; مكانة الثقافة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان مكانة الثقافة الإسلامية

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 29-سبتمبر-2012

مشاهدات 53

نشر في العدد 2021

نشر في الصفحة 55

السبت 29-سبتمبر-2012

 تحتل الثقافة الإسلامية - نظرًا لمميزاتها الذاتية - مكانًا فريدًا بين الثقافات العالمية الكبرى، فهي من جهة قد جاءت بعد ثقافات سابقة، حضارة مصر الفرعونية، وحضارة بابل، والهند، والصين، والحضارة اليونانية، والرومانية.. وصارت هي الثقافة العالمية الكبرى مدة قرون كثيرة.

 ومن جهة أخرى، تعد مثالًا فريدًا في نشأة الثقافات.. حملتها في مهدها أمة العرب التي كانت على الفطرة.. وهيأ لها خلفاء المسلمين ظروف النشأة والازدهار والانتشار، وشملوها برعايتهم.. كما أن الإسلام بما اشتمل عليه من الحث على عمارة الدنيا ومن مبادئ المساواة والحرية الفكرية، أتاح المجال لمواهب جميع الأجناس والأمم، لكي تعمل وتتجلى في دولة عالمية واسعة النطاق.

 والمتأمل لمجرى تاريخ هذه الثقافة لابد أن يتملكه العجب من كيفية ظهورها ونموها.. فأمة العرب الذين كانوا في أول الأمر وعاء الإسلام وجنده ومادته كانوا من قبله في مرحلة البداوة من ناحية الحضارة المادية؛ لكنهم كانوا في مرتبة عالية من النضج الإنساني من حيث الوعي والشعور بالمعاني والقيم الإنسانية.

 وكانت لدى العرب معارف تتعلق بالطبيعة والكائنات الحية، وبالإنسان، ولكنها كانت ملاحظات جزئية متفرقة، لا تربطها مفاهيم كلية، ولا نظريات عامة! وكانت لهم فلسفتهم في الحياة ومجرى أحداثها، وفي الإنسان والقوانين التي تحكم حياته، لكنها كانت فيضًا عن الإحساس بالحياة وتجاربها، من غير تفلسف بالمعنى المأثور.

 وكان للعرب شعر رائع عبروا فيه عن حكمتهم ومثلهم العليا، وفضائلهم ومقاييسهم الخلقية، وهي مقاييس إنسانية عمادها مفهوم المروءة باعتبارها رمز الفضائل، و مفهوم الشرف والشعور به وتقديره أكثر من كل شيء..

 والعرب - بحكم موضع شبه الجزيرة العربية المتوسط بين قارات العالم القديم - كانوا على صلات بالعالم المحيط بهم، يطلون عليه من أطراف شبه الجزيرة العربية، وقوافلهم الكبيرة تخرج بقيادة زعماء منهم متجهة شمالًا وجنوبًا، كما قال عز وجل ﴿رِحۡلَةَ ٱلشِّتَاۤءِ وَٱلصَّیۡفِ ( قريش:2 )

 وانتقلت إلى داخل شبه الجزيرة - بعد الملة الحنيفية - عناصر من المعرفة بالأديان التالية، ولكنها كانت معارف متفرقة، لا يربطها نظام، أو تحويها كتب! وجاء الإسلام الذي وضع أمام العقول وجهة نظر متكاملة شاملة لحقائق الإيمان وللمعرفة الكلية بالكون والإنسان، ولمبادئ تنظيم الحياة، فارتفع بالعقل إلى أعلى أفق في العلم الكلي بالحقائق، ووصل به إلى مستوى النظرة الكونية، والتعليل الأخير للأشياء، وأرسى تنظيم أمور الحياة على قواعد محكمة الأسس متينة البيان.

 وصار العرب أمة بمعنى جديد: أمة الفكرة الجامعة: «التوحيد... والقانون الشامل:«الشريعة».

 والهدف الذي التقت عنده الإرادات والهمم: «إعلاء كلمة الحق»، والفهم الواضح لحقيقة الإنسان ورسالته: الخلافة في الأرض لعمرانها على أسس العلم بالحق، والحكم بالعدل، وإفاضة الخير. 

وخرج العرب من شبه جزيرتهم ليضعوا هذه المبادئ أمام البشر، ولم يلبثوا أن أسسوا دولة شاسعة الأطراف اشتملت على معظم العالم المتحضر حينذاك.. وبذلك استحوذوا على التراث الحضاري للإنسانية، وهو تراث حملته شعوب وأجناس شتى.

 وبعد تأسيس هذه الدولة في أيام الرسول وخلفائه الراشدين - رضي الله عنهم - تم توسيع نطاقها، وتأمين حدودها، ووضع تفاصيل تنظيمها الإداري، وبدايات العمران في أيام دولة بني أمية، جاءت دولة بني العباس الذين اتسم عصرهم بروح إنسانية واسعة وبحرية متزايدة في الفكر، وبنقل علوم الأمم وفلسفتها إلى اللغة العربية، و بازدهار الحضارة المادية.

 وفي ظل التسامح الإسلامي، والمساواة التي كفلها الإسلام للداخلين فيه، وحرية البحث العقلي التي حماها الخلفاء المستنيرون، وبحافز من علو الهمة، والإيمان بقيمة الحياة، ورسالة الإنسان في عمران الدنيا، تهيأت الظروف لحركة ثقافية وحضارية عمرانية منقطعة النظير.

 وبعد ظهور البحث العقلي، وتكون وجهة النظر الإسلامية في العقول ثم تطور البحث، وظهور الفرق واتجاهاتها في العصر الأموي، أمكن في أوائل عصر بني العباس - وفي الجو الفكري الجديد - وضع الأسس للعلوم الإسلامية كلها.. وتمهد السبيل لتطورها وارتقائها، كما أمكن وضع أسس التحضر المادي، وبذلك بدأ عمل ثقافي رائع، حافل بأنواع المعارف، وأصناف العلوم، ومظاهر الابتكار في الحضارة، ونهض بذلك ما لا يحصى من المفكرين والعلماء الذين تتألق أسماؤهم في سجل الفكر العالمي والحضارة الإنسانية، وتحيط بهم هالات التقدير والإعجاب!

 وأصبحت المدن الإسلامية التي لا تحصى منارات تشع بالعلم والعرفان، وتمتد أنوارها نحو الشرق في بلاد آسيا، ونحو الغرب في بلاد أوروبا، وما زالت إلى اليوم حواضر ثقافة وحضارة متجددة، وما زالت آثار الحضارة الماضية باقية فيها، شاهدة بالمجد الحضاري الذي دخل في التاريخ! 

وقد استطاعت الثقافة الإسلامية أن تقاوم العوامل والمؤثرات التي تقوض الحضارات، وأن تصمد أمام غزوات التتار المدمرة، وأن تقاوم عدوان الدول الغربية منذ عصر الحروب الصليبية إلى اليوم، وهي لا تزال تحاول الإنشاء والتجديد! وهكذا صار المسلمون منشئي ثقافة ممتازة فريدة وحيدة، وحضارة رائعة، رفيعة الشأن، وأصبحوا أساتذة للإنسانية.

 وهكذا تكون النموذج الثقافي الإسلامي، وهو نموذج قادر على البقاء بفضل متانة أصوله وسلامة عناصره ومقوماته، وقابليته للتطور والرقي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 67

112

الثلاثاء 06-يوليو-1971

تعقيب «المجتمع»

نشر في العدد 112

87

الثلاثاء 08-أغسطس-1972

مهلًا.. يا بنت الخنساء!

نشر في العدد 131

125

الثلاثاء 26-ديسمبر-1972

أحكام الحج وأسراره