; مشكلة توظيف الأموال بين الشركات والحكومة | مجلة المجتمع

العنوان مشكلة توظيف الأموال بين الشركات والحكومة

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1988

مشاهدات 64

نشر في العدد 889

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 01-نوفمبر-1988

أصدر رئيس الوزراء المصري د. عاطف صدقي بصفته نائب الحاكم العسكري العام في ٢٠ أكتوبر الجاري أمرًا عسكريًا يتم بموجبه منع شركات تلقي الأموال من التصرف في ممتلكاتها سواء المنقولة أو الأصول الثابتة أو المساهمات أو الأوراق المالية المملوكة للمنشأة أو لأشخاص أصحابها أو للشركاء فيها إلا بموافقة رئيس الهيئة العامة لسوق المال. وفي أعقاب الأمر العسكري وجه الرئيس مبارك تحذيرًا شديد اللهجة إلى شركات تلقي الأموال من أي محاولة للإضرار بحقوق المودعين جاء ذلك في تصريح الجريدة الأهرام الرسمية وتضمن التحذير تأكيد الدولة على منع خيانة الأمانة ورد أموال المودعين إليهم دون المساس بها من قبل شركات توظيف الأموال. وكان وزير الداخلية المصري زكي بدر قد صرح في وقت سابق من هذا الشهر بأن أصحاب شركات توظيف الأموال ما هم إلا حفنة نصابين وأن على المودعين فيها أن يطلبوا العوض من الله في ودائعهم. ما كان لهذه التصريحات المتزامنة لتشغل القدر الذي أحدثته في أوساط المودعين وشركات التوظيف والعاملين في مجال النشاط الاقتصادي المصري لو أنها اتسمت بالصياغة القانونية والتحديد في المسؤولية على الرغم من أنها صدرت عن القيادة المصرية العليا... فمن المعلوم من معالجة إشکالات الشركات المالية أو المؤسسات الاقتصادية عامة أن يخضع لمحاسبة الشركة التي خرقت النظم المالية المتبعة والتعميم في هذا النطاق بعد إيذانًا بإحداث بلبلة اقتصادية وهز لثقة العملاء في المنشآت المشابهة... واضح أن التعامل مع شركات توظيف الأموال هو تعامل خاص لا يخضع للأعراف الاقتصادية القانونية بقدر خضوعه للغة الإثارة الصحفية ففي شركات توظيف الأموال خصوصية تخرج بها عن التقاليد والنظم المحاسبية وإلا فما معنى أن تضام جملة الشركات لحساب قلة فشلت في إنجاز مشاريعها وفقًا لما التزمت به تجاه المودعين؟! خاصة أن المقصود بالأمر العسكري هي مجموعة شركات الريان فقط وأصحابها. فما هي الحاجة إلى التعميم إن لم يكن هناك أمر مبيت؟

التوظيف:

جاءت شركات توظيف الأموال في أعقاب نشاط اقتصادي مركزي التوجيه ضاقت أوعيته الائتمانية من استيعاب مدخرات الشعب المصري المقيم منهم والمهاجر وقد سعدت الدولة في البداية بنجاح الشركات في جذب الوفورات والمدخرات المالية للمغتربين المصريين غير أن هذه السعادة نقصت من خلال النهج الذي اتبعته هذه الشركات. اعتمدت شركات توظيف الأموال نظم المضاربة الشرعية كنهج أساسي في عملياتها التجارية وروجت بالتالي للنظام اللا ربوي في النشاط الاقتصادي وهنا تكمن عدة إشكالات خاصة بعد أن حققت شركات توظيف الأموال نجاحًا منقطع النظير وبلغة محاسبية بسيطة استطاعت هذه الشركات من جذب ما يقارب ٢٥ -٣٠٪ من النشاط المصرفي في مصر وفي عمر لم يتجاوز عدة سنوات وبذلك ظهرت طبقة المتضررين من نشاطها الاقتصادي وعلى رأس أولئك المتضررين يأتي الجهاز المصرفي الذي وجد نفسه محاصرًا من عدة جهات فالشركات أحدثت قناعة شعبية واسعة ضد الأساس الاقتصادي الذي ترتكز عليه عمليات النشاط المصرفي بتجريم نظام الفوائد الربوي وبذلك اتجه كثير من عملاء البنوك إلى سحب مدخراتهم وإيداعها إلى شركات توظيف الأموال ومن جانب آخر وجد الجهاز المصرفي أن قدرة شركات توظيف الأموال أضخم بكثير مما يمتلك في عدة مجالات فالسيولة الكبيرة المتوفرة لتلك الشركات تجعلها مرنة في نشاطها وأقدر في تحديد الأنشطة والعمليات التي تطرق مجالها ويوفر هذا بدوره أرباحًا واسعة وبالتالي يجني العملاء أنصبة عالية من الأرباح مما ولد مزيدًا من الدعاية والثقة لدى شركات التوظيف، وساعد على مرونة العمل لدى شركات توظيف الأموال أن القانون المصري ليس له هيمنة مباشرة على نشاطها الاقتصادي مما دفع بالدولة إلى استحداث قانون خاص لتسوية أوضاعها.

 الشركات والاشتراكية:

لم تكن البنوك المتضرر الوحيد من توسع نشاط شركات توظيف الأموال بل هناك طبقة وإن كانت محدودة جدًا داخل التركيبة السكانية إلا أنها واسعة النفوذ في التأثير على تشكيل القرار السياسي وهي طبقة المنتفعين التي صيغ بها نشاط القطاع العام وريث التأميم والمصادرات وهذه الطبقة تلتقي مصالحها مع جمهرة الإعلاميين اليساريين ومن هنا نشأت حملات صحفية واسعة عن طريق التحالف المصلحي بين عواجيز اليسار المصري وأثرياء الاشتراكية فاليساريون لهم عدة مآرب في إشعال الحرب ضد هذه الشركات منها أهداف اقتصادية وسياسية وإعلامية ومن الناحية الاقتصادية ظل دعاة اليسار المصري يرددون منذ الخمسينيات بأن الاشتراكية هي الوحيدة القادرة على تحقيق رفاه الطبقات العاملة وصغار المدخرين والمستثمرين وجاءت شركات توظيف الأموال لتبدد تلك القالة وتجتذب لها أعدادًا ضخمة من المواطنين ومن الناحية السياسية يجد اليسار المصري أن النشاط الاقتصادي وفقًا للشريعة الإسلامية يعني ازدهار العمل الإسلامي وامتلاك هذا النشاط يزيد من القدرة الحركية للفكر الإسلامي وينتج عن ذلك انحسار الفكر الاشتراكي اليساري بالضرورة وهنا تكمن خطورة النشاط الاقتصادي لشركات توظيف الأموال وكان الهجوم قاسيًا على الشركات وبالرغم من كل أقاويل التشكيك وإثارة الافتراءات على الشركات وأصحابها إلا أن ثقة المودعين ظلت ثابتة بل إن الاستجابة إلى دعاوى اليسار كانت عكسية فقد ازدهرت الدعاية المضادة تيئيسًا للناس من تجربة اليسار التي خاضوا غمارها ولم يروا فيها إلا مزيدًا من هذا الإفقار ويلاحظ هذا في الهجوم الذي شنته روز اليوسف وصباح الخير.

 الحكومة والشركات:

أرادت الحكومة المصرية أن يتسم تعاملها الحذر مع شركات توظيف الأموال في أطر الفائدة مع تحجيم أوضاع الشركات وبناء عليه جاء قانون «توفيق الأوضاع» مقلمًا لنفوذ الشركات المالي ومحددًا لنوعية النشاط الممارس وكان يمكن لأجهزة الدولة المختلفة أن تحتوي نشاط الشركات من خلال القوانين المنظمة للنشاط الاقتصادي العام غير أن إتباع الشركات للنظام الإسلامي في المضاربة الشرعية ولو كان بعض الشركات أخذت من ذلك الجانب الدعائي فقط إلا أن هذا المسلك جعل أجهزة الدولة تنظر لهذه الشركات بكثير من الريبة ساعد في ذلك القيمة الإعلامية التي أحدثتها الصحافة الغربية وأجهزة الإعلام الغربي والاستعداء المبيت ضد هذه الشركات وتصوير أن الاقتصادي المصري سقط في أيدي الأصوليين والمتطرفين المسلمين جعل أجهزة الحكومة في موقف أكثر إحراجًا خاصة وأن صندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات المالية كانت تبدي بعض الملاحظات بشأن النمو المطرد للنشاط غير المصرفي -شركات التوظيف- وأثره في تبديد المدخرات المصرية ولهذا رأت أجهزة الدولة بأن هذه الشركات تمثل ما يلي:

۱- تسعى إلى تقويض النظام المصرفي باتباعها لنظام المشاركة والمضاربة الشرعية وقد وجد ذلك تجاوبًا جماهيريًا مما أدى إلى سحب كثير من المدخرات من البنوك.

۲- ازدياد المدخرات في يد الشركات يعني قيام مؤسسة اقتصادية ضخمة يصعب الهيمنة عليها وربما تصبح ذات نفوذ مؤثر في صناعة القرار السياسي في المستقبل.

٣- اجتذاب الأموال اعتمادًا للنظام الإسلامي يعني تمدد الصحوة الإسلامية وخروجها من إطار القول إلى الفعل.

٤- الإحراج الذي يسببه النشاط الاقتصادي لهذه الشركات من قبل الغرب الرأسمالي والذي يرى فيها منافسًا ومدمرًا في الوقت نفسه لنظمه الاقتصادية.

 الشركات والمشروع الإسلامي:

يتراوح عدد الشركات التي تعمل لتوظيف الأموال أكثر من ۲۰۰ شركة يتجاوز ودائع ٦ منها المليار دولار «الريان، السعد، هدى مصر، الشريف...» وهذه الشركات لم يتجاوز بعد عمرها العملي ١٠ سنوات فهي حديثة باللغة الاقتصادية وقد اعتمدت نهج المضاربة الشرعية في أكثر عملياتها وبذلك ضمنت رواجًا جماهيريًا واسعًا وكسبت ثقة الإنسان المصري المسلم الذي ظل ردحًا من الزمان يبحث عن أوعية شرعية يمارس نشاطه الادخاري من خلالها بعد أن أقلقته النظم الغربية الربوية في البنوك وشركات المساهمة وبذلك دللت شركات توظيف الأموال أن العمل الاقتصادي المتصل بالعقيدة أوفر حظًا عند الجماهير من غيره مهما كان ذلك الغير في هيمنته وعراقة نظمه وأسبقيته في الساحة الاقتصادية ودللت كذلك على أن الأنظمة الاقتصادية السائدة الآن في العالم الإسلامي هي أنظمة هشة في تكوينها الجماهيري وأنها لا تحمل ثقة الشعب إلا لأنها الوحيدة المطروحة في الساحة ولهذا ما إن يجد المسلم البديل ولو لم يكن في حجم المؤسسات الاقتصادية فإنه يقبل عليه بشغف وثقة وحتى في ظلال حملات إعلامية مكثفة وعدم رضا من السلطة الحاكمة كما حدث تمامًا الشركات توظيف الأموال.

وبالرغم من هذه الدلالات إلا أن الموضوعية تدفعنا إلى تقدير وتكييف أوضاع شركات توظيف الأموال حتى يميز الصالح والطالح فيها.

 أخطاء منهجية وسلوكية:

كان في الإمكان ترشيد العمل الاقتصادي في شركات توظيف الأموال حتى تصبح نموذجًا رائدًا ويأتي هذا من خلال اتباع أساليب إدارية واقتصادية أكثر علمية فالوضع القائم على أن تبقى شركات توظيف الأموال شركات أشخاص تتقبل الودائع حرم هذه الشركات من مبدأ المشاركة الإسهامية في إدارة وتوسيع النشاط الاقتصادي ويتضح هذا في أن ما تملكه الريان من مدخرات يبلغ ٢ مليار دولار في حين أنها لا توظف فعليًا أكثر من ۲۰۰ مليون أي ۱۰% من أصولها المالية وفي ذات الوقت سقطت أكثر أنشطة تلك الشركات في أدواء الإشكالات الاقتصادية المصرية السائدة وذهبت في ذلك مذاهب المؤسسات الاستهلاكية التي تسعى للربح فقط دون نظر لنوعية النشاط الذي تمارسه. وهذا يعد مخالفًا لنهج ومقاصد الشريعة الإسلامية التي تجعل من المال وظيفة اجتماعية تؤدي دورها وفقًا للصالح العام وهذا مما جانبت فيه الشركات كثيرًا من الصواب ففي دولة مثل مصر كان لا بد أن تكون المشاريع الإنشائية ذات العائد الاقتصادي هي في مقدمة سلم الأولويات وليس المطلوب هو ترقية الخدمات وتوسيع الاستهلاك في دائرة الاستيراد والتجارة الخارجية وبالطبع كان الأمر يبدو أجمل وألصق بمبادئ ومقاصد الشرع لو أن هناك تخطيطًا نسبيًا يوفر إنشاء مشروعات إنتاجية قصيرة الأجل وطويلة ومتوسطة الأجل كما أن هناك نشاطًا عقاريًا معتدلًا وآخر تجاريًا وتوزع النسب على هذه الأنشطة وفقًا لأولويات التنمية والصالح العام. وفي جانب السلوك فإن هناك عدة مواقف لا تنسجم والنهج الإسلامي فإن تعيين المتنفذين من كبار رجال السلطة السابقين من وزراء ومحافظين قد يدر كثيرًا من أموال بعض الشركات «الريان» كما أن اعتماد إسكات الصوت المعارض بشراء صفحات إعلانية هو نهج سلوكي غير سوي «۳۰۰ ألف جنيه لإصدار ملحق عن الريان»، وفي هذا تعد شركة الريان نموذجًا غير موفق في احتواء مشاكلها ومعالجة كثير مما يعتري نشاطها من عقبات.

 دعوة للاستمرارية:

على الرغم من الجو العدائي الذي فرضته أجهزة الإعلام الرسمية وبالرغم من التصريحات المعادية التي أصدرتها أجهزة الدولة إلا أن نشاط الشركات سيظل متماسكًا إذا تجاوزت هذه الشركات الأخطاء التي أودت بشركة الريان إلى الوضع الذي منعت بسببه من التصرف في أصولها المالية فالشركات الكبرى منها على وجه الخصوص يجب أن تعتمد منهجًا اقتصاديًا علميًا يوفر لها القدرة في استيعاب الطاقة الاستثمارية بالقدر المطلوب وأن تجعل معظم نشاطها في تحقيق الصالح العام والمساعدة في تطوير الإنتاج المحلي وفقًا لنشاط تخطيطي يوازن بين السيولة المستمرة والأصول الثابتة والقابلة للتحويل للسيولة وأن تتعمق في استخدام النهج الإسلامي الذي لا يجعل الربح هو المقصد كما ان المودعين لا بُدَّ أن يحدث لهم تطور نوعي يساعد على تنامي الوعي التنموي القومي عندهم. ولا بد أن تسلك طريقًا إداريًا أكثر حضارة وأقوى في تثبيت الثقة لدى المودعين ويتجسد ذلك في مجالس تخطيط ومجلس إدارة ومجلس متابعة وما إلى ذلك من إشراك للقوى الإدارية من ذوي الخبرة وتوفير عمالة مجرية بالتالي في المجالات الاقتصادية المصرية.

والاستمرار رهين بأن تقوم جسور الثقة بين الفئات الثلاث الشركات والحكومة والمودعين وإذا اختلت أيًا من قوى التوازن فإن العملية الاقتصادية تفقد عنصر الاستمرارية فهل تؤدي الفئات الثلاث أدوارها في موضوعية وعلمية حتى يجني المجتمع المصري الثمار لصالحه العام.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2101

2171

الثلاثاء 01-نوفمبر-2016

الهندسة المالية الإسلامية

نشر في العدد 337

174

الثلاثاء 15-فبراير-1977

قبس من نور (337)