; القانون القاتل! | مجلة المجتمع

العنوان القانون القاتل!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1992

مشاهدات 63

نشر في العدد 1009

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 28-يوليو-1992

نعم إذا كان القانون سوط عذاب وأداة إهلاك، ووسيلة تعذيب للمصلحين والعاملين والمفكرين والمؤمنين.. خيبه الله ولا رده الله من سفره.

وإذا أصبح القانون يجافي العقل ويبتعد عن المنطق، ويخبط خبط عشواء ليحقق أهواء ملفقة، ويلبي رغبات سدنته فلا أقر الله به عينًا وأسعد به نفسًا!

فما وجدنا قانونًا يرتشي، أو يصبح عميلًا، أو يحب الفساد ويحارب الفضيلة، أو يحمي الظلم وأهله، ويرفع الباطل وحزبه إلا في هذه الأيام.

وما وجدنا قانونًا يكبت الحريات، ويقتل الفكر، ويجرم الإبداع الثقافي، ويهمش التعليم، ويسطح الذاتية القومية، يُوله بالغزو الثقافي والتبعية الفكرية إلا في هذا الزمان!

وما وجدنا قانونًا يهدر دماء الأبرياء ويلعن أرواح الأتقياء، ويحب أنين الضعفاء ويعشق صراخ الأرامل، ونوح الثكالى والضرب في المليان على قارعة الطريق.. إلا في هذه الحوالك!

وما وجدنا قانونًا يحب الفساد أو يكره الطهر ويمجد البغايا، ويلغ في أعراض العباد بنهم ويحض على التخلي عن الشرف والرجولة ويهدهد المنحرفين والمخنثين إلا في هذا التيه!

وما وجدنا قانونًا يدمر الهوية ويكره المقدس، ويعاند الفطرة، ويحارب التوجه الإيماني والأخوة والترابط والحب في الله، ويعادي نزعات الأصالة والوصال القومي والإيماني إلا في أيام النحس وحكم العسكر.. وما حكم صدام عنا ببعيد!

معنى القانون

ومعنى القانون الذي لا يعرف له السلطويون معنى هو «ماذا يجب أن يكون عليه سلوك الإنسان في الدنيا بصفته الفردية والجماعية» وهذا التعريف يطرح علينا سؤالًا مهمًا: من الذي يحدد هذا الواجب الذي يجب أن يكون عليه سلوك الإنسان؟ أهو الله ثم المسلمون أصحاب الفكر الناضج العارفون بشؤون دنياهم حسب أطر حددها الوحي برضى المسلمين وإقرارهم واختيارهم لمن يقيم الأمر فيهم؟ وهذا التوجه يلزمه نظام للتعليم والتربية الخلقية، وبموجبه نعمل على تكييف أوضاعنا الخلقية وتعديل سير أفرادنا وأفعالهم وأفكارهم كما نعمل على إقامة حياة اجتماعية محكمة العلاقات الإنسانية، وإذا أردنا أن نعرف القانون السلطوي المعيش نقول: هو القانون الذي أصدره رجل في السلطة لمن هو أدنى منه بغير إذن أو مشورة، والقانون والتشريع يصبح على هذا «مرسومًا لصاحب السيادة» يقنن هواه ورغبته ويحمي عرشه وسلطته وتوجهه، وفساد الملتفين حوله.

وقد يكل صاحب السلطة إلى من يلوذون به أو لمن يميلون إليه وضع قانون أو تعديله يحمل نفس الرغبة والتوجيه، وهذا أسلوب مفضوح يلجأ إليه خداعًا للشعوب ومكرًا بمصالحهم.

دعامة التشريع

ولهذا شن المحدثون من علماء القانون حملة شديدة على هذه الفكرة، حيث إنه لا يمكن منع انحرافات الحاكم إلا إذا كان رضا الشعب العام دعامة أساسية في التشريع وأنكروا أي قانون أو دستور لا يحوز رضا الجماهير ثم قالوا بنظرية تعدد السلطات، فالتف السلطويون الذين يستمدون سلطتهم وقانونهم من قوتهم وكفايتهم الشخصية على أفكار الناس فزعموا أنهم ممثلو الشعب ونوابه وأنهم تولوا السلطة بناء على إرادة الشعب، كما يقررون نظام الانتخابات العامة وتكون المجالس النيابية الصورية، وقد تلجأ السلطة إلى الاستفتاء الشعبي على شخص الديكتاتور، ويكون الهدف الحقيقي هو إعلان التأييد للزعيم، ومحصل ذلك كله هو إحكام الأطواق على رقاب العامة والخاصة من المصلحين فأصبح بهذا القانون هو الزعيم والزعيم هو القانون.. بالقانون يجرم، بالقانون يصادر، وبالقانون يسحق، وبالقانون يشرد، وبالقانون يقتل، وباسم الشعب ينفذ.. بعدًا لك من قانون! وسحقًا لك من قاتل متوحش!

الرابط المختصر :