; مسلسل الجماعة.. بؤس الدراما المصرية (11) .. مقدمات مشهد الاغتيال | مجلة المجتمع

العنوان مسلسل الجماعة.. بؤس الدراما المصرية (11) .. مقدمات مشهد الاغتيال

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر السبت 25-ديسمبر-2010

مشاهدات 56

نشر في العدد 1932

نشر في الصفحة 40

السبت 25-ديسمبر-2010

لست مع الرأي القائل: إن الشيخ كان فقط «فريسة وضحية» مؤامرة إجرامية للتخلص منه. والصحيح أنه شارك دون أن يدري في كتابة الحيثيات التي جعلت أعداءه يقررون حل جماعته واغتياله.

من هذه الحيثيات قرار الجماعة بالانخراط بشكل مباشر في المطالبة بالحقوق الوطنية وجلاء الإنجليز وتنظيمها لتحركات شعبية للضغط على الحكومة المصرية.

في يونيو ١٩٤٦م انعقد مؤتمر رؤساء مناطق ومراكز الجهاد وشعب الإخوان في أنحاء مصر وصدرت عنه قرارات طالبت حكومة «صدقي» بقطع المفاوضات مع الإنجليز والغاء معاهدة ١٩٣٦م والاستعداد للجهاد.

كما اعتبر البند السابع من تلك القرارات أية حكومة لا تعمل مع الأمة لتحقيق أهداف البلاد الوطنية وتنظيم وسائل الجهاد في سبيلها اعتبرها أداة استعمارية لا تمثل البلاد وتسقط طاعتها.

في كل يوم من أيام السنوات الأربع الممتدة من ١٩٤٥-١٩٤٨م- باستثناءات قليلة-كان للشيخ حسن البنا في القضية الوطنية، وفي قضية فلسطين إما: حديث في منتدى، أو مقال في صحيفة، أو مذكرة أو رسالة أو عريضة إلى مسؤول، أو برقية إلى هيئة الأمم المتحدة، أو الجامعة العربية، أو خطبة في مسجد أو في مظاهرة، أو بيان للناس أو مؤتمر صحفي، أو حديث إذاعي «له ثلاثة أحاديث بالإذاعة المصرية»، أو لقاء مع مسؤول من المسؤولين.

وسجلت صحف تلك المرحلة هذا النشاط المكثف للشيخ وجماعته في القضيتين «الوطنية المصرية»، و«فلسطين»، وأسقطته كل الدراسات التي تناولت تاريخ مصر في الأربعينيات إلا باستثناءات قليلة، لعل أهمها ما ألمح إليه المستشار طارق البشري في مراجعاته لما كتب عن تلك الفترة.

أفكار ورؤى

وإذا أضفنا إلى ما سبق، ما كان يطرحه الشيخ من أفكار ورؤى حول الفهم 

الشامل للإسلام، وما تأكد من امتلاك جماعته للقدرة على التوسع الاجتماعي، وانخراط أعداد كبيرة من الطبقة الوسطى ومن شباب الجامعة في عضويتها - على ما سبق أن أوضحنا- وإذا نظرنا إلى كل ذلك في ضوء الفراغ الفكري والإفلاس السياسي الذي كانت تعاني منه الأحزاب والتيارات السياسية الأخرى على الساحة المصرية فإن النتيجة المنطقية هي أن أربع سنوات «١٩٤٥- ١٩٤٨م» من البيان النظري والممارسات التطبيقية، وإرفاق العمل بالقول كانت كافية جدا لمن يهمه الأمر للتعرف على الأفق العام للجماعة ومرشدها، وأنها إذا استمرت بهذا المعدل من النمو والتوسع الاجتماعي؛ فإن مقاليد السلطة آيلة إليها لا محالة، وإذا حدث هذا فإن وضع مصر كان سيتغير جذريًا باتجاهات لا تخدم المصالح الاستعمارية القديمة «البريطانية»، ولا الجديدة «الأمريكية والصهيونية»، ليس فقط في مصر وإنما في سائر البلدان العربية والإسلامية بحكم ما لمصر من أهمية «جيو- إستراتيجية»، وثقل كبير لدى شعوب العالم الإسلامي وأممه.

حيثيات الاغتيال

لكل ما سبق، نحن لسنا مع الرؤية السطحية لمشهد اغتيال الشيخ حسن البنا، ولسنا مع الرأي القائل: إن الشيخ نفسه كان فقط «فريسة وضحية مؤامرة إجرامية للتخلص منه.. لا، ليس هذا صحيحا، والصحيح أنه شارك دون أن يدري- أو أن يقصد طبعًا-في كتابة الحيثيات التي جعلت أعداءه يقررون حل جماعته، ويقررون اغتياله أيضا.

وهنا سأذكر نماذج فقط من تلك الحيثيات التي دأب الشيخ على كتابتها، والأعمال التي واظب عليها في أكثر من جبهة خلال السنوات الأربع من «١٩٤٥-١٩٤٨م» ، وكان ينشرها في الصحف، ويجهر بها في المؤتمرات الجماهيرية، وترصدها كل الجهات التي يهمها الأمر في الداخل والخارج 

الجبهة الأولى: القضية الوطنية المصرية

جاءت أول مبادرة للشيخ وجماعته في القضية الوطنية المصرية بعد أيام قلائل من انتهاء الحرب العالمية الثانية وذلك عندما اجتمعت الجمعية العمومية للإخوان في ١٢ شوال ١٣٦٤هـ / ١٨ سبتمبر ١٩٤٥م، وحضرها ٢٥٠٠ من رؤساء المناطق ومراكز الجهاد وشُعَب الجماعة «للنظر في موقف الإخوان من الحقوق الوطنية».

ولم يمض وقت طويل حتى عقدت الجماعة أول مؤتمر شعبي حضره عشرات الآلاف في القاهرة يوم 4: أكتوبر ١٩٤٥م، وألقى فيه البنا خطابا مطولا حول المطالب الوطنية، والوسائل التي سيستخدمها الإخوان في سبيل الحصول عليها. 

وفي الوقت نفسه، قدمت لجنة التدريب العسكري بالجماعة في سبتمبر برنامجا مفصلا بخصوص إصلاح الجيش المصري ورفع كفاءته القتالية، ونشروه علنا في جريدتهم نصف الشهرية «العدد 7 - السنة الثالثة - ١٤ شوال ١٣٦٤هـ / ٢٠ سبتمبر١٩٤٥م».

المطالبة بالحقوق

إذن، فقد قررت الجماعة علنا الانخراط بشكل مباشر في المطالبة بالحقوق الوطنية وجلاء الإنجليز، وبدأت في تنظيم تحركات شعبية للضغط على الحكومة المصرية.

وخلال شهرين فقط بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ورفع الأحكام العرفية والرقابة على الصحف، نظمت الجماعة سبعة مؤتمرات شعبية في القاهرة وعواصم المديريات الشرح المطالب الوطنية للجمهور ودعت كل الأحزاب والقوى للوحدة، والاستعداد للجهاد المرير من أجل نيل الاستقلال والتحرر من الاحتلال البريطاني. وقامت الجماعة بتنظيم مظاهرات أخرى خلال فبراير ومارس ١٩٤٦م عرفت بــ «يوم النداء 9 فبراير» و «يوم الجلاء ۲۱ فبراير»، و«يوم الفداء ٤ مارس ١٩٤٦م».

وفي مطلع يونيو ١٩٤٦م. انعقد مؤتمر رؤساء مناطق ومراكز الجهاد وشعب الإخوان في أنحاء المملكة المصرية لجمعية عمومية غير عادية، وصدرت عنه قرارات خاصة بالقضية الوطنية تتلخص في: أن تقطع حكومة «صدقي» المفاوضات مع الإنجليز، وإلغاء معاهدة ١٩٣٦ ، وجلاء القوات البريطانية عن البلاد والاستعداد للجهاد والأهم من ذلك هو ما ورد في البند السابع من تلك القرارات وهو: «يقرر المجتمعون اعتبار أية حكومة لا تعمل مع الأمة لتحقيق أهداف البلاد الوطنية وتنظيم وسائل الجهاد في سبيلها أداة استعمارية، لا تمثل البلاد وتسقط طاعتها عن المحكومين». «وثيقة قرارات المؤتمر، منشورة في جريدة الإخوان اليومية - العدد ٢٦-السنة الأولى- 3 رجب١٣٦٥هـ / ٣ يونيو١٩٤٦م»

وعلى هذا النمط من التحدي الصريح لقوة الاحتلال، والحكومة والعرش في مصر في آن واحد، سار الشيخ بالجماعة من سنة ١٩٤٥م إلى لحظة اغتياله في فبراير ١٩٤٩م، وتشير وثائق تلك المرحلة أن كل يوم من سنوات «١٩٤٥- ١٩٤٩م» كان يشهد تحركا جديدا للشيخ وجماعته في القضية الوطنية.. وأنهم جهروا بموقفهم المعارض للمفاوضات المصرية البريطانية أولا بأول أيام حكومة «صدقي». وأيام حكومة «النقراشي».

وفي 19 أكتوبر ١٩٤٦م، دعا الشيخ البنا الزعماء السياسيين المصريين جميعا إلى اجتماع وطني شامل للإصلاح الداخلي والجهاد الوطني، ووجه دعوة علنية على صفحات الجريدة اليومية للجماعة إلى كل الباشاوات شريف صبري، ومصطفى النحاس، وحسين سري، وعبد الفتاح يحيى وعلي ماهر ومحمود فهمي النقراشي ومحمد حسين هيكل، ومكرم عبيد، وإبراهيم عبد الهادي، وأحمد لطفي السيد، وعلي الشمسي، وحافظ عفيفي، وحافظ رمضان والسيد إسماعيل الأزهري رئيس الوفد السوداني. وحملت رسالته إلى هؤلاء مرارة عبر عنها في قوله:

«قد أبيتم علينا سواء أكنتم في الحكم أم خارجه، أن نظهر بأية صورة على المسرح السياسي، وألا ننفذ من أي طريق مهما كان صحيحًا سليمًا قانونيًّا. فرضينا صابرين وعملنا كوطنيين مجاهدين، وسنقف في صف هذا الشعب ونحن أعرف بمكانتنا منه». ثم أنذرهم: «إما أن يستجيبوا المطالب الشعب، أو سيقوم الإخوان بقيادته للجهاد في سبيل الله والوطن مستشهدين. وندعكم مع القاعدين من المخلفين، فإما إلى النصر، وإما إلى القبر، «وكلاهما خير» «وثيقة للشيخ البنا عبارة عن خطاب مفتوح إلى زعماء الوادي وساسته» منشورة بجريدة الإخوان اليومية - العدد ١٤٢- السنة الأولى- ٢٤ من ذي القعدة ١٣٦٥هـ / ١٩أكتوبر ١٩٤٦م).

سنوات عصيبة

وفي كتابنا «الفكر السياسي للإمام حسن البنا» عرضنا بالتفصيل «ص ٤٠٣ ص ٤٧١» لما قام به الشيخ في القضية الوطنية، وحللنا تحركات جماعته ومشاركاتها، واستندنا إلى وثائق المرحلة «۱۹۳۹- ١٩٤٩م»، وأوضحنا كيف تعقدت علاقة الشيخ وجماعته بالحكومات المصرية المتعاقبة، وبالعرش، وبسلطات الاحتلال، بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وكيف أدار الشيخ جماعته في تلك السنوات العصيبة، وخاصة أثناء المفاوضات المصرية البريطانية، وأثناء عرض القضية على مجلس الأمن.

وكيف أنه عمد باستمرار إلى معارضة الحكومة «أي حكومة» قبل دخولها في التفاوض مع سلطات الاحتلال، وكيف أنه ساند الحكومة نفسها أثناء إجراء المفاوضات.

وقد انتظم الشيخ البنا في سلوكه هذا تجاه حكومتي «صدقي» و«النقراشي»: يعارضها ويحثها على رفض الدخول في مفاوضات من حيث المبدأ، فإذا ما دخلتها فعلا، وبات الجميع أمام الأمر الواقع؛ عمد إلى مساندتها حتى تنتهي جولات التفاوض وتعود بخفي حنين، فيعود هو بجماعته إلى معارضة الحكومة داعيا إياها لرفض الدخول في جولة جديدة، وناصحا لها بدلا من ذلك بالذهاب المجلس الأمن.

كان منطق الشيخ في سلوكه هذا هو المثل المصري الشائع: «أنا وأخويا على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب»، وكانت ترجمته لهذا المثل هي: أنه لا يجوز إضعاف موقف المفاوض المصري أثناء التفاوض بحجة أن «حكومته غير ديمقراطية، ولا تمثل الأمة»، وهي الحجة التي كان يرددها الوفد طول الوقت قبل التفاوض وأثناءه، وبعده دون تمييز بين موقف وموقف.

أما عندما كانت عجلة التفاوض تتوقف، أو يعود الوفد المصري إلى البلاد فإن الشيخ البنا كان يستأنف معارضته الشديدة للمفاوضات لعدم جدواها في استرجاع الحقوق الوطنية.

إدارة الصراع

ولهذا السبب نشبت خلافات كثيرة بين «الوفد» بزعامة النحاس، و«الإخوان» بزعامة البنا فيما يتعلق بالمفاوضات وكيفية إدارة الصراع المصري الإنجليزي، وفي الوقت الذي انتقد فيه الشيخ البنا موقف «الوفد» وزعيمه النحاس لمعارضته حكومة النقراشي في الذهاب لمجلس الأمن والطعن بأنها حكومة «دكتاتورية»، فإن الشيخ لم يكن ممالنا لحكومة النقراشي، بل قال بعد أن أنهى نقده لتصريحات النحاس وموقف «الوفد» منها: «نكتب هذا الكلام مع إن بيننا-نحن الإخوان المسلمين - وبين رئيس الحكومة حسابا طويلا في كثير من المواقف والشؤون الداخلية، ولكننا نستطيع أن نفرق بين ما نتحاسب عليه اليوم وما تؤجله إلى الغد القريب». « البناء جريدة الإخوان اليومية- العدد ٣٧٤ - السنة الثانية - ٣ من رمضان ١٣٦٦هـ / ٢١ يوليو١٩٤٧م».

بم يسمى هذا الموقف؟ ومن الذي يستفيد منه؟

«يتبع »

الرابط المختصر :