العنوان مصابنا بفقدك فادحّ يا أبا زاهد .. الشيخ أبو غدة....إشراقة العقل وصفاء الروح
الكاتب الدكتور محمد علي الهاشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1997
مشاهدات 96
نشر في العدد 1241
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 11-مارس-1997
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمرُ فليس لعين لم يق ماؤها عُدْرُ
أجل.. إنه الخطب الجلل، والمصيبة الفادحة، والرزء الكبير، أن نفقد فضيلة العلامة الجليل الشيخ عبد الفتاح أبو غدة. لقد عرفته منذ نحو خمسين سنة، كانت العلاقة بيننا فيها علاقة أخوة وقرابة مصاهرة، فلم أجد خلال هذه المدة الطويلة منه إلا المودة والبر والوفاء والمروءة والنبل والإيثار والصدق والصفاء والتسامح وكرم النفس وحسن الخلق.
كم تهيبت - علم الله . أن أقف هذا الموقف العصيب، لأقول كلمات في رثاء أحب حبيب!
لقد بكتك أيها الفقيد الغالي القلوب قبل العيون؛ لأنها فقدت بموتك العالم الثبت المحقق الصدوق، الذي عرف شرف العلم، فوهب له نفسه ووقته وماله، وأدرك أثره الكبير في تعميق الثقافة الإسلامية لدى أجيال المسلمين الصاعدة في العالم الإسلامي، فعكف على التأليف والتحقيق، وخلف أكثر من خمسين كتابًا في شتَّى جوانب العلوم الإسلامية، وترك نحوًا من ثلاثين كتابًا تحت الإعداد، عاجلته المنية عن إنجازها وتقديمها للطبع، ومن هنا كانت المصيبة في فقدك عامة شاملة لم تقتصر على أهلك وذويك وتلامذتك وأصدقائك ومحبيك، بل كانت مصيبة الأمة الإسلامية بفقد عالم كبير من أكبر علمائها، أمضى حياته في العطاء الثر الغرير في شتى جوانب العلوم الإسلامية والعربية من حديث وفقه وأصول ولغة وأدب وتاريخ، ولقد أدرك عارفوك سعة علمك وعمقه وتنوعه، فكان وقع وفاتك في نفوسهم موجعًا أليما. وجفت له القلوب، وانهمرت له الدموع.
وبكتك القلوب والعيون أيضًا، لأنها فقدت بوفاتك المربي الحكيم اللبق المؤثر الذي يطابق قوله فعله لا يتتبع الرخص ولا يهرب من التكاليف، بل يأخذ بالعزيمة في معظم أموره، ويقف دومًا عند قال الله وقال الرسول، ويتحرى الصدق مع الله فيما يقول وفيما يفعل، ويجعل من حياته وسلوكه ترجمة حية لأخلاق الإسلام وقيمِه ومفاهيمِه، وهذا ما فتح لك القلوب، وجعل أجيالاً من الشباب تقبل على كتبك وجلساتك ومحاضراتك، تعبُّ من هدي توجيهك السديد. وتتأسى بخلقك ومسلكك الحميد.
وبكتك القلوب والعيون؛ لأنها فقدت بغيابك القائد الداعية، الذي لم يصرفه العلم ولا التربية عن الدعوة إلى الله، والعمل على نصرة دينه والتمكين له في الأرض، والاهتمام بأمر المسلمين، واضعًا نصب عينيه «من أصبح ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» متصديًا لدعوات التغريب والهدم التي ابتليت بها الأمة الإسلامية في كثير من أوطانها. داعيًا إلى تطبيق المنهج الرباني الحكيم الذي أخرج الله به هذه الأمة إخراجًا جديدًا، وجعلها خير أمة أخرجت للناس، وهذا ما جعل الدعاة في مشارق الأرض ومغاربها يحزنون لوفاتك، ويبكونك بأحرى الدموع.
وبكتك العيون والقلوب، إذ فقدت بفقدك الإنسان المسلم الذي جعل من نظام حياته اليومي. ومن مسلكه المعاشي البيتي، ومن سيرته وعشرته للناس نموذجًا لشخصية المسلم الواعي المرهف الحصيف، الذي يتأدب بأدب الإسلام، ويتخلق بأخلاقه الحسان، ويتحلى بذوقه المرهف العالي في خلوته وجلوته، ومظهره ومخبره، وفي تعامله مع الناس سواء أكانوا من أهله الأقربين، أم من أصدقائه أو معارفه الأبعدين.
ففي ذمة الله أيها الأخ الحبيب، وإذا كان فقدك الفادح قد أحدث جراحًا في قلوبنا لا تندمل. فعزاؤنا أنك أقبلت على كريم عادل لا يضيع عمل عامل، بل يوفي العاملين الصادقين أجورهم بغير حساب، ويبوئهم من الجنة غرفًا تجري من تحتها الأنهار. إن العين لتدمع، وإن القلب ليخشع، وإنا على فراقك يا أبا زاهد لمحزنون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا عز وجل، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
الشيخ أبو غدة.....إشراقة العقل وصفاء الروح
بقلم: قيس بن محمد آل الشيخ مبارك
صباح يوم الأحد ١٦ فبراير نعي إلى العالم الإسلامي وفاة علم من أعلامه البارزين وأستاذ من أساتذته المحققين. علمٌ أتاه الله علمًا شريفًا وإسنادًا منيفًا وتحقيقًا بديعًا. إنه الشيخ عبد الفتاح بن محمد أبو غدة. إنَّه وجه كريم نقش على لوحة تاريخ الإسلام إذا رأيته رأيت جمالًا ظاهرًا، وإذا عالمته وجدت بحرًا زاخرًا، ولو رآه ابن الرومي لما قال:
إذا ما مدحت امرأً عـــائبًا فلا تغل في مدحه واقــــصد
فإنك أن تغل تغل الظنـــون ن فيه إلى الأمـــد الأبعـــــد
فيصغر من حيث عظــمته لفضل المغيب عن المشهد
رجل علا بنفسه عن سفساف الحياة الدنيا، وعلا بالعلم الذي بين جنبيه عن سوق التسول والاتجار فلم يبغ به علوًا في الأرض ولا فسادًا بل شأنه أن يصلح ما أفسد الناس
كان رضي الله عنه متبعًا لسيرة من مضى، فكان على نهج الأئمة المتقدمين المبدعين المجددين لدين الله الذين ينفون عنه تحريف الغالي وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. وكان رحمه الله بهي الطلعة، عذب الروح حلو الشمائل مع صفاء في الرؤية وجودة في الذهن، وحضور في البداهة.
إن الظاهرة العجيبة في حياته رضي الله عنه هي إشراق العقل والفكر وصفاء القلب والروح، وقد زانه رضي الله عنه تحققه بثلاثة معان؛ فقد كان في العلم مثالاً بارزاً تكلم فيما دقَّ من مسائل علمية، فحقق فيها وأبدع، وعالج جملة من المسائل، وحرر محل النزاع فيها . وكان في العمل مثال الداعية إلى الله، عرفته مراكز الدعوة الإسلامية ففقدت بفقده داعيًا ومعلمًا ومرشدًا.
وكان علمه وعمله مكسوين بحلية التقوى «ولباس التقوى ذلك خير»، فكان هديه من هدي الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم.
إن التكامل في حياة العالم هو المرتبة التي لا تجعل بين العالم وبين النبوة إلا مرتبة الوحي، ولم يكن العلماء ورثة الأنبياء إلا بهذا المعنى، فهذا التكامل يجعل من صاحبه مدرسة تبلغ العالم رسالتها . فالمدرسة ليست تلكم المواضع المعمرة بالمقاعد والوسائل التعليمية - فحسب، بل إنها ذلك الموضع الذي تزكو فيه النفوس، وتتطهر من رعوناتها وشهواتها، فتتحقق بالمثل والقيم التي فطر الله الإنسان عليها وحمله على الانضباط بها، ولم يكن هدي الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ إلا مدرسة بلغت العالم رسالة حضارة، رحم الله فقيدنا وجبر مصابنا، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا .