
نشر في الصفحة 25
الأحد 01-ديسمبر-1991
الموقف الأفغاني من بيان موسكو
بعد بيان موسكو الذي خرج به وفد المجاهدين الأفغان نتيجة محادثاتهم،
تدخل القضية الأفغانية منعطفًا تاريخيًا مهمًا، فلقد أعلن الروس مجموعة تنازلات
أبرزها التخلي عن نظام كابل المهترئ، كما تضمن البيان مجموعة وعود تصب في جوهر
مطالب المجاهدين. لم يكن ذلك نهاية المطاف في القضية الأفغانية بل أعلنت بعض
القيادات الأفغانية البارزة مثل سياف وحكمتيار ويونس خالص رفضهم القاطع
للقرارات التي اتفق عليها وفد المجاهدين الأفغان مع الحكومة السوفيتية، وأصدروا
بيانات وتصريحات واضحة في هذا الصدد. وفي نفس الوقت، لقي هذا الاتفاق ترحيبًا
جليًا في بعض الدول الغربية والإسلامية وبدأ يتحول هذا الاتفاق إلى واقع دولي جديد
مما قد يعقد المشكلة من جديد ويهدد وحدة المجاهدين الأفغان خاصة بعد أن استقر
الأمر إلى المجاهدين.
الاتجاه الأول (الرافض للمفاوضات)
يرى هذا الاتجاه أن الجهاد هو الذي أخضع الروس للتفاوض محاولة منهم
للفكاك من هذه الورطة، وأن الاستمرار في الجهاد سيؤدي بالروس إلى التخلي نهائيًا
عن نظام كابل وترك تقرير مصير أفغانستان لأهلها دون التدخل في شؤونها، خاصة وأن
الاتحاد السوفيتي يعاني من أزمات اقتصادية حادة دفعته للتخلي عن مناطق نفوذ في
أوروبا الشرقية أهم من أفغانستان وأكثر حيوية لمصالحه. ويرى هذا الاتجاه أن الطرف
الروسي يريد التفاوض اليوم لأنه في كل الأحوال سيغلق الملف الأفغاني في أقرب فرصة
ويريد أن ينتهز الفرصة لأخذ بعض المكاسب قبل إغلاق الملف، وأنه مع مزيد من الصمود
والصبر والاستمرار بالجهاد سيأتي الروس إلى مواقع المجاهدين للتضحية بمكاسبهم من
أجل إغلاق الملف الأفغاني.
كما يرى هذا الاتجاه أن الذهاب إلى موسكو يعني القبول بتدخل الروس في
شؤون الشعب الأفغاني، وهذا ما كانوا يحاربون من أجله طوال هذه السنوات. وأخيرًا
يؤكد هذا الاتجاه أن النصر لا يأتي بالمفاوضات وعلى موائد الحوار مع دولة كافرة،
بل يأتي من الله تعالى وعلى فوهات البنادق.
الاتجاه الثاني (المؤيد للمفاوضات)
يرى هذا الاتجاه أن للقضية جانبًا سياسيًا وجانبًا عسكريًا وأن القضية
في ظل الظروف الدولية الجديدة بدأت تدخل في الإطار السياسي العالمي خاصة بعد
الهيمنة الأمريكية على المجتمع الدولي وانحسار النفوذ الروسي، وبدا واضحًا أن
الروس استسلموا للتوجيهات الأمريكية في حل هذه القضية وأنه لم يعد للأمريكان مصلحة
في استمرار الصراع على هضاب وسهول أفغانستان، فهذا يعني أنها ستؤلب المجتمع الدولي
كله ضد صانعي الصراع في هذه القضية، لذا فإن الجانب السياسي في مثل هذه المرحلة
سيصبح أكثر أهمية من الجانب العسكري. وأن إهمال المجاهدين له سيعطي لأصحاب
التوجهات اللاإسلامية فرصة لتمثيل الشعب الأفغاني في التفاوض عنه، كما أن استمرار
رفضهم للمفاوضات السياسية سيدفع القضية للتدويل وهنا ستتدخل أطراف كثيرة في القضية
وستزداد تعقيدًا وسيتضاءل أثر المجاهدين في تقرير مصير أفغانستان. ويرى هذا
الاتجاه أنه في حال اتفاق المجتمع الدولي على حل ما للقضية الأفغانية فإن الحل
العسكري سيكون موجهًا ضد الإدارة الدولية وسوف يفقدهم مواقعهم التي ينطلقون منها.
ويفقدهم التعاطف السياسي الذي يحظون به اليوم فضلًا عن انحسار الدعم
المادي والعسكري. وعليه يرى هذا الاتجاه أن المكاسب في الدخول بالحل السياسي-
المدعم بثوابت لا تنازل فيها- تزيد عن الخسائر، فالمجاهدون مازالوا يمسكون بالسلاح
وما زالوا منشغلين بعزيمة الجهاد ولا يعني قبولهم التفاوض نهاية القتال. كما يرى
هذا الاتجاه أن الشعب الأفغاني عانى من التشرد وويلات الحرب الكثير وإن الحرب
استنزفت خيراته وثرواته وإن كان باستطاعة المفاوضات تقصير فترة المعاناة التي
يلقاها هذا الشعب فإنها تصبح واجبًا شرعيًا. كما يرى هذا الاتجاه أن التشكيك في
نوايا الروس بالانسحاب الفعلي والعملي من أفغانستان لا يتفق مع واقع الحال، فروسيا
ضحت بأجزاء منها على بحر البلطيق من أجل إنقاذ مستقبلها، فكيف بأفغانستان؟ كما يرى
هذا الاتجاه أن التفاوض مع الكفار المعتدين من أجل إنقاذ المسلمين جائز شرعًا،
فلقد فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم مع مشركي مكة ووقع معاهدة معهم وقبل ببعض
شروطهم كما قبلوا بعض شروطه مما جعل بعض الصحابة يعتبرها مجحفة، ولم يقل أحد ذلك
الوقت أنه لا يجوز شرعًا للمشركين أن يتدخلوا في شؤون المسلمين، ولكن هذه هي طبيعة
التفاوض.
وإننا نعتقد أن المجاهدين اليوم، وفي هذه المرحلة، أكثر ما يكونون
بحاجة للتفاهم ورص الصفوف، ورغم ثقتنا بنية الاتجاهين وحرصهما على مصلحة الإسلام
والشعب الأفغاني في مثل هذه القضية، إلا أننا نؤكد على خطورة تنامي الخلاف بينهما.
لذا فإننا نأمل أن يستوعب القادة المجاهدون خطورة المرحلة وينسقوا الأدوار فيما
بينهم ويوحدوا مقصدهم ويجتنبوا الصراع الداخلي الذي يحاول اختراق صفوفهم بقوة دفع
من الأعداء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل