العنوان معالم في الطريق: خلل في الحسابات والسياسات! أم خلل في الذاكرة؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1993
مشاهدات 59
نشر في العدد 1036
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 02-فبراير-1993
خلل في الحسابات والسياسات! أم خلل في الذاكرة؟
تساؤلات حول الخلل في الحسابات والسياسات
حسابات كثير من
القيادات في بلادنا خاطئة، وسياسات كثير من منظماتنا مضطربة، مخططات كثير من
ساستنا باطلة، وأفكار كثير من مثقفينا شاردة.
هل هذا خلل في
الذاكرة؟ أم دخل في القصد؟ أم خلو من خبرة وفقد في علم وشرود في بصيرة أم هو كل
ذلك وعليه مزيد؟ لا يستطيع أن يظن أحد أن هناك انحدارًا يأتي من لا شيء أو ضياعًا
يحدث بدون علة كما لا يتوقع إنسان أن تحدث نهضة بدون أسباب أو تقدم بدون عمل صالح،
فأما عن الحسابات الخاطئة فحدث ولا حرج.
مثال الخلل في الحسابات: حربي العراق
فمثلًا ماذا جنى
رئيس العراق من حربه مع إيران؟ هل قضى على المجوس كما يقول!! وهل أزال إيران وقضى
على شعبها؟ وكم هي أعداد القتلى والجرحى والمعوقين، وكم هي الخسائر في السلاح
والعتاد والأموال والأوقات، وما هو حجم الدمار والخراب وهدر الطاقات وإضاعة الفرص؟
وماذا جنى من فاجعته الكبرى وهي غزوه لبلد شقيق مسالم أعزل هو «الكويت» نصير له
مأمون الجانب وقف بجانبه في خيبته؟ هل أبقى على الصديق وحافظ على الشقيق، وهل وحد
الأمة العربية وصد عنها كما يدعي وحماها من الأعداء والمتربصين، وهل حرر فلسطين
وقضى على اليهود والصهيونية وهل فرق الثروة بين الفقراء، وأعطى المحرومين، وهل رفع
أعلام الحرية وبسط الديمقراطية، ورفرفت السعادة وحل الأمن والطمأنينة وسارت الأمة
نحو المجد والعلا والفخار كما يدندنون ويهرفون؟!!!
الصراع الداخلي وإجهاض الرأي الآخر
ونرى أممًا أخرى
تنقل الحرب إلى داخلها فتتقاتل مع بنيها وهم شموسها الدافئة ونورها الساطع وعدتها
وملاذها وثروتها والغيور عليها، تحاول بذلك إجهاض التوجه الفاعل وخنق الرأي الآخر،
تتهمهم بالإرهاب تارة وبالتطرف تارة أخرى وتظل تستعد وتعد للقضاء عليهم وهي في
الحقيقة تقضي على نفسها، وتجتهد وتجيش لفضحهم وكشف عوراتهم وهي في واقع الأمر تلغ
فيما تدعيه وتتقمص ما تنكره فهل قضت على ما تخيلته بعد معركة دامت أكثر من 40
عامًا أو من بعد استقلالها إلى اليوم، وهل استطاعت أن تهادن بعضها (الشارد) وتتعايش
مع ولدها الناهض وتتفاهم مع رأيها الآخر، وأن يتفتق ذهنها عن دستور للصواب الخطأ وعن
إيضاح للثوابت والمتغيرات بحيث يختلف من يختلف بلا عداوة ولصالح الأمة رفعتها
وتقدمها وحضارتها أم أنها خاوية الوفاض وهذه حساباتها وخططها للتقدم وهذا هو
توجهها وسبيلها إلى النهضة المرتقبة الواعدة!!
محاور السياسات: العداوات، العمالات، والتقاعسات
كما أن الفاحص
لكثير من منطلقاتنا السياسية يجدها تدور حول ثلاثة محاور: عداوات أو عمالات أو
تقاعسات.
فقد تحسن كثير
من مناشطنا السياسية فقه العداوات وأساليب الاتهام والسب واللعن مع القريب والبعيد
ومع الأخ والصديق وتخلع على ذلك كثير من النعوت كالكفاح والجهاد والوطنية والإباء
والكرامة وتسخر في سبيل ذلك كثيرًا من مواردنا المالية وجهدنا الثقافي والإعلامي
كما تُعبئ الجماهير في ميادين وهمية ومعارك عشوائية فرغت الكثير من الطاقات
الفاعلة وقضت على الكثير من القوى الناشطة وكان الأولى أن تتدرب على مخاطبة
الأفكار ومحادثة القلوب وتطويع التوجهات والأجدى أن تحسن فقه الحجج والبراهين
وأساليب الحوار والإقناع وتستعمل وصفة الطبيب قبل أن تستعمل بضع الجراح، ولكن يبدو
أنها لم تعلم شيئًا من السياسة أو تقرأ حرفًا منها وإنما صار هذا قدرها لأسباب
كثيرة!! وأما عن العمالات فهذا أسلوب قديم حديث رأى أصحابه ألا طاقة لهم على تكوين
شخصية مستقلة أو انتهاج طريق متميز يصل الماضي بالحاضر ويبني على قواعد ثابتة لتراث
عتيد مبهر فناموا في أحضان غيرهم وعاشوا في كنف سواهم يتكلمون بألسنتهم ويدافعون
عن توجهاتهم يحركون بالإشارة وينفذون ما يملى عليهم يجرون شعوبهم خلفهم يدورون بهم
ربما في فلك أعدائهم كما يدور الحمار في الرحى. وأما عن التقاعسات فحدث ولا حرج
فرغم الدواهي والمصائب والفواجع التي توقظ الميت وتبعث الجثة الهامدة لم تحرك فيهم
نخوة أو كرامة أو إحساسًا، فقضايا التخلف والانحراف ومواجع القتل وسفك الدماء وهتك
الأعراض والتشريد والاضطهاد وسلب الديار لا تجد عندهم أذنًا تسمع أو عقلًا يعي أو
جسدًا يتحرك أو لسانًا ينطق ولو خلقهم الله ذبابًا لأرعبوا العالم بطنينهم.
خلاصة: الحاجة إلى منهج رباني
وبعد فهل
الحسابات الخاطئة تنقذ والسياسات الشاردة تنهض أم نحتاج إلى منهج رباني وبعث إلهي؟
ماذا يعطي الإسلام للبشرية؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل