; مسح غربي يؤكد: مسلمو أوروبا أكثر ولاء لبلدانهم من الغربيين! | مجلة المجتمع

العنوان مسح غربي يؤكد: مسلمو أوروبا أكثر ولاء لبلدانهم من الغربيين!

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 19-سبتمبر-2009

مشاهدات 65

نشر في العدد 1870

نشر في الصفحة 21

السبت 19-سبتمبر-2009

ثلاثة أرباع مسلمي بريطانيا ولاؤهم لدينهم لكنهم يعتبرون أنفسهم جزءا لا يتجزأ من بريطانيا ومؤسساتها

المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث: مفهوم المواطنة بالنسبة للمسلمين في الغرب لا يخالف الولاء الشرعي

د. داليا مجاهد: حقائق التقرير تحطم الكثير من الأكاذيب والأساطير عن طبيعة أخلاق ووجهات نظر المسلمين

تقرير «مركز جالوب» يخالف كل التوقعات ويثبت قدرة المسلمين على الموازنة بين ولائهم لعقيدتهم واحترامهم لبلاد المهجر

ظل المعلقون والمحللون السياسيون منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر ۲۰۰۱م «تفجيرات أمريكا»، والسابع من يوليو ۲۰۰٥م «تفجيرات لندن» يشككون في الولاء الاجتماعي للمسلمين الأوروبيين، لكن تقريرًا أعده مركز «جالوب للدراسات ومؤسسة التعايش السلمي» توصل أخيرًا إلى أن المسلمين الأوروبيين أكثر ولاء للدول التي يعيشون فيها بأكثر مما يعتقد عامة الناس.

التقرير الذي يركز على المسلمين في بريطانيا وفرنسا وألمانيا، أشار إلى أن الدين والهوية الوطنية يكملان بعضهما البعض لدى مسلمي أوروبا، ونتائج التقرير جاءت مخالفة للتوقعات ومحبطة لمحاولات المشككين الذين يحاولون إظهار مسلمي أوروبا بمظهر العدو الداخلي، ويمنعون الاندماج الذي يضمن حقوق المسلمين، ويسمح بنشر دعوتهم.

وأظهر المسح الذي أجري في بريطانيا أن ثلاثة أرباع المسلمين يضعون ولاءهم لدينهم، وفي الوقت نفسه يعتبرون أنفسهم جزءًا لا يتجزأ من بريطانيا ومؤسساتها، وهي نسبة أعلى بكثير من الشعب البريطاني بكل شرائحه.. فهل يتعارض الأمران شرعًا؟ وكيف رأى الفريقان عناصر الاندماج؟

مؤسسة «جالوب» صاحبة هذه الدراسة العالمية عن السماحة الدينية، كشفت في أول تقرير سنوي لعام ۲۰۰۹م بهذا الخصوص (۱)، أن مسلمي أوروبا ربما يكونون أكثر ولاء لبلادهم - بلاد المهجر - أكثر من الأوروبيين أنفسهم.

أقل الشعوب احترامًا للأديان

فالدراسة أثبتت تباينًا ملحوظًا بين البلدان «۲۷ بلدًا» التي استطلعت آراؤها بالنسبة لأهمية الدين في حياة الأفراد، وكانت الدول الثلاث عشرة الأوائل هي في آسيا وأفريقيا في حين كان القاع لأوروبا «الدول الست الأخيرة»، وكانت أهمية الدين في حياة الناس الأعلى في بنجلاديش 99% والأقل في النرويج ٢٠٪.

ففي أفريقيا، «والسنغال وسيراليون وجنوب أفريقيا» كانوا - وفق الدراسة - هم أكثر المندمجين، وهو أمر عجيب خاصة مع الحرب الأهلية التي استمرت عشرات السنين هناك، وعلى الجانب الآخر فإن النيجر وتشاد وجيبوتي هي أكثر البلاد عزلة من ناحية علاقة الأفراد.

وفي حالة الهند وباكستان مع اختلاف التكوين الديني لهما فقد أظهرا النتائج نفسها بالنسبة لمسألة الاندماج المجتمعي وهو 22%.

 وعن قضية فلسطين التي لا شك تثير من خلال العدوان «الإسرائيلي» المستمر عداوة بين المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين من طرف، واليهود «الإسرائيليين» من طرف آخر، أظهرت نتائج الاستطلاع أن نسبة كبيرة 71% من الشعب «الإسرائيلي» معزولون «غير مندمجين مع غيرهم»، وأثبت البحث عن «الإسرائيليين» أنهم أقل الشعوب احترامًا لأصحاب الأديان الأخرى، وأقلهم موافقة على أن معظم الأديان تقوم بالمشاركة الإيجابية في المجتمع، أما أكثر شعوب آسيا اندماجًا فظهر أنها ماليزيا.

 

الأكثر حرصًا على الاندماج

وأظهرت الدراسة أن مسلمي أوروبا أكثر حرصا على الاندماج والمشاركة، إذ إن 96% من مسلمي ألمانيا اعتبروا إجادة اللغة القومية «الألمانية» شرطًا أساسيًا للاندماج، و87% من مسلمي فرنسا اهتموا بتأكيد ضرورة العمل في حياتهم، و84٪ من مسلمي بريطانيا عبّروا عن الحاجة للاحتفال بالأعياد القومية.

د. داليا مجاهد المديرة التنفيذية لمؤسسة «جالوب» «اختارها الرئيس الأمريكي «أوباما» لتكون أول مستشارة مسلمة له في قضايا الدين والحوار» تقول في تعليقها على هذه النتائج: «لقد جاء الوقت لتوضيح تصورات غالبية المسلمين وما يثار من جدال حولهم.. ففي هذا التقرير حقائق تحطم الكثير من الأكاذيب والأساطير عن طبيعة أخلاق ووجهات نظر المسلمين».

وتقول: «هذا البحث يظهر أن الكثير من الظنون والنظريات عن المسلمين والاندماج هي خارج الحقيقة فالمسلمون الأوروبـيـون يريدون أن يشكلوا جزءًا من المجتمع العريض، وأن يعطوا ويشاركوا أكثر فيه».

ويشكل الدين أولوية مهمة في حياة المسلمين في أوروبا بالمقارنة بالرأي العام كما في جدول (۱)، رغم الضغوط العارمة من الشبهات والشهوات، وهناك أمل في أن تصل النسبة إلى أعلى من ذلك مع اتساع مجالات الدعوة والتعليم والتربية.

وفي حين لم يتعد ولاء الشعوب للدين في أوروبا الربع عموما، والولاء للوطن النصف، فإن المسلمين أظهروا توازنا بين الأمرين، مع ارتفاع النسبة بدرجة كبيرة في بريطانيا «جدول۲»، ومع ذلك لا يزال الرأي العام يعتقد أن المسلمين لا يوالون - أي غير منتمين - للبلاد التي يعيشون فيها، خاصة في بريطانيا «جدول٣».


الاندماج لا يعارض الولاء الشرعي

 لو أخذنا ما جاء في جدول (٤) مثلًا وبريطانيا نموذجًا، سنرى الأطراف بدرجات كبيرة متقاربة أن لغة البلد، والعمل والتعليم، والاحتفال بالأعياد القومية والمشاركة السياسية هي من علامات الاندماج في حين لم ير إلا 24% من المسلمين أن العمل التطوعي الخادم للشعب هو من عناصر الاندماج.

ويعتبر المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث المشاركة في شؤون المجتمع والحرص على خدمة الصالح العام، عملا بالتوجيه القرآني ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الحج:77)، من أهم مقتضيات الاندماج التي تطلب من المسلمين، ولا حرج فيها عليهم، والإسلام يحث عليها.

كما أن المجلس حث المسلمين على ضرورة معرفة لغة المجتمع الأوروبي وأعرافه ونظمه، والالتزام تبعًا لذلك بالقوانين العامة، وبالعمل على الخروج من وضع البطالة؛ ليكون المسلم فاعلًا منتجًا يكفي نفسه وينفع غيره، عملا بالهدي النبوي الشريف: «اليد العليا خير من اليد السفلى، فاليد العليا هي المنفقة واليد السفلى هي السائلة» (متفق عليه).

 وبالنسبة للعمل التطوعي يقول كارم عيسى - ماجستير في العولمة - والناشط في مجال العمل التطوعي: إنه ما زال أمام المسلمين في بريطانيا شوط كبير نظرًا للبعد التربوي والتاريخي واللغوي، وارتفاع البطالة.. فهم يبحثون عن عمل يجلب مالا ويتطلب العمل ساعات طويلة والعمل التطوعي يستهلك المال والوقت، كما أن هناك حرصًا من الأسر على تزويج الشباب واستقرارهم ويعتقدون أن ذلك يتعارض مع العمل التطوعي.

وفي الدراسة التي اشترك فيها كباحث مجتمعي ونشرتها جامعة «أكسفورد» العام الماضي عن الهجرة والدين والتعايش في المناطق التي يقطنها نسبة كبيرة من المسلمين في بريطانيا «نيوهام في لندن - برمنجهام - برادفورد»، اتضح أن الفقر والبطالة وعدم المساواة هي من أكبر العوامل التي تعطل الاندماج (۲).

وهو رأي د. طاهر عباس الخبير في شؤون الجالية ومدير مركز الدراسات العرقية بجامعة «برمنجهام»، حيث يقول: إن العوامل الاجتماعية الاقتصادية، مثل: السكن والتعليم والعمل، والكراهية العرقية والدينية هي عوائق في وجه الاندماج.

معضلة الولاء للدين والمواطنة؟

وهنا يبرز سؤال: هل من معضلة بين الولاء للدين والمواطنة؟ والحقيقة أنه سبق أن أكد المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في الدورة السابعة عشرة ۲۰۰۷م (۳) أن مفهوم المواطنة بالنسبة للمسلمين في أوروبا والغرب عمومًا لا يخالف الولاء الشرعي.

ولتحقيق الاندماج المتوازن دعا المجلس المسلمين إلى العمل على حفظ شخصيتهم الإسلامية دون انغلاق وانعزال أو تحلل وذوبان في المجتمع، وإلى إقامة المؤسسات الدعوية والتربوية والاجتماعية اللازمة لذلك، وعن إشكالية اندماج المسلمين أوضح المجلس في قراراته أن سياسات «الاندماج» المتبعة في الدول الأوروبية تتراوح بين اتجاهين: أولهما اتجاه يغلب جانب الانصهار في المجتمع ولو أدّى ذلك إلى التخلي عن الخصوصيات الدينية والثقافية للفئات المندمجة، والثاني اتجاه يرى ضرورة الموازنة بين مقتضيات الاندماج ومقتضيات الحفاظ على الخصوصيات الثقافية والدينية وهذا الذي يُشجع.

ويقول العلامة «عبد الله بن بيه الشنقيطي» (٤): إنه يمكن اعتبار الولاء دوائر ومراتب وبإمكانها أن تتواصل وتتفاعل بدلا من أن تتصادم وتتقاتل، فالولاء للدين أمر مسلم به عند كل مسلم، بل بالنسبة لكل متدين وهو أعلى قمة هرم الولاءات، وهو لا يطرد الولاء للوطن بمفهوم المواطنة؛ إذ هو لا يتنافى مع الولاء للدين مادام عقد المواطنة لا يشتمل على خروج من الدين، أو انصراف عن الشعائر، أو حجر على حرية المسلم أن يعيش إيمانه.

ويقول: إن العلاقة بين عقد المواطنة وبين الدين يمكن أن يتصور في دوائر منها ما هو مطلوب شرعًا ومرغوب طبعًا، كحق الحياة، والعدالة والمساواة، والحريات، وحماية الممتلكات، ومنع السجن التعسفي والتعذيب، وحق الضمان الاجتماعي للفقراء والمسنين والمرضى، والتعاون بين أفراد المجتمع للصالح العام، وما يترتب عليه من واجبات كدفع الضرائب، والدفاع عن الوطن ضد العدوان، والامتثال للقوانين وفاء بعقد المواطنة.. وهذا في حقيقته يدخل في الوفاء بالعهد واحترام مقتضياته وذلك داخل في الولاء للدين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة:1). ويدخل في التعاون على البر والتقوى قال تعالي ﴿ولا يَجْرِمَنَكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُوكُمْ عَن المَسْجِدِ الْحَرَام أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى البرّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة:2).

فمتى يدركون إذا في الغرب أن مسلمي أوروبا حريصون على أمن البلدان التي يعيشون فيها وولدوا أو هاجروا إليها منذ سنوات؟!

جدول (1) هل يشكل الدين جزءًا مهمًا من حياتك اليومية؟

البلد

الرأي العام

المسلمون

فرنسا

25%

69%

ألمانية

44%

82%

بريطانيا

29%

70%

 

جدول (2) إلى أيهما تتجه هويتك أكثر؟

البلد

الرأي العام

المسلمون

 

الدين

الوطن

الدين

الوطن

فرنسا

23%

55%

58%

52%

ألمانية

23%

32%

59%

40%

بريطانيا

23%

50%

75%

77%

 

جدول (3) هل تعتقد أن المسلمين عندهم ولاء للبلد الذي يعيشون فيه؟

البلد

الرأي العام

المسلمون

فرنسا

44%

80%

ألمانية

39%

71%

بريطانيا

36%

82%

 

جدول (4) ماذا يعني الاندماج لك «بريطانيا»؟

 

الرأي العام

المسلمون

إجادة اللغة

89%

83%

إيجاد العمل

91%

70%

الحصول على تعليم أفضل

84%

76%

الاحتفال بالأعياد القومية

70%

84%

العمل التطوعي الخادم للشعب

64%

24%

المشاركة السياسية

64%

54%

 

الهوامش

(1) The Gallup Coexist Index 2009 

A Global Study of Interfaith Relations

http://www.muslimwestfacts com/mwf/118249/Gallup- Coexist-Index- 2009.aspx

(2) Immigration. faith and cohesion

Jayaweera and Choudhury. University of Oxford 2008

(۳) البيان الختامي للدورة العادية السابعة عشرة للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث المنعقدة بمدينة سراييفو «البوسنة».

http://www.qaradawi.net/site/ topics/static.asp?

(٤) الولاء بين الدين والمواطنة لعبد الله بن بيه.

www.e-cfr. org/ar/bo/53. doc

الرابط المختصر :