العنوان (المد الإسلامي بين التضاؤل والحيوية)
الكاتب عمر بهاء الدين الأميري
تاريخ النشر الثلاثاء 06-ديسمبر-1983
مشاهدات 69
نشر في العدد 648
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 06-ديسمبر-1983
المد الإسلامي بين التضاؤل والحيوية
بقلم الأستاذ: عمر بهاء الدين الأميري
يجد الباحثون أن المجتمع الإسلامي أضحى في الواقع مجتمعات عدة، تخضع لمختلف التأثيرات السياسية والفكرية والاجتماعية، في إطار العالم الكبير المصطرع المتخاصم، حتى عادت «دار الإسلام» دورًا مختلفة، تكاد كل منها تنحصر في إطاراتها الخاصة بها. على أن المعنى الإسلامي المستوعب بقي قائمًا بينها بشكل أخوة عزلاء متراخية، لا تمارس مهمتها في حياة الأمة الإسلامية.
فعالم المسلمين اليوم متباين سياديًّا: فيه دول مستقلة، ودول شبه مستقلة، تتأثر بالنفوذ الأجنبي في كثير من تصرفاتها، وفيه دول ما تزال تكافح بصبر وعزم وإيمان؛ لتنتزع سيادتها غلابًا من جبابرة المستعمرين، وفيه مجموعات إسلامية كبيرة أو صغيرة مصهورة في بواتق دول غير إسلامية.
وعالم المسلمين اليوم متباين سياسيًّا: في دول تدور في فلك الغرب علانية، ودول ذات ميول إلى هنا أو هناك، قد تظهرها حينًا وقد تسترها بدعوى الحياد، وقد يكون من الأصدق في هذا المجال أن أستعمل لفظ الحكومات بدل الدول؛ لأن الغالبية العظمى من الشعوب -على ما يبدو لي- تنزع بإخلاص وإيمان إلى الحياد الإيجابي بين المعسكرين، دون تمحيص في أنه ممكن في الواقع أو غير ممكن.
وعالم المسلمين اليوم متباين مذهبيًّا: في الأصول وفي الفروع: فأما في الأصول ففيه دول أو حكومات علمانية صرفة، كالجمهورية التركية، وجمهوريات المسلمين التابعة للاتحاد السوفييتي، وفيه دول إسلامية لا تعمل على أساس قومي كباكستان. ودول تنص دساتيرها على إسلاميتها وللقومية في حياتها العملية أثر كإيران وأفغانستان وإندونيسيا وسواها، وفيه دول تنص دساتيرها على الإسلامية وعلى القومية في وقت معًا، كبعض الدول العربية.
وأما في الفروع ففي عالم المسلمين اليوم فِرَق شتى ومذاهب مختلفة: ففيه أهل السُنة، والشيعة، والدروز، والنصيرية، وسواها، كما أن في البلاد العربية الإسلامية أقليات غير مسلمة تعيش مع المسلمين، لها ما لهم، وعليها ما عليهم.
فهل يستطيع إنسان بعد هذا الاستعراض المختصر لواقع عالم المسلمين البعيد عن حقيقة الإسلام ومناداته بالمسلمين «أمة واحدة» والذي لا يقتصر التباين فيه على عقائد الأفراد، ولا يجمد في إطارات تفكيرهم الشخصي؛ بل ينعكس في حياتهم كجماعات، ويتعداهم إلى الآفاق الواسعة في السياسة والاجتماع والاقتصاد - هل يستطيع إنسان مهما بلغ من الإحاطة والعلم أن يفرض لعالم المسلمين هذا، مجتمعًا واحدًا يبسطه على منصة الفحص، ويدرس تفاعله مع ماضي حياته وحاضر عصره، وتأثيره بالقيم الاجتماعية الحديثة، والأفكار المعاصرة التي تطل عليه من أرجاء العالم؛ بل تحاول أن تقتحمه وتتحداه في تخطيط ماكر، لتحويل حضاري شامل، فيخرج من كل ذلك بأحكام محددة ونظريات ثابتة، يبني عليها مناهج العمل، واثقًا مطمئنًا إلى علمية خطواته في مستقبل حياة المسلمين؟! إنني لا أعتقد ذلك الآن، ولا أستطيع ادعاءه لنفسي على الأقل. كما إنني لا أعتقد استحالته في ظروف قادمة قد تكون بعيدة العهد.
فاليوم هناك إذن مجتمعات إسلامية عدة قد تتقارب وقد تتباعد، أرضًا وسيادة وسياسة ومذاهب، ولكن ذلك لا يمنع من وجود عناصر أساسية مشتركة بينها، وخطوط كبرى يمكن رسمها في تحديد معالمها، والاعتماد عليها في دراسة اتجاهاتها العامة، دراسة يمكن أن تؤدي إلى أحكام مرنة، ولكنها ما تستند إليه من نظر في أعماق التاريخ، وتدبر أحوال الأمم وتمحيص سير الحضارات تقدمًا وقهقرةً، ركودًا وانبعاثًا، قد ترقى في جملتها إلى مستوى اليقين المجمل العام، دون تحديد لأسبابها وملابساتها، في هذه الحدود أبيح لنفسي أن أتابع معالجة الموضوع الذي نحن بصدده.
إننا كما يقول ابن نبي [1]: «لسنا بإزاء النظم؛ بل بإزاء العامل الإنساني، حين يعجز الناس عن استخدام عبقرياتهم للاستفادة من أرضهم وزمانهم»، فهل توقف مدى الروح الإسلامي بعد دفقاته الزاخرة بالحياة، في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم والخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-؟ أجل! لقد توقف إلى حد ما، أو بالأحرى أخذت حيويته بالتضاؤل شيئًا فشيئًا، قليلًا أو كثيرًا. لسبب أو لآخر، فلم يكن هذا التوقف في يوم من أيام التاريخ الإسلامي خلال القرون الأربعة عشرة توقفًا كاملًا، ولا كان هذا التضاؤل ضعفًا في هذا الروح عن الامتداد، ولا قصورًا عن مجاراة تطور الحياة، فما كادت المصادفة تسوق إلى الإسلام خليفة فيه بقية من روح الخلافة الراشدة في شخص عمر بن عبد العزيز، حتى عاد المد الإسلامي للظهور، وعادت الحكومة إسلامية حقيقية.
ولا يعدم تاريخ الإسلام أن يقدم أمثلة أخرى غير ابن عبد العزيز. والروح الإسلامي باقٍ رغم ما أصاب الإسلام من زعازع ونكبات: مقتل عمر وعثمان، وحروب عليّ ومعاوية، وتحول الخلافة إلى كسروية وقيصرية، وغزو التتر، ونكبة الأندلس، والحروب الصليبية، وانقراض الخلافة، وعلمنة تركيا، وفتك الاستعمار في العالمين العربي والإسلامي، وقيام إسرائيل، ومحاولة غزو مصر أخيرًا [2]، وغيره كثير مما لو تصدى للجبال لدكها، والمدنية العامرة لهدها.. لكن عالم المسلمين يواجه هذه الجائحات ثابتًا لم ينقطع عنه مدد الحياة، فلا يضعف إلا ليشتد، ولا يتراجع إلا ليندفع، لا تغادره فكرة تأدية رسالة الإسلام.
يقول البروفسور جب[3]: «إن الإسلام مازال في قدرته أن يقدم للإنسانية خدمة سامية جليلة، وليس هناك أية هيئة سواه، يمكن أن تنجح نجاحًا باهرًا في تأليف الأجناس البشرية، المتنافرة، في جبهة واحدة أساسها المساواة».
ومشكلة البشر الأساسية [4]«مشكلة النظرة إلى الحياة بالنسبة إلى مكانها من الوجود.. فهل الحياة منقضية بالموت أم خالدة مع الإنسان، وهل هي وجود ينتهي إلى عدم، أَم وجود معهد لوجود آخر؟
إن أكثرية المسلمين العظمي على اختلاف مجتمعاتهم تؤمن بالحياة الآخرة، وبوحدانية الله ورسالات أنبيائه، وبالقرآن الكريم، وتتعبد الله بلسانه العربي المبين، تعتز بالإسلام وأمجاده، وتحزن على ما نزل بالمسلمين من فواجع، وتتمنى رأب الصدع، وتشعر بحرارة الأخوة الإسلامية، رغم بُعد الديار، وتتأثر بالمُثل الإسلامية العُليا، وهذه معان ليست من ضآلة الشأن كما يظن، ولو أتيح لها من يروضها، وينفخ فيها من روح الرسالة الأولى؛ لصنعت في الكون عجبًا عجابًا، ما يحول دون ذلك إلا عوادي الزمن، واختلاف وجهات النظر، والتأثر بالأفكار المعاصرة، والقيم الاجتماعية الحديثة كالقومية والإنسانية والعالمية، والاشتراكية المادية والشيوعية، والعلمانية، والوجودية، وبعض الأفكار والنظم السياسية الأخرى، كالرأسمالية والنازية والفاشية، والدعوات التي تتنكر بأقنعة التعايش السلمي والحياد الإيجابي.
لقد لفتت أحداث أوائل القرن العشرين أنظار المسلمين إلى الغرب أكثر من قبل، فرأوا ألوانًا جديدة من الحياة، كما لفتت أنظار الغرب إلى أجزاء الإمبراطورية العثمانية المنهارة، فعملت دوله على بسط نفوذها عليها بالحماية والانتداب والاستعمار، وبدأ من هنا صراع من نوع جديد جعل حياة العالم الإسلامي ثورة إثر ثورة، تهدأ هنا لتبدأ هناك، ولم تستطع وسائل الاستعمار على براعتها في المكر والفتك أن تقضي عليها؛ لأن الحياة أقوى من الموت، والكرامة أبقى من الذلة، والحق أظهر من الباطل ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.( الإسراء: 81)
[1] مستقبل الإسلام ص ۳۲۱
[2] كان ذلك حتى عام ١٣٧٧ - ١٩٥٨ وقد أضيف إليه اليوم وأربي عليه نكبة الإسلام الكبرى بضياع فلسطين وسقوط القدس ومسجدها الأقصى بيد اليهود!
[3] في كتابه حيثما يكون الإسلام.
[4] مأساة العربي المسلم لبشير رفعت ص ۱۲
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل