العنوان ملوك الآخرة- هو الصفة التاسعة عشرة: تكوين الأسرة الصالحة
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 24-يوليو-2010
مشاهدات 412
نشر في العدد 1912
نشر في الصفحة 59
السبت 24-يوليو-2010
تناولنا في المقال السابق الصفة الثامنة عشرة وهي «الإحساس والتأثر»، وتتناول اليوم الصفة التاسعة عشرة، وهي «تكوين الأسرة الصالحة».
بناء الأسرة الصالحة
حتى تكتمل أركان السعادة في حياة عباد الرحمن، لا بد من صحة الاختيار للمرأة الصالحة المتوافقة مع توجهه نحو الآخرة، مع بذل المزيد من الجهد لتربية أبنائه تربية صالحة، حتى ينتظم الجميع في العقد الرباني الثمين، ويعيش الجميع حياة ربانية سعيدة .. لذلك كان من صفات عباد الرحمن غلبة الهم، مع بذل الجهد لصياغة وتكوين الأسرة الصالحة، حيث يذكر الله تعالى هذه الصفة فيهم فيقول: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)﴾ (الفرقان).
يقول الإمام القرطبي: «وذلك أن الإنسان إذا بورك له في ماله وولده؛ قرت عينه بأهله وعياله، حتى إذا كانت عنده زوجة اجتمعت له فيها أمانيه، من جمال وعفة ونظر وحوطه، أو كانت عنده ذرية محافظون على الطاعة، معاونون له على وظائف الدين والدنيا، لم يلتفت إلى زوج أحد ولا إلى ولده، فتسكن عينه عن الملاحظة، ولا تمتد عينه إلى ما ترى، فذلك حين قرة العين، وسكون النفس »(١).
متى تقر العيون ؟
وقر العيون كناية عن السعادة وسكون النفس، والابتعاد عن الاضطراب والتوتر، وتمن ما عند الغير من الزوجات والأولاد، يقول الإمام الماوردي: «وفي قرة العين وجهان: أحدهما: أن تصادف ما يرضيها فتقر على النظر إلى دون غيره. والثاني أن القر البرد، فيكون معناه برد الله دمعها، لأن دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة، وضد قرة العين سخنة العين، قاله الأصمعي»(٢).
ولا شك أن اختيار الزوجة الصالحة من أكبر أسباب السعادة، وراحة النفس، وقرار العين التي أشارت إليه الآيات.. لذلك جاء في الحديث: «الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة» (۳).
يقول الإمام المناوي: «قال الحرالي: فيه إيماء إلى أنها أطيب حلال في الدنيا، أي لأنه سبحانه زين الدنيا بسبعة أشياء ذكرها بقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)﴾ (آل عمران )، وتلك السبعة هي ملاذها، وغاية آمال طلابها وأعمها زينة، وأعظمها شهوة النساء، لأنها تحفظ زوجها عن الحرام، وتعينه على القيام بالأمور الدنيوية والدينية، وكل لذة أعانت على لذات الآخرة فهي محبوبة مرضية لله. قال الطيبي: وقيد بالصالحة إيذاناً بأنها شر المتاع لو لم تكن صالحة. وقال الأكمل: المراد بالصالحة التقية المصلحة لحال زوجها في بيته، المطيعة لأمره (٤).
إذن فعباد الرحمن قبل دعائهم، وتضرعهم لله تعالى لزوجاتهم وأبنائهم قد اختاروا المرأة الصالحة لتعينهم على ما كلفهم الله من أجله وهو «العبادة»، لتحقق لهم أعظم سعادة في الدنيا وأعظمها في الآخرة.
ومقومات السعادة الأسرية
ولا شك أنهم مع توجههم بالدعاء يبذلون أسباب السعادة التي من أبرز مقوماتها:
- الاختيار الصحيح:
والناس يختارون الزوجات لأربع خصال: «للجمال، وللمال، وللحسب، وللدين»، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك»(٥).
يقول الإمام ابن حجر العسقلاني: « والمعنى أن اللائق بذي الدين والمروءة أن يكون الدين مطمح نظره في كل شيء، لاسيما فيما تطول صحبته، فأمره بتحصيل صاحبة الدين الذي هو غاية البغية» (٦).
والدلائل المرئية، بأن غالب الذين يتزوجون من أجل الجمال أو المال أو الحسب دون اشتراط الدين؛ تعتري حياتهم الزوجية الكثير من المشكلات والاضطراب.
قامت الكاتبة «ميسون فؤاد»، بإجراء تحقيق(٧) على شريحة من المطلقات، تبين بأن ٨٥ من حالات الطلاق وقعت في الزيجات التي تمت عن حب، و ١٥ منها وقعت في الزواج التقليدي، ولاشك أن زواج الحب في غالبه هو إعجاب بالشكل لا المضمون.
يقول الأستاذ المتخصص في شؤون المرأة والأسرة محمد رشيد العويد: «قالت إحدى الممثلات في زوجها الذي انفصلت عنه بالطلاق: لقد أحببت ابتسامته الجميلة، وأخطأت حين تزوجته كله »، هذه العبارة على قصرها تجمع فلسفة الاختيار، اختيار كل من الزوجين لزوجه الآخر، إنها – أي العبارة – شاهد عظيم للخطبة الإسلامية، وإدانة بليغة للأساس الخاطئ الذي اعتمدته الخطبات غير الإسلامية(٨).
٢ـ حسن المعاشرة:
يقول تعالى عن هذا المقوم الرئيس في السعادة الزوجية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)﴾ (النساء).
والمعروف كما جاء في اللغة هو: «النصفة، وحسن الصحبة مع الأهل، وغيرهم من الناس، والمنكر: ضد ذلك جميعه»(٩).وهذا يعني إعطاء حقوقها كاملة، كالابتسامة، والكلمة الطيبة، والتودد، والتزين لها كما تحب أن تتزين لك، والابتعاد بقدر الإمكان عن الجدل، والخلاف، والأذى باللسان واليد، وإعطاء كامل حقوقها الشرعية.
٣ـ الاستشارة لا التجاهل:
وإن من أبرز مقومات السعادة الأسرية، ألا يتفرد الزوج بالقرارات، وأن يبتعد عن المركزية، وألا تكون حياته مع زوجته حياة يسيرها بالأوامر العسكرية التي تقتضي الطاعة العمياء دون حق السؤال وإبداء الرأي، بل الأصل في هذه العلاقة الاستشارة، والمشورة في كل أمر خير.
الهوامش
(1) القرطبي محمد، تفسير القرطبي،٧/٤٧٩٨،ط، دار الثقافة.
(۲) الماوردي على، تفسير الماوردي،٣/١٦٨،طبعة الأوقاف الكويتية.
(۳) رواه مسلم (١٤٦٧)، كتاب الرضاع. (٤) المناوي عبد الرؤف، فيض القدير، ٣/٥٤٩،٥٤٨ .
(5) رواه البخاري، فتح الباري ۹(٥٠٩٠)، رواه مسلم(١٤٦٦) كتاب الرضاع.
( ٦) فتح الباري،٩/١٣٥ ، الطبعة السلفية.
( ۷) مجلة «القبس» الإلكترونية، العدد (١٢٨٥٢) بتاريخ ١١/٣/٢٠٠٩م
(۸) المرجع السابق.
(٩) ابن منظور، لسان العرب ٧٤٧/٢ دار لسان العرب.
(*) رئيس جمعية بشائر الخير الكويتية.