العنوان مشكلة تبحث عن حل .. الديون الخارجية العربية
الكاتب عبدالكريم حمودى
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-1990
مشاهدات 67
نشر في العدد 951
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 23-يناير-1990
• الشروط التي يفرضها صندوق النقد
الدولي على الدول المدينة مكرسة لسياسة الاستعمار الاقتصادي.
• الأوضاع المضطربة التي تعيشها بعض الدول
العربية دفعت بقسم من رؤوس الأموال إلى الهجرة!
• تأمين لقمة العيش في الدول النامية أصبح
الشغل الشاغل.
• الأموال العربية يجب أن تبتعد عن أسواق
المال الغربية.
الأزمات التي
يعاني منها الوطن العربي عديدة ومتنوعة تختلف حدتها من دولة إلى أخرى، إلا أن أكبر
أزمة اجتاحت أغلب الدول العربية في العقد الأخير هي أزمة المديونية التي تترنح تحت
وطأتها نتيجة الربا المضاعف الذي تدفعه الدول العربية للمؤسسات البنكية الدولية
الدائنة، يضاف إليها الشروط التي تفرضها هذه المؤسسات على اقتصاد هذه الدول، مما
يجعله اقتصادًا تابعًا لها، يستهلك ولا ينتج، لضمان تدفق السلع الأولية إلى أسواق
الدول الدائنة وبأسعار زهيدة، ومن ثم إعادة تصديرها مصنعة إلى الدول المدينة
بأسعار مرتفعة، مما ينعكس ذلك على المواطنين الذين يعيشون في ضنك، ويعانون من
ويلات العوز والفاقة، حتى أصبح تأمين لقمة العيش همًّا يوميًّا صعب المنال.
إن أغلب القروض
المقدمة إلى الدول العربية المدينة هي من صندوق النقد الدولي بالدرجة الأولى،
وكذلك من البنك الدولي للإنشاء والتعمير، إضافة إلى مؤسسات بنكية ربوية غربية
أخرى. وقد أُنشئ البنك الدولي للإنشاء والتعمير وكذلك صندوق النقد الدولي بعد
الحرب العالمية الثانية كمؤسستين تابعتين للأمم المتحدة، وبتمويل من الدول الغربية
وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية.
لقد اقتصر دور
البنك الدولي للإنشاء والتعمير على تقديم قروض التمويل للمشروعات ذات الصفة
الإنتاجية الإنمائية ولمدد طويلة وبشروط تعتبر ميسرة إذا ما قورنت بشروط صندوق
النقد الدولي الصعبة، حيث انتهج الأخير سياسة تقوم على ضمان استمرار وتنشيط
التجارة الدولية، وإيجاد السيولة النقدية لدى الدول الفقيرة لتستمر في استيراد ما
تحتاجه من الدول الغنية وتصدر كل ما تنتجه من مواد أولية وخامات معدنية وغيرها.
فكان دور صندوق النقد الدولي أخطر في منع الدول العربية من استغلال هذه القروض في
تصنيع المواد الخام التي تنتجها وبذلك تقطع الطريق على الدول المساهمة في صندوق
النقد الدولي وهذا ما لا ترضى عنه هذه الدول.
إن صندوق النقد
الدولي يقدم القروض للدول الفقيرة حتى لا تتبع هذه الدول سياسات تقشف وبالتالي تحد
من كمية مستورداتها إضافة إلى ذلك يمكن أن تتخذ الدول الفقيرة إجراءات من شأنها
الاعتماد على نفسها ولو على المدى الطويل، مما يكون له تأثير سلبي على التجارة
الدولية.
من هنا حرص
صندوق النقد الدولي على إقراض الدول الفقيرة من الدول العربية حتى يضمن قدرًا
معقولًا من السيولة لديها تستطيع بموجبها تمويل عمليات الاستيراد وتصدير المواد
الأولية، واضعًا في الوقت نفسه شروطًا تعتبر في ظاهرها إصلاحية لكنها في حقيقة
الأمر تدميرية على شعوب هذه الدول، إذ إنه لا يأخذ بعين الاعتبار الظروف
الاجتماعية والسياسية السائدة في كل دولة من هذه الدول، مما يشكل عبئًا على
اقتصادها الذي يزداد تدهورًا وعلى شعوبها التي تزداد فقرًا.
لقد سجلت
المديونية العربية ارتفاعًا متصاعدًا حيث بلغت قيمتها عام 1982 (68) مليار دولار،
ارتفعت في عام 1988 إلى 140.18 مليار دولار، أي بمقدار 72 مليار دولار في غضون 6
أعوام أي بمعدل 12 مليار دولار كل عام، وبالتالي فإن الدين ارتفع بنسبة 106% خلال
نفس المدة وكان الارتفاع حسب الجدول التالي:
• عام 1982 إجمالي الديون 68.3 مليار دولار
• عام 1983 إجمالي الديون 76 مليار دولار
• عام 1984 إجمالي الديون 86.3 مليار دولار
• عام 1985 إجمالي الديون 97.1 مليار دولار
• عام 1986 إجمالي الديون 115 مليار دولار
• عام 1987 إجمالي الديون 122 مليار دولار
• عام 1988 إجمالي الديون 140.18 مليار دولار
وتتوزع قيمة
الديون على الدول العربية عام 1988 حسب الجدول التالي:
مصر: 33.3،
الجزائر: 23.2، المغرب: 21.2، السودان 11.1، الأردن: 8، سوريا: 5، عمان 3، ليبيا:
2.9، اليمن الشمالي: 2.5، اليمن الجنوبي: 1.9 مليار دولار.
وذلك حسبما جاء
في التقرير الذي أصدره مؤخرًا مصرف الخليج الدولي في البحرين كما أن هذه الأرقام
لا تشمل الديون العسكرية. أما الدول التي استطاعت تفادي عملية الاقتراض فهي الدول
العربية التالية: البحرين، الإمارات العربية المتحدة، دولة الكويت، والمملكة
العربية السعودية.
ومن المعروف أن
هذه المديونية قد زادت عبء الموازنات الحكومية وخاصة موازين المدفوعات الخارجية
لهذه الدول، كما أن زيادة خدمات الديون دفعت بهذه الدول إلى طلب المزيد من القروض
لتغطية هذه الفوائد ولتسديد قسم من الديون القديمة، فعلى سبيل المثال: بلغت خدمة
المديونية في مصر 20% من حصيلة الصادرات، أما في الجزائر فقد ارتفعت هذه الخدمة
حتى بلغت 50% من حصيلة الصادرات، إضافة إلى ذلك فإن نصيب الفرد من المديونية عام
1987 في عدد من الدول العربية بلغ كالتالي: في موريتانيا 1425 دولارًا وفي المغرب
1049 دولارًا، والجزائر 1214 وفي تونس 1231 وتجاوز نصيب الفرد من الديون نصيبه من
الدخل في كل من السودان وموريتانيا.
أسباب
المديونية:
تتلخص أسباب
المديونية فيما يلي:
1. الإنفاق الحكومي الذي يغلب عليه طابع التبذير،
حيث إن المصروفات الحكومية لا تخضع للقوانين الضابطة، إضافة إلى ذلك أن جزءًا من
هذه الأموال قد ذهب إلى حسابات شخصية في البنوك الغربية.
2. فشل الكثير من المشروعات الاقتصادية، وخاصة
مشاريع القطاع العام، التي لم تُدرس الدراسة الكافية عند إنشائها ثم إنها لم تُدر
من قبل أشخاص أكفاء عند تشغيلها، مما أدى إلى خسارتها خسارة فادحة.
3. أن الأوضاع المضطربة، وحالة عدم الاستقرار
التي يعيشها عدد من الدول العربية، دفعت بقسم من رؤوس الأموال العربية إلى الهجرة
إلى البنوك الغربية، مما أدى ذلك إلى حرمان الدول العربية الفقيرة من العوائد
الاستثمارية لهذه الأموال التي يقدرها مصرف الخليج الدولي بحوالي 40 مليار دولار،
أي ما يعادل 27% من المديونية العربية، وطبقًا لبيانات المؤسسة العربية لضمان
الاستثمار فإن استثمارات الأفراد العرب التي توجهت إلى الأقطار العربية لم تتجاوز
228 مليون دولار عام 1987 في حين بلغت الاستثمارات العربية في الخارج 400 مليار
دولار عام 1983، و350 مليار دولار عام 1988 كما ورد في التقرير الاستراتيجي لعام
1989 الصادر عن مؤسسة الأهرام.
4. الارتفاع الحاد في أسعار المواد الاستهلاكية
والكمالية المستوردة وكمياتها، والانخفاض الحاد في أسعار المواد الأولية المصدرة
وكمياتها أيضًا. مما شكل عجزًا في ميزان المدفوعات دفع إلى عملية الاقتراض
الخارجي.
5. تدهور شروط الاقتراض نتيجة الزيادة الحادة في
أسعار الفائدة الفعلية على هذه القروض.
6. زيادة استيراد السلع الغذائية مما حمل موازين
المدفوعات في هذه الدول ضغوطًا إضافية.
7. الركود الاقتصادي الذي نتج عن انخفاض
الإيرادات النفطية.
8. تقلب أسعار الصرف ولا سيما الدولار الأمريكي
بالنسبة للعملات الأخرى.
9. زيادة النفقات العسكرية.
شروط صندوق
النقد الدولي
تعتبر الشروط
التي يفرضها صندوق النقد الدولي على الدول المدينة مكرسة لسياسة الاستعمار
الاقتصادي، كما تعتبر غاية في التعقيد والإحكام لإبقاء الدول العربية في وضع متخلف
لضمان التفوق الإسرائيلي في المنطقة وقد تختلف هذه الشروط من دولة إلى أخرى طبقًا
لإمكانات كل منها وموقعها وتتلخص فيما يلي:
1. تخفيض قيمة العملة المحلية في كل دولة من
الدول المدينة، وإقامة سوق حرة للنقد وإلغاء الرقابة على الصرف، والسماح بحيازة
النقد الأجنبي للأفراد والشركات بعيدًا عن سيطرة الدولة.
2. المطالبة بتخفيض الإنفاق العام، للحد من العجز
في ميزان المدفوعات، وذلك لتأمين تمويل عمليات الاستيراد.
3. إلغاء الدعم على الكثير من السلع الاستهلاكية
وتحديد أسعارها طبقًا للتكلفة الاقتصادية، دون الأخذ بعين الاعتبار القدرة
الشرائية للمواطنين في كل دولة.
4. تحويل الشركات والهيئات والنشاطات الاقتصادية
العائدة ملكيتها للدولة إلى القطاع الخاص وذلك ببيعها مع تخفيض حجم التوظيف
الحكومي وتجميد الأجور.
5. زيادة أسعار الفائدة على الودائع بالعملات
الأجنبية والمحلية مما يترك آثارًا سيئة على مناخ الاستثمار في هذه الدول، ويزيد
من خدمة الدين العام.
6. إعطاء امتيازات للشركات الأجنبية بهدف
الاستثمار في الدول العربية، وتقديم كافة التسهيلات اللازمة لها، ابتداء من منحها
الأرض اللازمة بأسعار رخيصة، إلى إعفاء المعدات والأجهزة اللازمة لها من الرسوم
الجمركية والضريبية مع السماح بتحويل أرباحها وتصفية أعمالها في أي وقت تشاء. ضمن
الشروط السابقة، فإن صندوق النقد الدولي يعتبر المتحكم الأول في اقتصاديات الدول
المدينة، فهو الذي يرسم الخطوط العريضة لوزارات الاقتصاد في هذه الدول، ويقدم
نصائحه المشؤومة المساعدة على زيادة التخلف والفقر وبالتالي فإن إصراره على تطبيق
الإصلاحات التي يدعيها يتطلب من الدول المدينة تضحيات لا تقدر عليها مما يدفع
بشعوبها إلى المزيد من الفقر والحاجة والحرمان وبالتالي إلى الثورة والحرب الأهلية
وسفك المزيد من الدماء نتيجة السياسات التقشفية التي يمكن أن تلجأ إليها حكومات
هذه الدول، لذلك فإن جهات دولية عدة اقترحت حلولًا يمكن أن تحل المشكلة وتوقف
تدهورها وتتلخص بـ:
o إلغاء
الديون.
o إعادة
جدولة هذه الديون بشروط ميسرة.
o تحويل
القروض الجديدة الممنوحة إلى أصول إنتاجية حقيقية تقوم بتشغيل الآلاف من العمال
وتدر أرباحًا تسد من العجز في ميزان المدفوعات بالتدريج.
أخيرًا:
يعتبر الوطن
العربي من المناطق الغنية في العالم، بموارده وثرواته وإمكاناته وطاقاته، ومع ذلك
وقع تحت وطأة الديون الهائلة التي باتت تهدده في استقلاله وكرامته وحريته، وما ذلك
إلا لمخالفة أمر الله في إحلال ما حرم ونتيجة طبيعية لأكل الربا.
قال الله تعالى:
﴿ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي
يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ إِنَّمَا
ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ
فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ
وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ
هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ (سورة البقرة:275).
فهل نحل ما أحل
الله ونحرم ما حرم أم ننتظر أن تحل الكارثة؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل