; مسلسل الجماعة.. بؤس الدراما المصرية ١٢ مصارعة الأسد البريطاني الجريح | مجلة المجتمع

العنوان مسلسل الجماعة.. بؤس الدراما المصرية ١٢ مصارعة الأسد البريطاني الجريح

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر السبت 01-يناير-2011

مشاهدات 50

نشر في العدد 1933

نشر في الصفحة 46

السبت 01-يناير-2011

شيخ فتي، يتدفق نشاطًا وحيوية وطنية يصارع الأسد البريطاني العجوز والجريح بعد الحرب العالمية الثانية.. ذلك هو المشهد الذي يلخص حالة الشيخ حسن البنا في علاقته بسلطات الإحتلال خلال تلك السنوات العصيبة الممتدة من ١٩٤٥ - ١٩٤٨م. 
لقد فشلت جهود مصر في الحصول على حقوقها عن طريق المفاوضات، وتمنى الشيخ البنا مرارًا وتكرارًا على الحكومة المصرية أن تقطع تلك المفاوضات وتذهب إلى مجلس الأمن، وذهبت حكومة النقراشي فعلًا إلى مجلس الأمن، ولكنها فشلت وعاد النقراشي  إلى مصر خاوي الوفاض في سبتمبر ١٩٤٧م.
وحيًا الشيخ البنا النقراشي باشا لدى عودته من أمريكا آنذاك؛ لأنه رآه: «أدى واجبه كاملًا ولم يدخر وسعًا في المناضلة عن قضية البلاد» وقال البنا: «إن الجهاد الذي اضطرتنا إليه الظروف والحوادث الآن، وصرنا مكرهين عليه إكراها بعد فشل المفاوضات والتحاكم ميدان جديد على هذا الجيل، حكامه ومحكوميه، فإذا أحسنا تخير وقت المعركة ومكانها، وتجهيز أدواتها ومعداتها وأدرناها بحكمة وحماسة وقوة وإيمان وصبر؛ فالنصر من وراء ذلك ولا شك (البنا بمناسبة عودة رئيس الوزراء المرحلة الثانية جريدة الإخوان اليومية – العدد ٢٤٢ - السنة الثانية - ٤ من ذي الحجة ١٣٦٦هـ/ ٩ سبتمبر ١٩٤٧م). 

تعبئة الشعور الوطني
لم يأل البنا جهدًا خلال تلك السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية في تعبئة الشعور الوطني وتهيئته للمواجهة مع الاحتلال، ولم يتوان في فضح السياسة الاستعمارية البريطانية في مصر والتنديد بالسلوك اللاأخلاقي للساسة البريطانيين. وبدأ في مصارعة الأسد العجوز الجريح دون أن يتحسب لعواقب هذه المصارعة. 
سخر ذات مرة من المستر «بيفن» وزير خارجية بريطانيا عندما أعلن في مجلس العموم أن «زمن المفاوضات الثنائية المباشرة بين الدول قد انقضى، وأن أية محادثات أخرى - بين بريطانيا ومستعمراتها – يجب أن تكون في مؤتمر دولي يدعى خصيصًا لهذا الغرض، وقال الشيخ متهكمًا: «بيفن يقول ذلك، وهو يأبى على مصر أن تتخذ أية خطوة دولية في سبيل قضيتها.. وتصر الحكومة البريطانية على أن يكون بينها وبين مصر محادثات تبدأ بالخداع العجيب وتنتهي بالغبن الفاحش، أو الفشل الذريع». 
وفي مناسبة أخرى ضرب الشيخ كفًا يكف عندما وجد «بيفن» يعلن رفض حكومته مطالب الحكومة السوفييتية من تركيا بأن تكون لها قاعدة عسكرية في الدردنيل؛ لأن ذلك تدخل لا مبرر له، ويؤثر على السيادة التركية وقال الشيخ: «الذي يقول هذا الكلام (بيفن) يشترط أن تبقى القوات البريطانية على ضفاف القناة في مصر، أو أن تقيد مصر بقيد من فولاذ باشتراكها مع بريطانيا في الدفاع ولا يخجل مع هذا أن يقول: إن ذلك لا يمس سيادة مصر أو استقلالها في شيء«.

استغلال بريطاني
وردًا على قول «بيفن»: «إن بريطانيا لا تريد إستغلال شعوب الشرق الأوسط»، قال الشيخ البنا متعجبًا: «لمن يقول المستر «بيفن» هذا الكلام؟ إذا لم یکن ما تفعله بريطانيا بهذه الشعوب هو الإستغلال بعينه فأين الإستغلال إذن؟ (البنا قاتل الله السياسة جريدة الإخوان اليومية - العدد ١٨٤ - السنة الأولى - غرة ذي الحجة ١٣٦٥هـ/ ٢٦ أكتوبر ١٩٤٦م). 
ثم أعقب ذلك مباشرة بمقال طالب فيه الحكومة المصرية إعلان الخروج من منطقة الإسترليني، بعد أن بين كيف إنخفضت قيمة الجنيه المصري إلى 19 قرشًا فهو ريال لا جنيه، ومع ذلك يقول مستر «بيفن»: إن بريطانيا فعلت ما لم تفعله دولة من الدول للرقي بهذه البلاد.. لمستر «بيفن» أن يقول هذا، وللمستر «تشرشل» أن يتغنى بالعمل العظيم الذي قامت به بريطانيا في بلادنا منذ ستين سنة.. ولكن ليس علينا نحن المصريين أن نصدق شيئا من هذا بل واجبنا أن نفتح أعيننا على الحقائق وأن ندفع عن أنفسنا هذا الخراب المحيط بعزيمة ومضاء وأن نفقه الأمور على أوضاعها الصحيحة.. 
إن على الحكومة المصرية واجبًا ثقيلًا في هذا الشأن تستطيع الحكومة المصرية أن تعلن خروجها على قاعدة الإسترليني وتؤسس حالًا بنك الدولة ليحل محل البنك الأهلي ويجمع الرصيد من الذهب بقرض أو دين على الخزانة المصرية، وترفع قضية عاجلة على بريطانيا في محكمة العدل الدولية تطالبها برصيدها الذهبي وبسداد دينها البالغ خمسمائة مليون من الجنيهات في أسرع وقت البنا: هذا الجنيه جريدة الإخوان اليومية - العدد ١٤٩ السنة الأولى - ۲ من ذي الحجة ١٣٦٥ هـ / 27 أكتوبر 1946م).
وفي شهر فبراير ١٩٤٧م دخل الشيخ البنا في جولة مصارعة أخرى مع الأسد - وليست أخيرة - منبهًا المصريين إلى حجم النهب الذي مارسته بريطانيا، ليتذكر كل مصري ومصرية صغيرًا أو كبيرًا، غنيًا أو فقيرًا أن له طرف الإمبراطورية البريطانية تسعة وعشرين جنيهًا ونصف الجنيه، فإذا كانت هناك أسرة مكونة من زوج وزوجة وولد واحد، فإن لهذه الأسرة طرف الحكومة البريطانية نحو تسعين جنيها». (البنا بالحساب: ٥٠٠٠٠٠ على. ۲۹ جنيهًا و ٤١٢ مليمًا. جريدة الإخوان اليومية - العدد ٢٤٩ السنة الثانية - ٤ ربيع ثاني ١٣٦٦هـ/ ٢٥ فبراير ١٩٤٧م). 

قضايا حساسة
وبتناوله لمثل هذه القضايا بالغة الحساسية زاد انتباه الدوائر الاستعمارية له ولجماعته، وتردد في تقارير المخابرات البريطانية والأمريكية خلال تلك الفترة أن الجماعة باتت تشكل أعلى مصادر الخطر على المصالح البريطانية والأمريكية في مصر، وفي شرق السويس حيث تمتد مستعمرات الأسد البريطاني العجوز.
لم يخف «الوفد» شماتته بفشل حكومة النقراشي في تحقيق المطالب الوطنية عن طريق مجلس الأمن في سبتمبر ١٩٤٧م وبادر «الوفد» آنذاك بالدعوة لوحدة الصف وكانت دعوته تلك فرصة للم الشمل الوطني بصفة عامة ورأب الصدع بين الجماعة و«الوفد» بصفة خاصة؛ لأن الجماعة طالما دعت الوحدة الصف أيضًا، وإلغاء الأحزاب تجنبًا للتناحر بين أبناء الأمة وتوفيرًا للجهد الوطني في مواجهة الاحتلال.

تأييد شعبي
ولكن سرعان ما دب الخلاف بين «الوفد» والجماعة بصورة أكثر حدة من ذي قبل، وتبين للوفد أن الجماعة أضحت خصمًا عنيدًا، وضاق صدر باشاوات الوفد من قوة التأييد الشعبي للجماعة، فضلًا عن صرامة المنطق السياسي الذي يتحدث به البنا، وصعوبة دحضه.
ف الوفد إشترط أن تكون الوحدة على أساس الدستور وإستفتاء الأمة بحجة بطلان شرعية مجلس النواب الذي جاءت به إنتخابات ١٩٤٤م، وقد رأى الشيخ البنا في ذلك إزدواجية زاعقة في السلوك السياسي، وأن «الوفد» يحاول أن يوهم الناس بأنه وحده حامي الدستور والمناضل عنه والمطالب بحقه، وهو ما لم يسلم به البنا للوفد بل ذهب إلى أن الجميع من واجبهم الحرص على سلامة الأوضاع الدستورية وأن أحدا لا يستطيع أن يذهب غير هذا المذهب.
ورفض البنا التسليم للوفد أيضا بدعوى أن مجلس النواب القائم ساعة هذا السجال (1944-1947م) مهدد للدستور، وكانت حجة البنا في ذلك هو أننا إن سلمنا بدعوى الوفد هذه، فعلينا التسليم بأن مجلس نواب سنة ١٩٤٢م الوفدي كان مهدرًا لأحكام الدستور في ظل مقاطعة الأحزاب له، وإقصاء الإنجليز لبعض النواب، وفصل بعض أعضائه بعد أن حكم لهم بصحة الانتخاب، ومع ذلك رضي به الوفد وحكم في ظله.
ولم يتوان في فضح سياسة الاحتلال والتنديد بالسلوك اللا أخلاقي للساسة البريطانيين وبدأ في مصارعة الأسد الجريح دون أن يتحسب لعواقب هذه المصارعة
طالب الحكومة المصرية بإعلان الخروج من منطقة الإسترليني وبرفع قضية عاجلة على بريطانيا في محكمة العدل الدولية تطالبها برصيدها من الذهب وبسداد دينها البالغ ٥٠٠ مليون جنيه في أسرع وقت.

تغيير الوزارات
الشيخ البنا نعى أيضا على الوفد - آنذاك - انشغاله بتقسيم الدوائر الانتخابية بعد تعداد سنة ١٩٤٦م، وما كان يسببه ذلك من خصومات وحزازات وانصرافه عن تقديم برامج عملية ومشروعات مفيدة، وخطة عمل للكفاح الوطني، وكانت مطالب «الوفد» بالاحتكام إلى إرادة الأمة في تلك اللحظة (أواخر ١٩٤٧م) تعني حل مجلس النواب وإجراء انتخابات مبكرة وهو ما رفضه البنا متبرمًا من حالة عدم الاستقرار السياسي الناجمة عن سرعة تغيير الوزارات وعدم إكمال مجلس نيابي واحد مدته القانونية منذ الانتخابات الأولى سنة ١٩٢٤، ولم يكمل أي مجلس مدته إلى قيام ثورة ١٩٥٢م.
ولم يكن هذا الرأي يعني موافقة الشيخ على شرعية مجلس نواب ١٩٤٤م، ولا سابقه ١٩٤٢م، وإحتفظ برأيه في هذين المجلسين معتبرًا أن الوقت - نهاية ١٩٤٧م - ليس وقت حساب ولا فائدة منه. حسن البنا حول بيان الوفد وخطابيه كلام للتنوير يجب أن يقال جريدة الإخوان اليومية - العدد ٤٢٦ - السنة الثانية - ٧ من ذي القعدة ١٣٦٦هـ / ٢٢ من سبتمبر ١٩٤٧).
توترت علاقة «الوفد» بالإخوان طوال سنة ١٩٤٧م، وإستمر هذا التوتر طوال سنة ١٩٤٨م، ووجد الشيخ أن جماعته بين معسكرين «الوفد» من جهة، والحكومة وأتباعها من جهة، وكل منهما يريد أن يجرها إليه، لتسير في ركابه وتحرق البخور بين يديه؛ بينما كان الشيخ البنا يرى أن جماعته شبت عن الطوق، وأنها يجب أن تقود لا أن تنقاد أو تقاد وتوجه بعديد من الرسائل والعرائض إلى الملك، وإلى النقراشي، وإلى زعماء الأحزاب ورؤساء الهيئات الشعبية والسياسية، مؤكدا على الرؤية التي إستقر عليها فكر الجماعة في القضية الوطنية وهي أن الغاية هي: الحرية والإصلاح والوسيلة هي الوحدة والكفاح» البنا.. ماذا يريدون منا؟ وماذا نريد منهم؟ جريدة الإخوان اليومية - العدد ٥١٩ - السنة الثانية - ٣ جمادى الآخرة ١٣٦٧هـ / ١٢ أبريل ١٩٤٨م).

ثلاث جبهات
لم تكن القضية الوطنية وحدها هي التي تفجرت بعد إنتهاء الحرب وتصاعدت على نحو ما أسلفنا وإنما تزامنت معها قضية فلسطين خطوة بخطوة، ويوما بيوم وخاصة خلال عامي ١٩٤٧ و ١٩٤٨م.
ووجد الشيخ نفسه وجماعته في حرب واحدة ذات جبهتين (مصرية ضد الإنجليز، وفلسطينية ضد الصهيونية)، وبينما الصراع دائر على الجبهتين الوطنية والفلسطينية إذا بالهيئة التأسيسية للإخوان تقرر في مايو ١٩٤٨م فتح جبهة ثالثة سمتها «معركة المصحف» (وثيقة قرارات الهيئة التأسيسية جريدة الإخوان اليومية - العدد ٦٢١ السنة الثالثة - ۲۰ جمادى الآخرة ١٣٦٧هـ/ ٩ مايو ١٩٤٨م).
وإلى جانب ذلك، فإن الهدوء النسبي الذي شهدته القضية الوطنية في سنة ١٩٤٨ بعد الفشل الذي منيت به مصر في مجلس الأمن في سبتمبر ١٩٤٧م، قد قابله تصاعد متسارع في قضية فلسطين ووجه الشيخ البنا قدرًا من الإهتمام أكبر من ذي قبل لمواجهة الخطر الصهيوني. 
زاد إنتباه الدوائر الإستعمارية للبنا وجماعته بعد تناوله لقضايا بالغة الحساسية تخص الإحتلال وتردد في تقارير المخابرات البريطانية والأمريكية أن الجماعة باتت تشكل أعلى مصادر الخطر على مصالحهم في مصر .
تفجرت القضية الفلسطينية إلى جانب القضية الوطنية وتزامنت معها خطوة بخطوة خلال عامي ١٩٤٧ و ١٩٤٨م.. ووجد الشيخ نفسه وجماعته في حرب واحدة ذات جبهتين «مصرية ضد الإنجليز وفلسطينية ضد الصهيونية»

الرابط المختصر :