; مطلوب رأس المقاومة ولكن بدون ثمن! | مجلة المجتمع

العنوان مطلوب رأس المقاومة ولكن بدون ثمن!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2002

مشاهدات 56

نشر في العدد 1502

نشر في الصفحة 49

السبت 01-يونيو-2002

لا يتصور إنسان عاقل في هذه الحياة أن هناك شعبًا محتلًا يذوق أهله من الاحتلال صنوف العذاب والهوان، فتنبري له فئة من أبنائه البررة تحمل أرواحها على أكفها وتترك أولادها وأموالها خلف ظهورها مجاهدة لهذا المحتل، مدافعة عن أرضها وعرضها، فيأتي من يجرمها أو يحاكمها أو يتأمر عليها أو يحاول أن يسلم رأسها للمحتل السفاح، خاصة إذا كان هذا المتآمر من بني جلدتها ومن شعبها المحتل لا يتصور هذا إلا إذا كان ذلك المسلم للمقاومة عميلًا أو خائنًا أو عدوًا.

المجاهد يا عباد الله لا يريد حكمًا ولا منصبًا ولا مالًا، وإنما يريد الشهادة دفاعًا عن مقدسات المسلمين، وعن عزة بلاده وثرى وطنه وحرية دياره المجاهد يا عباد الله لا يريد إلا رضاء الله والجنة، ولا يبغي إلا النصر على أعداء الأمة، ورد الهجمة البربرية الهمجية عن ديار المسلمين، وعن الأطفال الرضع، والشيوخ الركع والقواعد من النساء.

هل يكون جزاء هذا المجاهد البطل الذي يقف أمام أخس دولة وأعتى سلاح خاوي البطن عاري الصدر، مهدم البيت فاقد الزوجة والولد يكون جزاؤه أن يطارد ويوصف بالإرهاب وتفتح له السجون والمعتقلات، ويسلم لعدوه الذي لا يرعى له حرمة ولا دماً، ولا لأهله كرامة، ولا لأطفاله رحمة، رضي هذا الشعب ما هو فيه، وقبل تجاوزات السلطة التي دلت على عورته وقتلت قادته وسجنت كوادره وأرشدت عن سلاحه وخططه، ومواطنه وطاردت مع العدو شبابه الناهض، وزرعه الباسق، وأحكمت الطوق على رقبته، والقيد في قدميه ويديه باتفاقات أمنية أحصت عليه حتى أنفاسه، وانطلق عملاء الاحتلال تحت أعين السلطة وأنظارها يرشدون طائرات الأباتشي الصهيونية عن خطوات أي مجاهد لتمطره بالصواريخ وتصطاده بالرواجم التي تفتت الأجساد وتطير الأشلاء هنا وهناك، والسلطة تبارك هذًا وتعرف ذلك بشرطتها ولا تبدي حراجًا أو استياء، أو تصدر حتى بيانًا لأن ذلك من الخطوط الحمر، والعملاء في حماية الاحتلال على أرض السلطة وفي أروقة وأزقة القرى والبلدات في زهو وفخر وأمان كل ذلك والمجاهد الصبور المكافح الجسور يجالد المصاعب تلو المصاعب والمتاعب بعد المتاعب من حصار الاحتلال، ومن عملاء الاحتلال والسلطة، ومن الأحزمة الأمنية والتكنولوجيا العصرية، ويتسلل هنا وهناك ليرعب المحتل ويزرع الرعب في صفوفه والخراب في دياره، والكساد في اقتصاده والهلع في جنوده، والحيرة في ساسته والهزيمة النفسية في شعبه، وينزع الأمن والأمان من دياره جزاءً وفاقًا.

رضي هذا الشعب بما هو فيه واعتبر أن هذا قدره الذي فرض عليه ونصيبه الذي قسم له، وقابل الصمت العربي بالصبر والألم، وقابل الخنوع للسلطات بالحسرة والندامة وبصمت أقوى في الاعتماد على النفس والتسامح والتحمل للمصاب الجلل في الوطن العربي والأمة التي انهدت وماتت، ثم هتف داخله:

وإخوانٍ حسبتهمو دروعًا *** فكانوها ولكن للأعادي

وخلتهمو سهامًا صائبات *** فكانوها ولكن في فؤادي

وقالوا قد صفت منا قلوب *** لقد صدقوا ولكن عن ودادي

وكان أدب الأبطال أدبًا جل عن الوصف، وخلق تعدى كل توقع، فما سمعت منهم كلمة نابية، أو لفظة جارحة، أو فعل شائن، وإنما كان ذلك كله من العدو الصهيوني الذي يحتقر ويتوعد ويسب ويلعن ويطلب ما يطلب مما يعلم به الجميع من المساعدة على ذبح الشعب الفلسطيني وتجريم كفاحه وجهاده فيجاب ويجاب ويهرول من يهرول، ويسعى حبوًا من يسعى إرضاء للمحبوب، ولينهد من ينهد من المجاهدين، وليذهب إلى الجحيم من يذهب من أهل فلسطين، أليس هذا وحده حمل تندك لها الرواسي و تنوء به الجبال الشم:

ولو أن مآبي بالجبال لهدها *** وبالنار أطفأها وبالماء لم يجر

وبالناس لم يحيوا وبالدهر لم يكن***وبالشمس لم تطلع وبالنجم لم يسر

رضي المجاهدون بما لا تتحمله أي أمة، أو يطيقه أي فصيل، أو يصبر عليه أي حر، فهل يرضى الآخرون من بني جلدتنا أن يتركوه وشانه، وأن يدعوه لما هو فيه من كرب عظيم، ومحنة ليلاء إذا أخرج أحدهم يده لم يكد يراها؟ أيرضى الآخرون أن يتركوه في محنته بغير أن يخلعوا عليه خلعة الإرهاب وعلى شارون خلعة السلام، أيرضى الآخرون أن يتركوا الظلم الذي سیسلمون به رأس المقاومة إلى الاحتلال وإلى أمريكا التي تحارب الإرهاب بما يوافق هواها؟ أيرضى الآخرون ألا يحرقوا دماء الأبرياء بدم بارد وأكباد غلاظ ولكن:

إذا ظالم استحسن الظلم مذهبًا *** ولج عتوا في قبيح اكتسابه

فكله إلى ريب الزمان فإنه *** سيبدي له مالم يكن في حسابه

فكم قد رأينا ظالمًا متجبرًا *** يرى النجم تيهًا تحت ظل ركابه

فلما تمادى واستطال بظلمه *** أناخت صروف الحادثات ببابه

وعوقب بالظلم الذي كان يقتفي ***وصب عليه الله سوط عذابه

فيا أهل السياسة إذا جرمتم المقاومة وأسلمتم رأسها، ما الورقة التي يمكن أن تفاوضوا عليها شارون الذي لا عهد له ولا ميثاق، ثم ماذا تقولون للشعوب العربية التي تعرف أن المقاومة الباسلة هي الشرف العربي، وهي الأمل الذي تتعلق به الأمة بعد الخنوع والذلة؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1318

الثلاثاء 17-مارس-1970

كلمة حق