العنوان مكتبة المجتمع .. الحلقة 2.. عبقرية خالد لعباس محمود العقاد
الكاتب عبدالرحمن إبراهيم محمد
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1972
مشاهدات 104
نشر في العدد 93
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 28-مارس-1972
مكتبة المجتمع
الحلقة 2
عبقرية خالد لعباس محمود العقاد
هنا تبدأ الدائرة تضيق، وهذا هو المستوى الثاني فيها، فبعد أن كانت على مستوى أوسع بحيث شملت البادية برمالها المترامية نحس انحسار الضوء في هذا الفصل إلى درجة ما قبل التركيز على قاعدة قوامها قریش ثم مخزوم وهذا منهج صحي لتتبع أطوار الشخصية خلال البيئة التي احتوتها حتى يدرك القارئ مدى التزام الشخصية بمادة تشبعها ثم أثر هذه المادة عليها في مستقبل الأيام... يبدأ الكاتب بتحديد موقع البحث حيث قريش ومكانتها المرموقة بين أعراب الجزيرة حاضرهم وبواديهم... فهي مهبط الثقافة العربية في أنحاء الجزيرة من قديم، ولعل لهذا أسباب عدة. أولًا: مكانها الوسط بين الحضارة والبداوة في مكة عاصمة الحجاز إلى جوار الكعبة التي يحج إليها العرب لياذًا بأصنامها وتبركًا بحرمتها ويحملون إلى أسواقها الأدب والشعر والحكمة كما يحملون إليها القوت وسلع التجارة.
ثانيًا: خبرة قريش بالعرب واطلاعها على ما تسمعه من أحوالهم حيثما نزلت في طريقها خلال رحلتي الشتاء والصيف سواء أكان ذلك في ديار العرب أم في ديار الروم والحبشة وسائر الأمم الأعجمية وهو ما يسمى بعلم المشاهدة والمراس.
من هذا اتخذت قريش لنفسها منصب الحارس على العرب الغيور على تراث الآباء والأجداد الفخور بأنسابهم الساهر على عاصمتهم وحرية بلادهم المسلم بعلوم الحواضر والبوادي! فقلما خفي عنها فن من فنون ثقافة العرب أو غاب عنها علم عربي وصل إليه أبناء الحواضر والبوادي ومرجع هذا الولع الأصيل في الطبيعة العربية باستقصاء الخير.
مرة أخرى يلفت الكاتب الأنظار إلى خطأ في تقدير معارف العرب في مجالات السياسة والحكم هو نفس الخطأ حول تقــدير معارفهم الحربية التي سبق الحديث عنها... فهو يلقي اللوم على المؤرخين لعدم نفاذهم إلى مواطن خبرة العرب في السياسة والنظم الحكومية... فلقد عرفت العرب جميع نظم الحكم التي كانت شائعة في أيامهم... ولم يعرف المؤرخون عنهم ذلك. عرفوا نظام الإمارة التي ينفرد فيها الأمير برأيه، كما عرفوا نظام الإمارة التي يتولى فيها الحكم نائب الأمير يفصل في قضايا الرعية بمعونة ذوي الرأي منها إلا أن يكون غزوًا أو قتالًا فالأمر فيهما باسم الملك دون غيره، وهذا ما جرى عليه أهل الحيرة... ثم نظام الإمارة التي يختار أميرها من أمة أخرى كما فعل البكريون حين ولوا عليهم حجرًا أمير كندة كما هو الحال في بعض الأسر الأوربية اليوم التي تنتقل من موطنها إلى المواطن الذي تحكمه بالمصاهرة أو بالاتفاق بين الدولتين، وإلى جانب هذا عرفوا الحمايات بأنواعها كحماية الإمارة التي تستعين بجيش أجنبي وحماية الإمارة التي تعتمد على جيشها ثم حماية الإمارة التي تدين لدولة واحدة أو تدين لدولتين... هذا فوق معرفتهم برئاسة القبائل المجتمعة إلى نسب واحد، أو رئاسة الرحل رعاة الإبل والشاه، ورئاسة أهل المدر الذين يغرسون المروج.
عایشت قریش کله هذه النظم، وطالعتها بنظـرة الفاحص وبفطنة المجـرب اختارت نظامًا فريدًا في الحكم يوفق بين الأطوار الاجتماعية فيها، نظام يفرضه الواقع غير مفروض عليه ولعله أشبه بنظام المشيخة عند الرومان مرجع الرأي فيه إلى مجلس يتكون من رؤساء كل بطون القبيلة، ويوشك أن يكون الأمر شورى إلا أن الرأي في هذا المجلس يرجحه عادة الأقوياء من زعماء القبائل، وبفطنة المجرب أيضًا أدركت قريش أن زعامتها قوامها الدين واللغة والتجارة فحفظت مناسك الحج وجعلت أسواقها معرضًا للبلاغة الشعرية والخطب فعندها تفرغ الطاقات وتهدأ النفوس، كما تعاهدت بطونها على ضمان الثقة بالتجارة كلما غدر غادر بذمتها أو اعتدى معتد على حقوقها، وهكذا فرض الواقع نفسه وكانت الحاجة هي المحك الأول فلم يأخذ القرشيون بنظام الإمارة لما بين بطونهم من تنافس يمنع اتفاقهم على تمليـك أحدهم، ثم لم يأخذوا بنظام الحماية لمعزلهم عن نفــوذ الدول الأجنبية فكان لوساطتهم بين الحضارة والبداوة أثر في ظهور هذا النظام الفـريد السالف الذكر... بید أنه لا بد لمطامعهم أن تجد مكانًا في هذا المجتمع الذي فطر على الآباء والمفاخرة... إلا أنهم احتالوا على التوفيق بين هذه المطامع بتقسيم المفاخر والمراسم على بطونهم وزعمائهم حسب أقدارهم ومزاياهم فانتهى الشرف إلى عشرة بطون... سقاية الحج لها شم وراية الحرب لأمية والرفادة وهي إغاثة الحجاج المنقطعين بالمال لنوفل والسدانة والحجابة واللواء وهي خدمة الكعبـة وحراستها لعبد الدار ثم رئاسة مجلس الشورى لبني أسد والديات والمغارم لبني تيم بينما القبة وهي مجتمع الجيش والأعنة لبني مخزوم والسفارة لبني عدى والأزلام لبني حجج وأخيرًا الحكوم والأموال المحجرة لبني سهم.
ولعلك لاحظت أن من هذه الوظائف ما كان يقصد به جبر الخاطر والإرضاء كما لاحظت أن السلطات الفعالة التي تعاقبت مع الزمن هي السلطة الروحية لبني هاشم وعبد الدار والسلطة العسكرية لبني مخزوم والسلطة السياسية لبني أمية... وهي الخطوط العريضة في نظام الحكم عند قريش.
بهذا نجد أنفسنا وقد حط بنا الرحال في مخزوم حيث السلطة العسكرية مرتع خالد مذ عرف الحياة وعرفته فهو من أعرق بيوت العرب وأغناها وأشرفها. فجده المغيرة بن عبد الله الذي كان الرجل من مخزوم يفخر أن ينتسب إليه، وأبوه الوليد بن المغيرة الملقب بالعدل والوحيد لأنه كان يكسو الكعبة وحده سنة بينما تكسوها قريش سنة أخرى، وعمه هاشم قائد بني مخزوم في حرب الفجار بين قريش وقيس عيلان وقد حضرها النبي عليه الصلاة والسلام وسميت هكذا لأنهم فجروا فيها إذ إنهم قاتلوا في الشهر الحرام. وبوفاته أرخت قريش، وعمه الفاكه بن المغيرة أكرم أهل زمانه، وعمه أبو حذيفة أحد الأربعة الذين حملوا أطراف الدماء لرفع الحجــر الأسود إلى موضعه من الكعبة، وعمه أبو أمية حاسم النزاع حول الحجر الأسود ويسمى بزاد الركب لشدة كرمه في سفره... من بين هؤلاء نشأ خالد بن الوليد بطل هـذا الكتاب فلم يكن من أبوته أو عمومته إلا رئيس ابن رئيس له تعلو مكانته مكانة أحد من رؤساء الجاهلية... تبينت رجاحتهم في مواقف كثيرة قبل الإسلام وبعده ...
لقد قاموا ببناء الكعبة وحدهم بين الركنين الأسود واليماني بینما اشتركت بقية البطون في بقية البناء... كما كان لهم في وقعة بدر ضد المسلمـين ثلاثون فرسًا من مائة فرس لقريش كلها... كما كان لهم مائتا بعير وأربعة أو خمسة مثقال من ذهب غير الأمداد... وإنهم ليأخذون الأمر مأخذ الألفة بينهم وبين عبد مناف حين تظهر النبوة من بني هاشم من بني عبد مناف فتثور نفوسهم وتأخذهم العزة فيقول أبو جهل «تنازعنا نحن وبنو عبد مناف أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا حتى إذا تحازينا على الركب وکنا کفرسي رهان قالوا:
منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك ذلك».
ولقد زعم الوليد بن المغيرة أنه هو أحق الناس بالنبوة والقرآن وكان يقول «أينزل على محمد وأترك وأنا كبيـر قریش وسيدها!؟» وفي ذلك يقول القرآن الكريم ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (سورة الزخرف: 31). ولم ينزل من القرآن في رؤساء مثل ما نزل في رؤساء مخزوم... ولم تتمثل منعة قوم كما تمثلت منعتهم في ردود القرآن على أقوالهم مثل ما جاء في الآيات الكثيرة من سورة «ن» والمدثر والكافرون عدا إشارات أخرى في سورة الحجر وعبس وتولى .
من هنا نستشعر الحرص الشديد على تراث الآباء والموقف الصارم الذي وقفته مخزوم دفاعًا عن معتقدات الأجداد بدافع من مكانتهم العالية فهم يكيدون للإسلام ويتحدون الرسالة فكانت المصاولة بين الإسلام والجاهلية في وجه من وجوهها معاملة بين محمد عليه الصلاة والسلام وبين خالد ابن الوليد الذي انتهى إليه شرف الرئاسة المخزومية في ذلك الأوان... وهكذا تبرز مخزوم إلى صدر الصورة فنراهم بوضوح في جاهليتهـم قد توارثوا الثقافة العربية وتدارسوها وعرفوا أخبار الحكماء واقتبسوا عنهم، وجمعوا بين الثقافة العسكرية والثقافة السياسية كما وصلت إليهم من تراث الأقدمين من عرب وعجم وخاصة من كان منهم منوطًا لغيرة الحرب وقيادة القبيلة في غزواتها لخالد ومن صفاتها الشائعة حب السيطرة والصرامة والقسوة والاستزادة من المال والتفاخر بالغنى، وقد شاع فيهم التعامل بالربا والمغالاة في الأسعار ولم يترك خالد جمع ربا والده حتى أسلم، ومنهم من نزه الكعبة عن أن يدخل في بنانها أموال اختلطت بربا... واستكمالا للصورة المعروضة لا بد من ذكر ما قيل عن المخزوميات من أنهن رياحين العرب فلا عجب إذن أن نجد الإطار يحوي خالد بن الوليد وعمر بن أبي ربيعة فالفروسية والغزل بيئة واحدة تتعاون فيها البطولة والشاعرية والجمال وهكذا كان الحال قديمًا.
وقفة أخيرة قبل أن نأتي على نهاية هذا الفصل ننفــرد فيها بخالد لنرى أنه كان يمثل الوسط في مخزوم فلا نستطيع أن نقول إنه جمع أحسن خصائصهم وأسوأها، أو أنه مثال كامل لما كان عليه سادة مخزوم وقادتها لكننا نستطيع أن نقول إنه كان يمثلهم في خصالهم وخلائقهم الوسطى.
ونترقب منه نماذجها المشتركة لا غلو فيها فذاك إذن خاصة يتميز بها بين قرنائه... من هذا كله ندرك كيف دخل خالد الإسلام بأوفى نصيب من حمية السيادة العربية في عهد الجاهلية فصنع للإسلام وصنع الإسلام له الأعاجيب فكان مقياس العبقرية العربية في عهدين متقابلين.
عبد الرحمن إبراهيم