العنوان حيرة وتساؤل!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1992
مشاهدات 61
نشر في العدد 1006
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 07-يوليو-1992
الحيرة الثقافية والاجتماعية والسياسية في
الوطن العربي ليست خافية على أحد والاجتهادات المطروحة في الساحة عليها ظلال كثيرة
نفعية وإعلامية واستهلاكية وسلطوية وهذا ليس في صالح المواطن العربي الذي يعاني
اليوم من أشياء كثيرة منها على سبيل المثال:
1- الانفصام الكبير والهوة السحيقة بين الفكر
والواقع، فإنه وبكل وضوح لم تتحقق نظرية واحدة فكرية رغم الصخب الداوي الذي كان
يحاصر الإنسان العربي صباح مساء من رموز وهالات كرست لها برامج إعلامية ضخمة
ومساحات دعائية شاسعة، وأعطيت من الإمكانات وحشد لها من الطاقات مما لا يعهد مثله
لمثلها ولكنها كانت سرابًا بل ضياعًا.
2- عدم الارتقاء إلى درجة المواطنة، أي إن
الإنسان يعاصر وبدون فاعلية تذكر، لأنه يرفض- كما هو مقرر- حاضره لأنه لا يخوله
إمكانية تحقيق ذاته، ولا يسمح له بممارسة حريته الأمر الذي يصيبه بالإحباط الذي
يرتد بالسلبية على أفعاله وممارساته وطنيًا وقوميًا وعالميًا.
فالمثقفون العرب بالذات مدعوون ومستنفرون
لوضع دستور ثقافي للأمة يجمع شملها ويكفكف جراحها، دستور يلائم فطرة هذه الأمة
ويلبي متطلباتها ولا يمزقها ويباعد بينها وبين غاياتها ومطالبها، دستور يعالج
الإنسان ذهنيًا ويستطيع أن يطلق إبداعات هذه الأمة ويستجيش ملكاتها وقدراتها
ويوجهها عمليًا إلى قوى منتجة وفاعلة ويستطيع أن يقبل التحدي، تحدي التخلف وتحدي
السباق العلمي الرهيب، وتحدي الاستفادة من كل شيء متاح في خامات تلك الأمة
ومواردها وإمكاناتها.
فالطبقة المثقفة تعاني هي الأخرى في رأي
الكثيرين من عوائق كثيرة وتتهم باتهامات متعددة منها:
1- أن جمهرة كبيرة من المثقفين تبنت خطاب
السلطة العربية في بعض البلاد وعززت اتجاهاتها ودافعت عن قهرها وممارساتها النابذة
للحرية، فحولت الإنسان العربي إلى كائن نسي ذاته كلية، وارتمى في أحضان
الديكتاتورية وانخرط في السلبية وعاش لحظته الآنية بسبب الضغط اليومي ومارس
التواكل والتدجين، وتعود التعامل غير المنتج مع الزمن ومع المجتمع، وفقد الإحساس
بالآخرين وتخلى عن النخوة والإحساس بشعور الغير، بل أصبح التوجس والريبة بين الناس
سمة ظاهرة بدل الإخوة والستر والثقة التي كانت عاملًا من عوامل الربط الاجتماعي
والقومي في الأمة التي كانت كالجسد الواحد.
2- كثير من المثقفين هاجم وبشدة كثيرًا من
حركات الإصلاح لحساب التخلف والعمالة فألغي بذلك كل مقاييس المواطنة والأمانة
والمسؤولية فزادوا في عناء الأمة وكانوا أوجع من سوط الجلادين، وأرهب من جند
الطغاة، وتسببت هذه الفئة التي فتحت أمامها الأبواب على مصراعيها في القضاء على
طبقة المخلصين من المثقفين واتهامهم بالتآمر أو معادات السلطة، كما تسببت في بروز
هوامش من أدعياء الثقافة والمداحين والمتكسبين بالكلمة. وهذا في الحقيقة أضر
بالأمة ضررًا بالغًا وفرق عليها شملها.
والسؤال الذي يجب أن يطرح الآن هل هناك
صحوة على هذين المستويين مستوى الإنسان العادي ومستوى المثقف العربي؟
الحق أقول: إنه قد ظهرت بوادر طيبة على
الإنسان العربي المسلم الذي هب متسائلًا عن أسباب هذا الواقع المؤلم باحثًا عن فكر
النهضة الحقيقي الذي يشتاق إليه، وقد وجده في تراثه وبين يديه عملاقًا طيبًا أصله
ثابت وفرعه في السماء. وأما المثقفون فإن كثيرًا منهم إلا من عصم ربك، ما زال
ووساوس الشيطان تداعبه ويتشبث بالشجرة الملعونة يريد أن يغالب الموج العاتي ويصادم
نواميس الكون وهي غلابة، فهل يرتدع والأمة كلها تفتح ذراعيها له مرحبة حانية أم
يركب وساوسه ونناديه آسفين إذ تطارده لتقضي عليه غلمان الحضارة الزاحفة وجموع
الشعب الغاضب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل