; التربية الأمنية في الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان التربية الأمنية في الإسلام

الكاتب د. فتحي يكن

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1981

مشاهدات 79

نشر في العدد 536

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 14-يوليو-1981

مع تنامي البعث الإسلامي في كل قارة ودولة ومدينة وقرية وحي وبيت، يحاول أعداء الإسلام أن يستجمعوا قواهم، ويسددوا ضربات شرسة لدعوة الإسلام ودعاته، لمن نذروا أنفسهم لله، ولبسوا أكفانهم واستعدوا للشهادة.

 إنها معركة الحق مع الباطل، مذ كان الحق وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. وإنها هجمة الباطل الجبان المدافع عن هياكله ورسومه وشعاراته وضلالاته قبل أن ﴿يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107)﴾ (طه: 105-107)، ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (الكهف:98).

لقد أصبح تيار الإسلام لجًّا هادرا يخيف سدنة معابد الجاهلية، ويثير الرعب في أروقة «الكرملين والبيت الأبيض» وفي كيانات الدول الاستعمارية الأخرى الشرقية والغربية وعملائها في كل أنحاء العالم...

 هذه حقيقة.. ولكنها حتى الآن، وإلى إن تكتمل حلقاتها، لابد لها من وعي وحذر وإعداد... فأعداء الإسلام لن يلقوا السلاح بسهولة، ولن يتراجعوا وينكفئوا حتى يفقدوا آخر أمل لهم في البقاء.. وسيتوسلون بكل مكر وخديعة.. وسيضربون بكل حقد وشراسة، شأنهم في ذلك شأن رؤوس الكفر، وزعامات الجاهلية في صدر الإسلام... ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)﴾ (التوبة:8-10).

مواجهة الظروف الصعبة

أما عن كيفية مواجهة دعاة الإسلام للظروف الصعبة فقد أرشد إليها القرآن الكريم وبينها الرسول المصطفى محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم... ويمكن تلخيصها بالنقاط التالية:

أولًا- الثبات:

إن أول مدة يحتاجها المؤمنون في مواجهة الظروف الصعبة هي الثبات مهما كان الثمن، لأن مجرد التفكير في النكوص والهروب خيانة للأمانة، وتفريط في جنب الله، فكيف بالوقوع فيها.. والشيطان له على النفس مداخل من هذا الباب لا تحصى.. فهو لا يفتأ يذكر بالأهل والولد والدنيا ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 175).

إن على الدعاة أن يدركوا أن نعيم الآخرة هو النعيم، وأن هذه الدنيا بكل أطايبها لا تساوي عند الله جناح بعوضة.. وعليهم أن يدركوا أنهم ميتون شاءوا أم أبوا، فليحرصوا على الشهادة، لأنها طريقهم إلى الجنة، ونزلهم الكريم عند الله.

ويكفي عزاءً لأهل الإيمان وهم على طريق الشهادة أن يذكروا أنهم جزء من القافلة المؤمنة الممتدة في عمق التاريخ منذ الخليقة والمعنية بقوله تعالى﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:23).

هذه القافلة لم يكن من شيمتها الجبن والخوف والهروب، لأنها كانت مستعلية بإيمانها فوق الحكام.. لقد استجابت لنداء ربها حين قال﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأنفال: 45)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (الأنفال:15).

 وحتى يتمكن المجاهدون من الثبات والاستمرار في الثبات، كان عليهم أن يفروا إلى الله بالعبادة الخالصة والذكر الخالي والدعاء الواثق، وأن يتقربوا إليه بالمجاهدة والمراقبة والإخلاص «فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب» ([1])، كما أن عليهم أن يكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منهم من عدوهم، فإن ذنوب الدعاة أخوف عليهم من عدوهم.

إن النفوس المربوطة بالملأ الأعلى، التي تعيش مع الله مستمدة منه العون والقوة والعزيمة والمضاء والعزة والإباء، هي نفوس ثابتة راسخة تستعذب الموت في سبيل الله.. وإليها أشار القرآن الكريم في كثير من آياته﴿إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت:30).

 وفي معرض التوجيه القرآني للمجاهدين، وللأسباب والخصال التي يجب أن يستكملوها في أنفسهم وفي جماعتهم ليتمكنوا من الثبات في مواقعهم والغلبة على عدوهم. وبعد أن يقول تعالى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأنفال:45) يتابع توجيهاته وتوصياته فيقول﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (الأنفال:46-47).

 وتطرح هذه الآيات الأسباب الحقيقية الكامنة وراء النصر والغلبة على العدو، والتي لا يمكن لجماعة مؤمنة أن تنتصر بدونها وهي:

1- طاعة الله ورسوله:

 فالجماعة المؤمنة يجب أن تكون حريصة على طاعة ربها وطاعة رسوله، تتحرى الحلال الطيب في كل شيء، وتجتنب الحرام الخبيث، وتلتزم في كل شؤونها وأحوالها بشرع الله دون أن تقدم بين يديه شرائع الهوى والطاغوت..

 إن هذه الجماعة هي المعنية بقوله تعالى﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب:36).

2- وحدة الصف:

والجماعة المؤمنة بقدر ما تكون حريصة على طاعة الله ورسوله بقدر ما تكون حريصة على وحدة الصف وتماسك كيانها ولُحمة أفرادها، إذ إن وهن النفوس وانحرافها هو السبب المباشر لوهن الصفوف وانقراضها.. والجماعة المؤمنة تبقى مستعصية على مؤامرات أعدائها قوية في مواجهتهم، كائنًا ما كانت شراستهم وضراوتهم ما لم يتشقق صفها، وتتفرق كلمتها، ويصبح بأسها بينها.. وعند تلك فقط تكون الطامة الكبرى التي يحذر منها رب العالمين حين يقول﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال:46).

3- الصبر:

وإذا كان الشرط الأول لثبات الجماعة المجاهدة هو الإيمان، فإن الصبر شطر الإيمان، وإن الصبر بالنسبة للمجاهدين معراجهم إلى الله وسبيلهم إلى النصر على أعداء الله.. فطريق المؤمنين شائك وعر، بل هو رهيب وخطير لا يمكن تجاوزه من غير صبر..

 وما يتعرض المؤمن فيه من بلاء حسي لا يخففه إلا الصبر..

 وما يصيب المؤمن فيه من نقص في الأموال والأنفس والثمرات لا يعوضه إلا الصبر..

 وما ينال المؤمن فيه من ضغوط نفسية وعائلية واجتماعية لا يخففها ويدفعها إلا الصبر والاحتساب، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له ...» ([2]).

ثانيًا- الإعداد والتربية الأمنية:

وإذا كان القرآن الكريم قد حفل بكثير من الآيات التي تحض المؤمنين المجاهدين على الثبات والاعتصام والتوكل والصبر ووحدة الصف، فقد جاء الحض في آية جامعة مانعة صريحة وواضحة على الإعداد بكل أشكاله ومستوياته وأدواته، حيث قال تعالى﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)﴾  (الأنفال:58-60).

والذين لا يقيمون وزنًا للإعداد الحسي واهمين بأن النصر يهبط من السماء، من غير تملك للأسباب وأخذ المسببات، هؤلاء أحد فريقين: أما أنهم جهلة ضالون يهرفون بما لا يعرفون، أو منافقون مضلون متآمرون على الإسلام والمسلمين.. وخاصة حين لا يكون التحدي بالكلمة والمنطق إنما بالقوة والعربدة..

 من المؤسف أن كثيرًا من الإسلاميين يعتقدون خطأ إن الإسلام لم يعطِ «الناحية الأمنية» أية أهمية في منهجه التربوي وفي تشريعاته التنظيمية.. ويفسر هؤلاء «الربانية والتوكل» تفسيرًا غريبًا، إذ يعرونها من الوسائط والأسباب التي يجب اتخاذها ابتداء بصرف النظر عن النتائج والاحتمالات.. وكأن الربانية والتوكل لها مفهوم «العفوية والتواكل» عند هؤلاء الذين لم يتعلموا شيئا من تجارب المكر بالإسلام على مدار التاريخ القديم والحديث..

 والذي يتتبع التشريعات والتوجيهات الإسلامية عبر الكتاب والسنة، ومن ثم السلوك الإسلامي من خلال السيرة النبوية، سترتسم أمامه صورة واضحة للجانب الأمني في الإسلام.

  • ما المقصود بـ"الأمن أولًا"؟

ونقصد بالأمن: «السياسة» التي ترسمها جهة من الجهات وحركة من الحركات في سبيل المحافظة على أمنها وأمن أفرادها وأجهزتها.. ويدخل ضمن هذا ويتلازم معه قيامها برصد الجهات والحركات الأخرى المناوئة لها، لمعرفة تحركاتها، وكشف نياتها، وبالتالي لتتمكن هذه الجهة والحركة من إحباط كل خطة مبيتة ضدها..

  • موقف الإسلام من حيث المبدأ

والإسلام من حيث المبدأ يحرص على الأخذ بأسباب الحيطة والحذر، وعلى عدم إلقاء النفس إلى التهلكة.

- ففي معرض تربية المؤمنين على الحذر يقول الله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ (المنافقون: 4)، ويقول: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة: 49)، ويقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ (النساء: 71).

- وفي معرض لفت المؤمنين إلى ضرورة كشف مكر أعدائهم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم".

- وفي معرض تحذير المؤمنين من استدراج العدو لهم، واستغلال سلامة القلب عندهم يكشف القرآن أساليب الأعداء فيقول﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ (التوبة:56).

- وفي معرض تربية المؤمنين على حفظ أسرارهم وعدم كشف أوراقهم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان".

ولقد كان سلوكه صلى الله عليه وسلم كذلك في كل الأعمال والمهمات الكبيرة والخطيرة.. فعندما عقد العزم على فتح مكة، أمر الناس بالاستعداد واستعان على أمره بالكتمان وقال: "اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها".

 [1] أخبار عمر: للطنطاوي.

[2] رواه أحمد في مسنده.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 83

93

الثلاثاء 26-أكتوبر-1971

غداً تشرق الشمس

نشر في العدد 185

141

الثلاثاء 29-يناير-1974

الصبر.. ضرورة لحياة الدعاة

نشر في العدد 241

115

الثلاثاء 18-مارس-1975

الابتلاء في سبيل الله