; مقابلة المجتمع مع الداعية الجزائري محفوظ النحناح | مجلة المجتمع

العنوان مقابلة المجتمع مع الداعية الجزائري محفوظ النحناح

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1982

مشاهدات 96

نشر في العدد 555

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 05-يناير-1982

  • ليس بيننا وبين الحكومة الحالية أي نزاع سياسي.

  • فليتمسكوا بالإسلام.. ونحن لهم أنصار

أدرك الاستعمار الفرنسي للجزائر أن استمراره في احتلال الأرض الجزائرية مرهون بذوبان الشخصية الإسلامية الجزائرية في الشخصية الفرنسية، فلجأ إلى إغراق الشعب الجزائري بالملاهي ونشر المفاسد الاجتماعية بين أفراده، والإكثار من الحانات ودور الدعارة في البلاد. في الوقت الذي كان الاستعمار يمارس فيه الفرنسية الثقافية والفكرية، وغلق منابع الثقافة والأصالة الإسلاميتين. وكاد الاستعمار ينجح في هذا الولاء.

فقبل بداية الثورة الجزائرية بدأ الشيخ الطيب العقبي، مع مجموعة من تلامذته، ينطلقون إلى البحارة على شاطئ مدينة الجزائر، ويجتذبونهم من البارات ومواخير الفساد، ويكونون منهم حلقات دراسية، كانت نواة لتأسيس جمعية العلماء المسلمين في الجزائر.

وبدأت هذه الحلقات الدراسية، التي يدرس فيها الإسلام والعربية، تنتشر في أنحاء الجزائر. ونجحت التجربة التي شارك فيها معظم العلماء، فقد جعل هذا أحد كبار علماء الجزائر آنذاك الشيخ عبد الحميد بن باديس يجتمع ببقية العلماء كالشيخ البشير الإبراهيمي، والشيخ الطيب العقبي، وغيرهم لتأسيس جمعية العلماء المسلمين في الجزائر، التي بدأت بممارسة نشاط إسلامي واسع، تمثل في إنشاء المدارس لتعليم الإسلام واللغة العربية، فكان دورها الأساسي في الحفاظ على هوية الشعب الجزائري الإسلامية ولغته العربية ومصادر ثقافته الأصيلة. 

وتعد هذه العملية هي حجر الأساس في الثورة الجزائرية، وهي وقودها، إذ أنها نجحت في بعث شعور الاستعلاء الإسلامي في نفوس الجزائريين، الشعور الذي جعلهم يرفضون خضوعهم لمستعمر كافر، ودفعهم هذا من ثم إلى قتال الفرنسيين بكل ما أوتوا من قوة من أجل الإسلام، فقد كان الاستعمار في الحقيقة لا يحارب الجزائريين، بل كان يحارب الإسلام في الجزائر. ولعل طوابع بريدية ظهرت آنذاك توضح هذا، حين صور فيها صليب يكسر الهلال. كما أن السلطات الفرنسية ضيقت على العالمين سحنون وبني سلطاني ومنعتهما من الخطابة في المساجد. وانطلقت الثورة الجزائرية من هذه القاعدة، وانطلق معها معظم العلماء والمسلمين حتى تحقق النصر. وبدأ الصراع على السلطة، وكان عبد الناصر قد نجح في تمكين أتباعه من الاستيلاء على السلطة، واتجهت الحكومة اتجاهًا اشتراكيًّا، وبدأت معركة جديدة مع الحكومة بمنهاجها الغربي الجديد وهو الاشتراكية بطل إرهابها وسجونها ومعتقلاتها، وأخذت الحركة بعد جمعية العلماء نهجًا آخر.. هو نهج الإعداد والتربية والتنشئة على الإسلام، وكان أبرز رواد هذه المدرسة الأستاذ محفوظ النحناح الذي تلتقي به «المجتمع» في هذا العدد.

وفي الطريق من مدينة الجزائر إلى مدينة «البليدة»، كنا نمر بأخصب أراضي الجزائر، تلك «المربعات» التي كانت تدر الذهب على الفرنسيين وتعد أغنى ما كانوا يملكون. لقد شاهدناها تنمو فيها الأعشاب بصورة عشوائية ومهملة إهمالًا تامًّا بفضل الاشتراكية.

وعندما وصلنا إلى مدينة بليدة، تلك المدينة القابعة عند جبل الشريعة والمشتهرة بتدين أهلها، والمعروفة في التاريخ الجزائري بمواقفها الصلبة ضد الاستعمار الفرنسي، ذهبنا إلى بيت متواضع جدًّا.. بيت جزائري.. بيت الأستاذ محفوظ النحناح.

مع الحكومة السابقة

المجتمع: قبل كل شيء نود أن نعرف ما القضية السياسية التي كانت بينك وبين الحكومة؟

النحناح: في الواقع ليس بيننا وبين الحكومة أي نزاع سياسي، إنما الذي كان بيننا وبين الرئيس السابق مسألة ظهور الميثاق الوطني وبوادر ظهور الدستور الجزائري، هذا الميثاق كان خلاصة لتجربة سبقت سموها «المشروعية الثورية» وأرادوا جعلها مشروعية دستورية، وقد اتجه الرجل- والله أعلم به ولا نتكلم عن ماضيه- إلى السير بالجزائر في اتجاه بعيد عن المنهج الإسلامي الأصيل الذي لا يرضى الجزائريون بديلًا عنه لأنهم مسلمون، وطوال عهد الاحتلال وخلال الثورة الجزائرية المباركة من ١٩٥٤ إلى ١٩٦٢ لم يقدموا الضحايا- وقد بلغت مئات الآلاف- إلا من أجل تحكيم شريعة الله، وأن يحكموا بحكام مسلمين، أما النظام فقد كان يحاول إحلال النظام الاشتراكي ووضع الميثاق الوطني.

وقد ألححنا على أن يضع الميثاق الوطني أناس معروفون بماضيهم العلمي والجهادي، ومن المجاهدين الذي اضطهدوا واحترقت أجسادهم في الجبال، هؤلاء يعرفون حقيقة الإنسان الجزائري الذي كان يذهب إلى الجهاد وهو يقول: أنا أذهب إلى الجبل- يعني الجهاد- من أجل أن أغسل عظامي. فالروح الإسلامية هي الدافع إلى التضحيات، فكيف يأتي مجموعة من الناس مجهولة وتقطف الثمرة ويعرفهم الأجانب وقلة من الجزائريين فقط؟ وهم غير مشهورين لا بالتقوى ولا بعلوم الشريعة ولا حتى بالقوانين الوضعية!

من هنا جاءت الخصومة، وهي حصيلة الخصومات السابقة بسبب تطبيق ما سمي الثورات الثلاث: الزراعية والصناعية والثقافية، ومن العجيب أنهم أخروا الثورة الثقافية مع أنها أساس الإصلاحات كلها. وتجربة من سبقنا في هذا المجال خير دليل على إخفاق ما وصلوا إليه، ولذا كانت المعركة طاحنة وأصدرنا منشورًا كان السبب الرئيسي في القبض علينا واتهامنا، ولا يهمنا هذا بمقدار ما يهمنا هذه العملية التي نام عنها مجموعة من «الحزبيين والمرقيين!!» من العلماء، والوصوليين الانتهازيين من الساسة.

المجتمع: من أنتم؟ فأنت قلت: أصدرنا وفعلنا.. فمن أنتم؟

النحناح: لا أكون مبالغًا إذا قلت: أولًا نحن مجموعة- لا جماعة ولا تنظيم- رفضت هذا الواقع وتحدثت فيما بينها سرًّا، لأن الاستبداد كان قائمًا منذ الاستقلال حتى نهاية عهد الرئيس الثاني، فلا حرية تعبير ولا تجمع، فاجتمع هؤلاء النفر المعنيون لرفض الواقع.

المجتمع: بماذا تتميز مجموعتكم؟ وهل هناك مجموعات أخرى استنكرت هذا البيان؟

النحناح: كان هناك استنكار من الشيوعيين، ما عدا الاتحاد السوفييتي الذي أخبر عن الميثاق قبل صدوره في الجزائر، وهنا علامة استفهام كبيرة وعريضة.. كما استنكرت مجموعات من العلماء المشهود لهم وعلى رأسهم الشيخ عبد اللطيف سلطاني والشيخ أحمد سحنون، وثلة من السياسيين القدماء.

وقد حصلت مناقشات سميت «مناقشات حرة شعبية»، ولكن الرقابة كانت تحذف ما لا يرضي السياسيين، فلم يمر في الإذاعة والتلفاز إلا ما يرضي السلطة فقط، أو إن شئتم ما يرضي طموح القائد السابق.

المجتمع: هل تعتقدون أنكم في بيانكم هذا- دون سائر الأحزاب الأخرى- تعبرون عن الصحوة الإسلامية الموجودة في الجزائر؟ 

النحناح: الشعب الجزائري مسلم ولم تكن الصحوة غريبة عنه. وبعد الرئيس الثاني بدأ يستعيد أنفاسه في المرحلة الجديدة التي يبدو منها- والله أعلم- شيء من التفتح والارتباط بالإسلام، وقد صرح النظام الجديد بأنه مرتبط بالوحدة الوطنية والمحافظة على التراث العربي والإسلامي والانتماء الحضاري.

إذن هناك شيء من التفتح يجعلنا نتنفس بارتياح بعد فترة من الضنك، وبالنسبة لي لست إلا فردًا من أفراد الشعب الجزائري ولست قائدًا سياسيًّا ولا زعيمًا، إنما أنا فرد أحاول أن أكون داعية إلى الله لينهج الناس منهجه؛ ولذا لا أقول إنني أعبر عن الصحوة الإسلامية في الجزائر.

الإسلام في الجزائر

المجتمع: هل تعتقد أن الجزائر مهيأة للحكم بكتاب الله وسنة نبيه حاليًّا؟

النحناح: التهيؤ النفسي عند الجزائريين موجود كما هو عند باقي الشعوب الإسلامية، حيث لمسنا ذلك من خلال المجلات والكتب الإسلامية ومواسم الحج والملتقيات الإسلامية في الجزائر، هناك إذن طموح لتحقيق الأمة وإيجاد الدولة الإسلامية المنشودة إن شاء الله، أما التحضير التنظيمي والعسكري فالقضية هي أن الشعوب الإسلامية بكاملها إن عرفت أن الإسلام حق فسوف تتمسك به بمجموعها، أما أن تمسكه طائفة دون طائفة فهذا في رأينا عين الخطأ والله أعلم.

إن كانت علاقة فكرية فنعم.. الصلة الفكرية مشتركة بين مختلف الحركات الإسلامية. المكتبات الجزائرية مثلًا في فترة من الفترات كانت زاخرة بالكتب الإسلامية، من مؤلفات المودودي إلى حسن البنا إلى سيد قطب إلى مالك بن نبي رحمهم الله جميعًا. وهناك تفاسير الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي يعد- ولعلي لا أكون مبالغًا- من الرواد الأوائل في العالم العربي والإسلامي، والشيخ البشير الإبراهيمي والشيخ العربي التيبسي.. فهؤلاء الأفذاذ من العلماء كانوا بعلمهم ودعوتهم صحوة إسلامية في عهدهم.. ما نحن إلا واردون لما تركوا ولا يمكن أن نستغني عن فكر إسلامي أصيل ما دام يستقي مبادئه وأهدافه من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

المحاكمة

المجتمع: أخ محفوظ.. حدثنا عن الفترات التي قضيتها في السجن وأعتقد أنها أربع سنوات من الحكم الذي صدر بحقك وهو (١٥) سنة.

النحناح: لقد سعوا لأن يكون الحكم بالإعدام، ثم حاولوا أن يكون بالأشغال الشاقة المؤبدة.. ونزلوا إلى الحكم بعشرين سنة.. ثم حكموني بخمس عشرة سنة.

المجتمع: لماذا وصل الأمر إلى (١٥) سنة؟!

النحناح: إنهم يفعلون ما يشاؤون.. فالمحاكمة صورية ودور المحامي لا قيمة له. والمحاكمة كانت مغلقة، ولم يسمح لصحفيين بالدخول.. كانت محاكمة صورية؛ حتى لا يقال إنهم سجنوني دون محاكمة.. النظام القديم كانت تكثر فيه مثل هذه المسائل.

المجتمع: ما المقصود بالقضية السياسية؟!

النحناح: بالمناسبة هم حاولوا أن يجعلوها قضية سياسية، ونحن حاولنا أن تبقى القضية إسلامية محضة. أرادوا أن يلبسوها ثوبا سياسيًّا ويقولوا: إن هذا الموضوع سياسي.. وليست لكم علاقة بالسياسة. أنتم مسلمون وتصلون.. هذا يكفيكم.. نحن قلنا إن الإسلام شامل لكل شيء. قضية ما يسمى بالميثاق الوطني قضية تمس الأمة الجزائرية، وتمس الوحدة الوطنية، وتمس ثقافة المجتمع الجزائري، ولا يمكن التلبيس على الأمة الجزائرية. لا بد من أخذ برنامج تشترك فيه العناصر كلها في هذه الأمة، أما أن تكتبه عناصر قد تعيش في البرج العاجي.. فهذا  ما لا نريده.

حزب سياسي إسلامي

المجتمع: لو أعلنت الحكومة عن التعددية في الأحزاب، فهل ستفكرون في إعلان حزب إسلامي يعمل لدولة إسلامية وإقامة حكم إسلامي؟!

النحناح: بالنسبة إلى الجزائر فقد كانت المراجعة- إن كان ثمة مراجعة- في طريقة الدعوة، والظروف- كما علمنا الإمام بن باديس- تكيفه ولا تتلفه.. الظروف السياسية الحالية غير الظروف السياسية الماضية، هناك شيء من التفتح.. هناك تنشق لعبير الحرية. وما يمكن للداعية أن يجابه به وضعًا لا يمكن أن يجابه به  وضعًا آخر، وأن يسير المرء على منهج واحد على اختلاف المراحل السياسية فهي السفاهة بعينها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نفسه كان يعطي لكل مرحلة ما يناسبها من علاج ومن مواقف، ونحن الآن نعيش مرحلة إسلامية جديدة، وبالتالي فهي تحتاج إلى استراتيجية جديدة، وخطة جديدة، وإلى عمل أكثر جدية حتى لا تتورط الدعوة الإسلامية في الجزائر بمثل ما تورطت به بعض الجماعات الإسلامية في غير الجزائر.

المجتمع: لو أعلنت الحكومة التعددية في الأحزاب هل تعلنون جماعتكم حزبًا إسلاميًّا؟

النحناح: دخلنا الآن في السياسة البحتة.. أنا أرى أن المسلم سواء في النظام متعدد الأحزاب أو النظام ذي الحزب الواحد هو المسلم، وهو أصلًا ينتمي إلى حزب الله.

المجتمع: أنا أعني الحزب بالمصطلح السياسي.. حزب له برامج.. يخوض الانتخابات وله لائحة ونظام أساسي.

النحناح: الأحزاب بالنسبة إلينا فيها ضرر.. وبقاء الحزب الواحد فيه ضرر أيضًا، ولا ينجي هؤلاء ولا هؤلاء سوى الإسلام، فليتمسكوا بالإسلام ونحن لهم أنصار.

الاستبداد يدفع إلى السرية

المجتمع: هل يعني هذا أنك تؤمن بسياسة الحزب الواحد الذي يحكم بالإسلام فقط؟

النحناح: على أن يترك هذا الحزب للناس مجال النقد غير الفاضح.. النقد البناء.. أما وجود الأحزاب المتعددة التي يتقاتل الناس في ظلها ويتراشقون التهم فهذا ليس من الإسلام، كذلك الحزب الواحد الذي يسلب الحريات. لقد كان من مبادئنا التي نادينا بها حرية التعبير وعدم التسلط، والحرية هي التي تجعل العمل لا يعيش في الظلام، بينما الاستبداد هو الذي يدفع العمل إلى السرية، ونحن لا نريد أن يكون العمل سريًّا، فعملنا واضح، وهو الدعوة إلى الله، فالدعوة إلى الله تحتاج إلى وضوح وفهم شامل.

ليست إقليمية

المجتمع: ألا ترى أنك تحاول صبغ الحركة الإسلامية في الجزائر منذ نشأتها إلى اليوم بالصبغة الجزائرية؟

النحناح: لعلك تريد أن تقول إننا نريد إسلامًا جزائريًّا؟ أنا لا أعتقد هذا، فكل من استقى من كتاب الله وسنة نبيه -عليه السلام- يمكن أن نأخذ منه ولا حرج، ولكني أرى لا مانع- ما دام عندنا دعاة- أن يغنينا هذا عن استيراد العمل الإسلامي، فللشيخ البشير الإبراهيمي مثلًا مجموعة «البصائر»، آمل أن تكون في أيديكم، لأن فيها مسائل تاريخية وأمورًا هامة، ولا أقول هذا إقليمية أو جنوحًا استقلاليًّا.. لا.. أبدًا.

المجتمع: مهما كان فعمل المشايخ وعلماء الدين يكتسب الطابع العلمي ويفتقد الطابع الحركي الجهادي.. فأعمال البنا وقطب والمودودي تتسم بالحركية في حين تتسم أعمال الإبراهيمي بالتربية وتفقيه الناس بأمور دينهم.. ولهذا ألا ترى أننا نبالغ حين نقول إن الإبراهيمي يغنينا عن الفكر الحركي في المشرق؟

النحناح: جيد جدًّا، ولكن الظروف تختلف بين أقطار المسلمين. فما فعله الاستعمار الفرنسي في الجزائر لم يفعله في غيرها، وهؤلاء العلماء كالإبراهيمي وبن باديس كانوا علماء ودعاة ومربين. وقد لا ينازعهم في هذا المستوى سوى دعاة قلة. ولقد كانت الظروف والسنوات متقاربة بينهم وبين البنا وقطب والمودودي. ولكن بودنا أن يأخذ إخوتنا منهم كما نأخذ من علماء المشرق، عسى أن تتكون النواة الأولى لتكوين فكر مشترك بين جماعة المسلمين.

بومدين وعبد الناصر

المجتمع: هل تقبل أن تتعاون مع السياسيين الموجودين مثل بن بيللا؟ 

النحناح: لا أقول تعاونًا وإنما أقول: كل من سار في طريق الإسلام فهو أخونا ونحن إخوته.

المجتمع: هل تقبل؟

النحناح: أيًّا كان.

المجتمع: هل تقبلون المشاركة في الوزارة؟

النحناح: هذا أمل بعيد في الظروف الحالية، ونحن لا يهمنا موضوع الوزارة بقدر ما يهمنا تبني الإسلام منهجًا ربانيًّا من النظام القائم.

المجتمع: هل تعتقد أن بومدين هو عبد الناصر المغرب؟

النحناح: هناك فروق.

المجتمع: ما هي؟

النحناح: فروق في البيئة، وفي النفسية، وفي التبعية، لأن لكل تبعية. هذا لا نزاع فيه ولا أريد أن أسبق الأحداث فأذكر ما لا يجب ذكره الآن.

المجتمع: على من تضع اللوم في وصول الجزائر إلى واقعها اليوم؟

النحناح: مشيئة الله أولًا وقبل كل شيء.

المجتمع: نلوم مشيئة الله؟

النحناح: مشيئة الله- تبارك وتعالى- إذا أرادت شيئًا لا يمكن أن ينازعها منازع. وإن اتفق الإنس والجن على غير ذلك. ومع ذلك فلنتمم البحث عن طريق التحليل التاريخي السليم، ونبحث عن أسباب التدهور في الانحلال والبعد عن منهج الله. ولعل من جملة ذلك- والله أعلم- أن الشعب الجزائري شعب أمي تسلط عليه ما لم يتسلط على غيره؛ مما سهل على أولئك الساسة والقادة- بحكم تبعيتهم أو بحكم اتباعهم لهواهم أو استبدادهم- أن يترصدوا لهذا الشعب ليسيروا به في غير الاتجاه الذي اختطه لنفسه.

«العصر».. ما زالت في البداية

المجتمع: يزعم بعض الساسة أن ما يمنعهم من تطبيق الإسلام هو عدم توفر النموذج السياسي للإسلام.

النحناح: الساسة وما يقولونه شيء والواقع شيء آخر. فإذا سلمنا بتبريرهم فكيف يفسرون اضطهادهم للعلماء وتقييدهم للحريات وعدم الترخيص لمجلة تعبر عن مواقف الإسلاميين في الجزائر التي تصدرت فيها المجلات الإسلامية قبل ثورة ١٩٥٤؟ وبعد ١٨ عامًا لا تجد مجلة إسلامية واحدة سوى مجلات الوزارات والمؤسسات الحكومية، وفي الأسابيع الأخيرة ظهرت مجلة أسبوعية اسمها «العصر».. لكنها ما زالت في البداية.

المجتمع: نعود إلى قضية الحكم عليك.. من حُكم معك؟

النحناح: لقد حكم على جماعة من الأساتذة والدعاة ومجموعة من الأنصار المحبين، الذين عرفوا حقيقة الوضع ورفضوا الواقع الأليم. حكم علينا وجاءت ساعة الإفراج والحمد لله.

المجتمع: لماذا كان الإفراج في رأيك؟

النحناح: الله أعلم.

تذكرة

المجتمع: لقد كنت أثناء الزلزال الأخير في زنزانتك، وكانت الجدران تتهاوى وتتساقط من حولك، فماذا كانت مشاعرك آنذاك؟

النحناح: لقد زاد ارتباطنا بالله تعالى والحمد لله، وإني أستحضر في تلك اللحظة الحرجة حين اهتزت الأرض تحت أقدامنا وتهاوت الجدران من حولنا رجلًا قام بجانبي واستقبل القبلة وصار يصلي والأرض تتمايل، قام يصلي والناس يهللون «لا إله إلا الله». كانت الحال سيئة للغاية، فالإنسان في قفص من حديد ولا يستطيع الانفلات منه، والجدران والسقف تتهاوى والأعمدة تتلوى كما تتلوى الأفاعي. ولعل تلك اللحظات ذكرتنا بقيام الساعة، ندعو الله أن يحفظنا فيها.

إن النصر لقريب

المجتمع: ما هو انطباعك تجاه الصحوة الإسلامية في العالم ككل والجزائر خاصة؟

النحناح: الصحوة الإسلامية في حاجة إلى عمل يوجد عملًا منضبطًا وإلى إخلاص وإلى تجرد لله تعالى وإلى زهد- إن صح أن نقول زهدًا- في متاع الدنيا، ولعلى أقول إن الشباب المسلم من طول الأرض وعرضها محتاج بادئ ذي بدء لأن يكون مخلصًا لله يجعل القرآن ربيع قلبه، وجلاء حزنه وغمه، وأن يجعل القرآن الكريم دستوره وحكمه ومحتكمه. فإن كان القرآن الكريم وسنة النبي- صلى الله عليه وسلم- الشريفة هي حكمه فإنه من الممكن أن يحصل شيء إن شاء الله من الفوز،  وما ذلك على الله بعزيز، وإن النصر لقريب إذا ما تضافرت الجهود وكانت النوايا مخلصة لله عز وجل. ولا يسعني في هذه المقابلة الكريمة التي أتاحتها لي مجلة المجتمع الغراء- التي عهدنا فيها الصدق وعهدنا فيها الوفاء- إلا أن نسأل الله تعالى أن يجعلها لسان صدق في الدنيا والآخرة، كما نسأله تبارك وتعالى أن يجعل من أصحابها والقائمين عليها وقافين على حدود الله تعالى، وألّا يخشوا في الله لومة لائم، ولا ينظروا في المجتمعات الغربية نظرة سيد لمسوده، أو رئيس لمرؤوسه، أو أستاذ لتلميذه، إنما المسلمون يد واحدة يتعاونون فيما بينهم، يحب بعضهم بعضًا، ويسعى بعضهم لمصلحة بعض، يتناصحون ويتواصون بالحق ويتواصون بالصبر، والله سبحانه وتعالى أعلم، فأستغفر الله من كل ذنب ذكرته ورحم الله من مات من المسلمين وأيد الله من عاش من المسلمين، والحمد لله رب العالمين.

 

الرابط المختصر :