العنوان مشاهد حية من مجار «الجمعة الدامي»
الكاتب وسام عفيفة
تاريخ النشر السبت 16-مارس-2002
مشاهدات 66
نشر في العدد 1492
نشر في الصفحة 20
السبت 16-مارس-2002
الدبابات «تهرس» رؤوس الشهداء ثم تعلق جثثهم وتطوف بها الشوارع.
في حرب المخيمات.. فظائع يندى لها جبين الإنسانية.. تمثيل بجثث الشهداء وتنكيل بالجرحى.
جنود الاحتلال يستخدمون سيارات الإسعاف فخًا للقتل
عاش الفلسطينيون يوم الجمعة قبل الماضي يومًا من أكثر أيام الانتفاضة دموية، كان أبرزها المذبحة التي ارتكبها جيش الاحتلال الصهيوني في مدينتي طولكرم وخان يونس، وهي المذبحة التي لا تقل بشاعة عن مجزرة صبرا وشاتيلا.
فشارون الذي هُزم في عمليات المقاومة البطولية الأخيرة، أراد الانتقام لتاريخه الدموي، محاولاً إعادة الثقة لجيشه وشعبه على جماجم ودماء الفلسطينيين الذين بلغ عددهم في المجزرة ٥٥ شهيدًا.
جيش الاحتلال الذي شارك في المجزرة بمختلف أسلحته ارتكب فظائع يندى لها جبين الإنسانية، فقد داست الدبابات رؤوس المواطنين، وترك الجرحى في الشوارع ينزفون بعد أن منعت سيارات الإسعاف من الوصول إليهم، بل إن القوات الخاصة قامت بالاستيلاء عليها، واستخدامها في إطلاق النار على الفلسطينيين، فيما سقط ستة من أفراد الأطقم الطبية وضباط الإسعاف ومدير مستشفى في مدينة بيت لحم.
ثم استخدم جيش الاحتلال المواطنين كرهائن للضغط على المقاتلين الفلسطينيين لتسليم أنفسهم.
مجزرة طولكرم
مشاهد مجزرة طولكرم التي صاحبها اعتقالات طالت ما يقرب من ألف فلسطيني بطريقة وحشية كانت أليمة وفظيعة، حيث نكل جنود الاحتلال بالمواطنين والجرحى وحتى بالأطقم الطبية... شهود عيان من أهل مخيم طولكرم قالوا: إن الدبابات الصهيونية قامت بوضع جثث الشهداء على مقدمات الدبابات، وجابت شوارع المدينة ومخيمها، فيما فرض الجيش سيطرته على بيت في المدينة كان في داخله خمسة أطفال، قتلت والدتهم إثر إصابتها بقذيفة صاروخية. وحسب شهود عيان، فقد أصيبت المرأة بصورة مباشرة وتوفيت متأثرة بجراحها بسبب منع وصول سيارات الإسعاف إلى المكان.
ثم أمر الجيش الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين ١٤ و٤٠ عامًا بالتجمع في ملعب مدرسة المخيم، ووضعوهم كرهائن، وهددوا بقتلهم ما لم يستسلم المسلحون الفلسطينيون؛ فاستسلم بعضهم.
وأشارت مصادر فلسطينية إلى أن الجنود الإسرائيليين أغلقوا جميع مخارج المخيم، ومنعوا سيارات الإسعاف من نقل المرضى والجرحى والقتلى، وقد تجاوز عدد الشهداء في المخيم ٢٠ شهيداً في إحصائية أولية.
سيارات الإسعاف كانت هدفًا مباشرًا للدبابات الصهيونية، بدعوى أنها تستخدم لنقل المسلحين الفلسطينيين، حسب زعم المسؤول العسكري للجيش في الضفة الجنرال إسحق جيرشوم في تصريحات لإذاعة الجيش.
من جانبه روى صحفي غربي دخل المخيم لمواطنين كانوا يقفون خارجه، كيف أنه شاهد الجنود يقتلون فلسطينيا أعزل، بينما كان يمشي بهدوء في منطقة قريبة من مدخل المخيم وقال: إنه لم يكن يتخيل أن الجرائم الصهيونية بهذا الحجم.
من جانبه قال الشيخ رأفت ناصيف «أبو صهيب» المسؤول البارز في حركة حماس بطولكرم في اتصال هاتفي: إننا أحجمنا عن ذكر أسماء الشهداء حتى اللحظة الأخيرة رأفة بعائلاتهم، حيث لم نتمكن من الوصول للجثث.. وذكر أن طفلًا يدعى محمد البيطار ١٠ أعوام قتلته طائرة أباتشي صهيونية، فيما قام جنود الاحتلال الباغي بالسيطرة على عمارات ضخمة في المدينة واستهدفوا كل من يتحرك على الأرض دون النظر إلى جنسه وعمره. وأضاف: كان هناك نحو ١٢٠ فلسطينياً محاصرين في أحد الأحياء بالمخيم يتهددهم الموت في أي لحظة منهم ٣٦ في منزل واحد اتهمتهم سلطات البغي الصهيوني بأنهم مطلوبون.
وأوضح: «أن عشرة من الجرحى ظلوا ينزفون بشدة على الأرض في منطقة تسمى الحمام أمام أعين المواطنين الذين يشاهدونهم من النوافذ ولا يستطيعون إنقاذهم ومساعدتهم بسبب الدبابات والجنود الذين يقفون عند رؤوسهم ويهددون بإطلاق النار على كل من يقترب.
واعتبر ناصيف أن مجزرة حقيقية ارتكبت وجرت معالمها على أرض منطقة طولكرم تم التخطيط لها مسبقًا.
مجزرة خزاعة شرق خان يونس
«هنا شهيد آخر تعالوا».. صوت أحد المواطنين الذين انهمكوا في البحث بين المزروعات عن جثث وأشلاء شهداء خلفتهم دبابات الاحتلال المتوغلة في بلدة خزاعة وعبسان الكبيرة.
وتمكن المواطنون برفقه أطقم الإسعاف من الوصول الى المنطقة بعد قليل من تقهقر الدبابات الغازية «صباحاً» ليكشف المشهد عن فصول مروعة من الجريمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال بدم بارد وخلفت ٢٣ شهيداً وعشرات من الجرحى والمصابين.
فالدماء غطت مساحات واسعة من الأراضي وبعض الجدران.. والأشلاء تناثرت في كل مكان.. ويكتمل المشهد بجثماني شهيدين تُركا ينزفان حتى فاضت روحهما إلى خالقهما.
المشاهد مؤلمة لم يحتملها كثيرون فأصيبوا بإغماء وانهيار عصبي.. وخلال ساعة تمكن المواطنون المتدفقون من اكتشاف خمس جثث لشهداء وجدوا في مناطق متفرقة بين الأراضي الزراعية، إضافة إلى عدد من الشهداء اكتشفت جثثهم في وقت سابق ونقلوا إلى مستشفى ناصر في خان يونس...
أحد المواطنين صرخ: «هذا شهيد داسته الدبابة»، ولم يكمل، فقد سقط مغشياً عليه ليتدافع عدد كبير من المواطنين، وكان المشهد الذي لن يمحى من الذاكرة.. مشهد رأس مفروم اختلط فيه الشعر بالمخ الذي تناثرت أجزاء منه مع الدماء.. فضاعت الملامح، ولم يعرف الشهيد سوى من بطاقة هويته التي كشفت أنه خالد إبراهيم قديح ٢٩ عامًا، ليبقى بعد ذلك خالدًا في ذاكرة الوجع الفلسطيني.
المشاهد المأساوية كثيرة وشهود العيان على المجزرة التي ارتكبت بدم بارد كثيرون.. ولكن القليل منهم استطاع أن يتحدث بعد الأهوال والأجواء المرعبة التي مرت بهم. فأغلبيتهم ما زالوا يعيشون الصدمة في ذهول.
المصادر الأمنية وشهود العيان الذين التقيناهم، أجمعوا على أن الاحتلال اقتحم المنطقة. بهدف ارتكاب مجزرة إشباعاً لرغبته الدموية في القتل، ووفقاً لهذه المصادر، فإن الاحتلال بدأ حشد دباباته والياته على امتداد منطقة خزاعة شرق خان يونس منذ الساعة الحادية عشرة والنصف ليلة الجمعة ... ومن ثمّ دخلت إلى المنطقة قوات «كوماندوز» مع مستعربين تم إنزالهم بطائرات مروحية قامت باستكشاف المنطقة، ومن ثمّ اجتاح ما يقرب من ٥٠ دبابة وناقلة جنود منطقه خزاعة من ثلاثة محاور: الجنوب، والشرق، والشمال في «الواحدة والنصف ليلًا» لتحكم حصارها وتبدأ بالتقدم وسط إطلاق القذائف والرشاشات الثقيلة، وتحت غطاء من قبل الطائرات المروحية.
المقاومون ورجال الأمن الوطني، تصدوا بصدورهم العارية إلا من الايمان بعدالة قضيتهم وأسلحتهم الخفيفة، فاستشهد في بداية العدوان الرائد في الأمن الوطني موسى محمد النجار ٤٨ عاماً، والنقيب أشرف النجار ٣٢ عامًا، وبكر حسين النجار ١٨ عامًا.
وقد تركت القوات الغازية الشهداء الثلاثة ينزفون، قبل أن تتمكن أطقم الإسعاف من نقلهم الى مستشفى ناصر، في وقت واصلت فيه قوات الاحتلال عدوانها الهمجي.
وقال أحد الجرحى رفض ذكر اسمه: إنه أصيب خلال معركة الدفاع عن أراضي المنطقة الشرقية، مشيراً إلى أن قوات الاحتلال أخذت تقصف المنطقة بشكل جنوني وعشوائي. وهو ما أدى إلى إصابة عدد من أفراد الأمن الوطني والمواطنين الذين كانوا يحاولون الفرار من المكان، ثم توغلت في المنطقة، ليصبح من الصعب على سيارات الإسعاف الوصول للجرحى، مشيرًا إلى أنه تمكن من الانسحاب لأن إصابته كانت في يده.
وحسب روايات من شهود عيان فإن قوات صهيونية خاصة اقتحمت المنطقة في سيارة إسعاف فلسطينية تم اختطافها، وأطلق جنود الاحتلال منها النار على المواطنين، مما رفع عدد الإصابات خاصة أن المواطنين اعتقدوا أن سيارة الإسعاف جاءت لتقدم المساعدة للجرحى، فإذا بها تحمل لهم المزيد من الموت والإصابات.
ثم داهم المحتلون منزل المواطن إبراهيم أبو عامر المكون من طابقين يعيثون فسادًا ويحتجزون أفراد الأسرة في غرفة، ثم يعتلون الطابق العلوي، ويتخذ القناصة مواقعهم عليها، فيما تحميهم في محيط البيت والمنطقة عشرات الدبابات ليشرعوا فى مواصلة مجزرتهم الوحشية.
ومن نافذة منزله القريب كان جمال أبو عامر ٣٢ عاماً، يشاهد مسرح الجريمة، وكيف أخذ قناصة الاحتلال مواقعهم خلف سواتر في منزل قريبه أبو عامر عندما وصل إلى المكان اللواء احمد مفرج «أبو حميد» قائد الأمن الوطني جنوب قطاع غزة، ومرافقوه، لتعزيز ورفع المعنويات لجنود الأمن الوطني، وأطلقوا عليه النار وأصابوه في قدمه كما أطلقوا النار على مرافقه عارف رمضان حرز الله.
وعندما رأى إيهاب عبد الكريم الثلاثيني ملازم ثان ما أصاب قائده وزميله، تقدم ببسالة نحو إحدى دبابات الاحتلال يريد مهاجمتها فاستشهد مقدامًا بطلًا.
وفي ساعات النهار، تم الكشف عن فصول أخرى من المجزرة، فقد تضاعف على مدى أربع ساعات من انسحاب قوات الاحتلال عدد الشهداء ... ففي كل لحظة، كان يكتشف جثمان شهيد أو جزء من أشلائه بين المزارع، وفي الأراضي الواسعة، واخر شهيدين عثر المواطنون عليهما في نحو الساعة العاشرة والنصف صباحاً هما الشهيد خليل زرعي قديح ٣٦ عامًا، ومحمود شحدة ٤٥ عامًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل