; معالم المنهج التربوي لجيلنا الجديد.. | مجلة المجتمع

العنوان معالم المنهج التربوي لجيلنا الجديد..

الكاتب محمد عبدالحميد أحمد

تاريخ النشر الثلاثاء 07-مارس-1978

مشاهدات 105

نشر في العدد 389

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 07-مارس-1978

  موضوع تربية الجيل من أهم الموضوعات التي شغلت أولي الأمر من الآباء والحكام في كل عصر، وتناولته كتب كثيرة وآراء مختلفة، وألقيت حوله المحاضرات العديدة، ولكل أمة منهجها وأساليبها النابعة من تاريخها وبيئتها، وذلك لأهمية التربية في توجيه الأمم إلى ما ترمي إليه من غايات وأهداف، وسنتناول في كلمتنا هذه عدة نقاط: معنى التربية، وميادين التربية، وأساليب التربية ومناهجها، وغاية التربية.

 معنى التربية: عرف رجال التربية وعلم النفس التربية تعريفات كثيرة، أهمها التربية إعداد الفرد للحياة، ولكل أمة وسائلها في هذا الإعداد، ولكل أمة فهمها الخاص للحياة.

 والتربية تختلف عن التعليم كما تختلف الثقافة عنه، فالتربية عملية فيها التدريب والتوجيه والإعداد، وأما التعليم فهو تلقي المعلومات في الذهن وتفهمها، والتربية تعتمد على التعليم، لأنها التطبيق العملي للنظريات العلمية، وأما الثقافة فهي الإلمام العام بالتراث الحضاري من علوم وفنون وآداب وتقاليد كل أمة.. وعلى ذلك فليس كل متعلم مثقفًا، وليس كل متعلم مربيًا، وما من مجتمع بشري في القديم ولا الحديث، إلا له فلسفة في تربية أفراده على نظام من النظم، وهدف من الأهداف، بل في المجتمعات غير البشرية كالنحل والطير، نراها تنتهج أسلوبًا ونظامًا تخضع له حياتها ومعيشتها بطريق الإلهام ﴿وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا﴾ (النحل: 68)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ﴾ (الأنعام: 38).

 والمجتمع الغربي في أوروبا وأمريكا يربي أفراده على نهجه الخاص في المدارس والجامعات، ويستخدم في سبيل ذلك وسائل الإعلام جميعًا من إذاعة ومسرح وصحافة، ونواد وأناشيد ونشرات ومعسكرات، والمجتمع الشيوعي يعمل كذلك على طبع أفراده بطابع النظام الشيوعي عقيدتهم المادية، وأخلاقهم وسلوكهم وأسلوبهم في التفكير.

 وفي العصور الغابرة نجد للفرس واليونان فلسفتهم في التربية، وتختلف كل أمة عن الأخرى حسب المثل الأعلى الذي ترمي إليه كل دولة، وتسلك في ذلك الوسائل التي تراها.

 ميادين التربية: والتربية تتناول ثلاثة فروع: البدنية والعقلية والنفسية.

 وعلى المربي أن ينظر إلى الفرد الذي يربيه على هذا الأساس، فلا يغلو في جانب دون بقية الجوانب كي يحقق الغاية من التربية، فلا بد من تنمية هذه العناصر جميعًا، التي تعد مقومات الشخصية الإنسانية في كل إنسان، وقد أغفلت بعض الأمم هذه العناصر، وركزت اهتمامها بالبعض الآخر، ولذلك أثره لا شك في نقص التربيه وضعف الشخصية أو طغيانها.

 ومن طريف ما سمعت من الفرق بين أسلوب التربية في الجيل الماضي والحاضر، حين سألت أستاذًا مخضرمًا من رجال التعليم عن رأيه في أسلوب التربية قديمًا وحديثًا حسب خبرته، أجاب: في التربية القديمة كان للمعلم قداسة الوالد ورهبته، فكان يضرب الطالب إذا أخطأ، ولا يعاب ولو قسا في ضربه، وأما اليوم فقد طغت الحريه طغيانًا يدفع بالطالب إلى أن يضرب أستاذه.

 ومن الفكاهات التي سمعتها في هذا الموضوع، أن ابنًا ضرب أباه، فلما سئل كيف جرؤت على هذا المسلك المعيب، فما كان جوابه إلا أن قال: لقد بدأ أبي بالضرب.

 وهذه فلسفة مقلوبة لم نستوحها من منهج الإسلام التربوي، بل من منهج أمريكا وفلسفة جون ديوي وأمثاله...

 وسائل التربية: من وسائل التربية: المدارس والجامعات والصحافة والإذاعة، والأندية والكتب، والنشرات والسينما والتلفزيون... إلخ.

 غاية التربية: ولكل تربية غاية ترمي إليها، فغاية التربية الإنجليزية مثلًا هي تكوين المواطن الإنجليزي الكامل في تقديسه وطنه ولغته وتقاليده، وسيادة عنصره على جميع العناصر، وكذا الألماني والفرنسي كل منهما ينزع هذا المنزع، ويرمي إلى إعداد المواطن الكامل لهذه الشعوب.

 وننتقل إلى أمتنا العربية والإسلامية، نحن أمة لنا حضارتنا وفلسفتنا وكتابنا الخالد المتميز، يتمثل في ذلكم الدستور الإلهي العظيم، ألا وهو القرآن الكريم الذي جمع الأصول الكبرى في العقائد والعبادات، كما جمع مبادئ الأخلاق والسلوك وتاريخ الأمم والشعوب، وأصول القوانين والتشريع وفلسفة الاقتصاد والسياسة، ونظام الاجتماع والعمران، وعوامل النصر والهزيمة في الدول والشعوب، وقواعد التربية والإصلاح في الأفراد والأسر والجماعات.

 وقد طبق نظام التربية الإسلامية في المجتمع الإسلامي الأول، وهو الرعيل الأول في عصر الرسول -عليه الصلاة والسلام- وصدر الإسلام على هدى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة التي هي المادة التفسيرية للقرآن الكريم.

 وكان الرسول -عليه الصلاة والسلام- هو المربي الأول لهذا الجيل، الذي نشأ أميًا لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان، فأخرج بمنهجه التربوي المثالي، الجامع لمطالب الجسم والعقل والنفس- خير أمة أخرجت للناس، ضمنت خيرة العلماء والأمراء، والفقهاء والأدباء، وأبطال الفتوح وأساطين الآراء والأفكار.. أخرجت الحضارة الإسلامية للناس من الحكام أمثال: أبي بكر وعمر، وكان عصرهما عصر الأخلاق النبوية الذهبي في التاريخ الإنساني العام.. ومن الأمراء والقادة أمثال: أبي عبيدة الجراح، وعتبة بن غزوان، الذين حققوا للبشرية أحلامها في العدل والحياة الطيبة للمسلمين، ومن عاش في ظلهم من الذميين.. وأمثال: عبد الله بن عباس، وابن مسعود، ممن أتاهم الله فقهًا في الدين وسعة في الفكر، وبسطة في التدبر والبصيرة.. وأمثال: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، ممن فتحوا الأقطار وحرروا الشعوب من الطوغيت والطغاة.

 وكان الفضل في نجاح هذه التربية وإخراج هذه المدرسة المثالية هذه العوامل:

العامل الأول: حيوية القواعد التربوية التي دعا إليها القرآن الكريم: ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ﴾ (الإسراء: 9)، ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ﴾ (الأنعام:153).

 فهي مبادئ تعالج النفس الإنسانية بالدواء الذي شخصه من يعلم السر في السماوات والأرض، ويعلم طبيعة هذه النفوس وما يصلحها وما يفسدها، وما يزكيها وما يدرسها.

 وأذكر بهذه المناسبة قصة أحد الزملاء في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية سنة 1938، وهو يحدثني عن إحدى المحاضرات التي ألقاها طالب بهذا القسم، ولعله فيما أرجح الدكتور -لويس عوض- موضوع المحاضرة فيما أذكر «الأديان في ميزان الفكر»، وكان الحديث يتضمن أن لكل عصر تقاليده وتفكيره، وهذه التقاليد والأفكار تتطور بتطور العصور والأجيال، وأن الأديان التي فرضت على الناس قواعد ونظمًا ومناسك تعبدية، وطالبتهم بأداء هذه القواعد والفرائض، لا يمكن أن يستجيب لها المثقفون من الناس، ولا تكون في مصلحتهم، لأن هذه القواعد إنما تصلح للعصر الذي جاءت فيه، ولهذا فهي لا تصلح للعصر الحديث.

 وللأسف لم يجد هذا المحاضر المخطط للاستعمار الفكري، من يرد عليه من المستمعين، إلا زميلي الدكتور «أحمد جلال» أستاذ اللغة الإنجليزية في جامعة القاهرة سابقًا، والمنتدب حاليًا في جامعة الرياض.. وعقب عليه أستاذه مستر سكيف تعقيبًا تهكميًّا ساخرًا بقوله: «إنك تحسن التكلم بالإنجليزية».

 وقد تجلى الرد الحاسم والجواب الشافي على هذه النظرة الخاطئة والرأي السقيم في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ﴾ (الروم: 30).. ومعنى هذا أن قواعد الإسلام لا تخضع لتطور الأجيال، لأنها من وحي الله تعالى، ولأنها تعالج الفطرة الإنسانية التي يعلم أسرارها عالم الغيب والشهادة والسر والنجوى، والذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، في النفس ولا في الجسم، فليس في الإسلام قديم ولا حديث في ميدان الأحكام والإصلاح، وإنما هو دين الفطرة الذي يعالج كل نفس في كل عصر، ويعالج النفس الإنسانية في مختلف ألوانها وأجناسها وعصورها، وكل نظام يضعه إنسان في عصر، يهدمه إنسان في عصر آخر.. وكما قال أحد فلاسفة الغرب صاحب كتاب «الإنسان ذلك المجهول» ليست القوانين التي من صنعنا إلا نتاجًا هشًا لعقولنا القاصرة، وأن الإيمان هو الذي يدفع إلى العمل وليس العقل والدين وحده، هو الذي يقدم لنا حلًا لمشكلات البشرية، وقد أمكن الإلهام الديني والوحي الإلهي، والإيمان أن يمنح أسلافنا يقين النفس وأمن الحياة.

 العامل الثاني: في نجاح النظام الإسلامي التربوي شخصية الرسول -عليه الصلاة والسلام- ونهجه المثالي الفذ في التربية والتعليم، ولا عجب فقد امتن الله عليه بقوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا﴾ (النساء: 113) ووصف الرسول -عليه الصلاة والسلام- بقوله: «إنما بعثت معلمًا»، وبقوله: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وكان الرسول -عليه الصلاة والسلام- هو القدوة الكاملة والأسوة الحسنة لأتباعه في كل ما يدعو إليه، ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ﴾.. ولقد وصف نفسه بقوله: «أدبني ربي فأحسن تأديبي»، وكان كما وصفته أم المؤمنين «عائشة» بقولها: «كان خلقه القرآن»، كان يعلم تلاميذه بالعمل قبل القول: «صلوا كما رأيتموني أصلي».

 وبالكلمة دون الخطبة: «لا تغضب»، في وصية لأحد تلاميذه كأنها قرص يغني زجاجة، ويؤدب خصمه العنيد بالعفو دون العقوبة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» في فتح مكة، ويحب أهله فلا يدخله حبه في الباطل: «فاطمة بضعة مني»، ويغضب فلا يخرجه غضبه عن الحق: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»... لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم في من يحب، وقد علم الله أن الحق يضيع بين عاطفتين: عاطفة الحب، وعاطفة البغض، فحذرنا سبحانه وتعالى من الوقوع  تحت سلطانهما، فقال عن عاطفة الحب: ﴿وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ﴾ (الأنعام: 152).. وقال عن البغض: «﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَ‍َٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ﴾ (المائدة: 8).

 العامل الثالث: في نجاح الدعوة الإسلامية نظامًا تربويًا حسن استعداد المجتمع الذي كان يدعوه الرسول -عليه الصلاة السلام- فقد كان مجتمعًا أميًا يفيض بالمشاعر، ويتطلع لمعالي الأمور، ويقتحم الحياة بغير عنان، وعلى الرغم من أنه كان مجتمعًا بعيدًا كل البعد عن الحضارة والثقافة والعمران، فإنه كان مجتمعًا سليم الفطرة مرهف الإحساس، تهزه الكلمة وتحييه الحكمة، وتستفزه النفرة، كان يحيا قبل الإسلام حياة جاهلية قبلية، كلها صراع ونزاع بعضهم لبعض عدو، جيادهم أحب إليهم من أولادهم، وسلاحهم أحب إليهم من لقاحهم.. كانت نفوسهم كالدرة الثمينة المطمورة بين رمال الصحراء، وفي خفايا الكهوف والنجوع.

         وقد استطاع المعلم الكامل والمربي الماهر الباهر، أن يلتقط هذه الدرة الكامنة بوحي الله وأمره، فيمسح عنها الغبار والرمال، ويصنع منها المعالم الحضارية كما وصف الأديب الإسلامي الكبير «مصطفى الرافعي»:

 «من الرجال المصابيح الذين همو                        كأنهم من نجوم حية صنعوا

أخلاقهم نورهم من أي ناحية                               أقبلت تنظر في أخلاقهم سطعوا»

ولم يكن العرب كالشعوب المنحلة من الفرس والرومان، أولئك الذين أفسدتهم الحضارة المادية، وحلهم الترف والشهوات، وحطمت معنوياتهم كيد الطواغيت والطغاة بالذل والاستعباد، فكنت لا ترى إلا سادة وعبيدًا، وذئابًا وأغنامًا، ووحوشًا وفرائس.

معنى التربية في الإسلام:

التربية في الإسلام يراد بها التزكية، أي تطهير النفس وتهذيبها وتدريبها على أعمال البر والإصلاح ﴿كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ﴾ (البقرة: 151)، كما يشير إلى هذا المعنى في قوله تعالى على لسان إبراهيم الخليل -عليه السلام-: ﴿رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ (البقرة: 129).

فالتربية هي إعداد النفس الإنسانية للحياة الإسلامية، أو المنهج الإسلامي الذي يتلخص في كلمتين: الإيمان بالله، والاستقامة على منهج الإسلام.

يتجلى هذا التلخيص الجامع في قول الرسول -عليه الصلاة والسلام- للسائل الذي طلب إليه أن يقول له في الإسلام قولًا لا يسأل فيه بعده أحدًا: «قل آمنت بالله ثم استقم».

 وقد أشار إلى هذه الخلاصة ربعي بن عامر في قوله لرستم «قائد الفرس» حين سأله عن غايته: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى الإسلام».

وهكذا فالإسلام كلمتان: توحيد ووحدة، وعدل وإصلاح.

والتوحيد هو الركن الأساسي الأول والحقيقة الأولى في العقيدة الإسلامية، ومعنى التوحيد: إسلام الوجه لله واتباع منهجه في كل شئون الحياة.

والقرآن الكريم كتاب هداية عملية، لا كتاب فن وعلم نظري، ويدور أسلوبه في التهذيب والتربية على أمرين فطريين، لا يتوقف فهمهما على فلسفة من الفلسفات ولا نظرية من النظريات، ألا وهو مجاهدة النفس بالتخلي عن الشهوات والأهواء، والتحلي بفضيلة التقوى، ولا تكون تحلية إلا بعد تخلية، فالكأس المليء بالطين لا تتحلى بالماء إلا بعد تخليها من الطين، والمنهج الإسلامي التربوي يمتاز عن أي نظام حضاري أو تربوي بخصائص أربع:

                                                    والبقية العدد القادم إن شاء الله.

منهج الرسول -صلى الله عليه وسلم- في تربية الطفولة

 كان الإسلام -دين الله الخالد- أول من كرم ودعا إلى تكريم الطفولة وحمايتها من 

 

الأخطاء التى تهددها، فكلنا نعلم أن العرب قبل الإسلام -كغيرهم من الأمم- كانوا يقتلون

 أطفالهم لعجزهم عن القيام بأودهم وكانوا يئدون البنات بصفة خاصة، فجاء الإسلام

 داعيًا لصيانة أرواح الآطفال ومنع وأد البنات، وضمن حق الطفل في الرضاعة، كما أوصى خيرًا بالطفل ورعايته، وحث على حسن تربيته، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡۚ﴾ (الإسراء: 31)، وقال تعالى: وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُئِلَتۡ بِأَيِّ ذَنۢبٖ قُتِلَتۡ (التكوير: 8 – 9).

ورسولنا محمد -عليه الصلاة والسلام- كان شديد الاهتمام بالطفولة وبرعايتها وتربيتها وتكريمها، قال الصحابي الجليل عبد الله بن الحارث: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصف بني العباس: عبد الله وعبيد الله ويقول: من سبق إلي فله كذا، وعن علي -كرم الله وجهه- أنه قال: «إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان جالسًا في موضع الجنائز، فطلع الحسن والحسين، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلي جالس: ويها حسين خد حسنًا -أي إنه يغري الحسين أن يغلب الحسن، فقلت تؤلب على الحسن وهو أكبرهما يا رسول الله؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: هذا جبريل قائم وهو يقول ويها حسن خذ حسينًا»، وما كان يمنعه الوقار أن يشاركهما في المداعبة والمجاملة، فكثيرًا ما يستدرجهم إلى اللعب: قال أحد الصحابة: دخلت على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يمشي على يديه ورجليه، وعلى ظهره الحسن والحسين وهو يقول: نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما. وهكذا كان دأبه -عليه السلام- مع كل الأطفال الذين تكثر رؤيته لهم، وما كان يفرق بين أقرب الناس إليه وأبعدهم عنه، ولا بين أولاد القرشيين الهاشميين والموالي المملوكين، حتى إذا حاق بأحدهم مكروه، بادره فرفه عنه، وطيب بذلك نفسه وأزال الهم عن قلبه. ومما سبق نعلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكبت رغبة الأطفال ولم يمنعهم من اللعب، بل كان يغريهم ويشجعهم عليه، ويظهر لهم رغبته بذلك، بل لم يكن عليه السلام ليهمل شيئًا مما ينبغي لتكميل مواهب الصغير، وتقوية عواطفه، وتطهير نفسيته، حتى القبلة.. كان يرسمها على وجه الأطفال بل كان يأمر بها وينال ممن يترفع عنها، قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: «قبّل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس جالسًا، فقال الأقرع بن حابس: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال له: وما لي إذا نزع الله الرحمة من قلبك، فمن لايَرحم لا يُرحم».

 يفعل كل ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليعد الصغير أتم إعداد، فيشب ويكبر وقد شحذت مشاعره، وأرهفت حواسه، وتفتح وعيه، ونضجت طفولته، لم يفتقد الحنان فتتبلد حواسه، ولم يزجر عما يريد من الأشياء المباحة، فيكبت شعوره، وتحطم معنوياته، ولم ينبذ ويحتقر فيحنق ويحقد ويكيد، فينشأ بذلك قويًا غير ضعيف، نقيًا غير موبوء..

 بمثل هذه الأساليب من التربية والتكريم والرعاية للطفولة، التي استنها الرسول -عليه السلام- ونهج على هدى منها معظم علماء التربية المسلمين، استطاعوا أن يخلقوا جيلًا متينًا، وأمة قويه، دكت عروش الأباطرة والقياصرة على مدى ربع قرن من الزمان، وأسسوا حضارة لم يعرف لها التاريخ مثيلًا، فسلام عليك يا رسول الله في ذكرى مولدك، وهدى الله أمتك كي تتبع سنتك وتسير على نهجك..

الرابط المختصر :