; حصاد تجربتي.. الفنانة التائبة «شادية»: منذ ٢٠ عامًا ودعت ٥٥ عامًا من عمري أمام قبر الرسول صلى الله عليه وسلم | مجلة المجتمع

العنوان حصاد تجربتي.. الفنانة التائبة «شادية»: منذ ٢٠ عامًا ودعت ٥٥ عامًا من عمري أمام قبر الرسول صلى الله عليه وسلم

الكاتب د. محمود خليل

تاريخ النشر السبت 22-أبريل-2006

مشاهدات 60

نشر في العدد 1698

نشر في الصفحة 58

السبت 22-أبريل-2006

  • نجاحي الذي يراه الناس «منقطع النظير» يسبب لي اليوم ألمًا وندمًا منقطع النظير كذلك!!

  • بعد ١٠٠ فيلم وحوالي ٤٠٠ أغنية وأنجح المسرحيات على مدى ٤٠ عامًا.. أقول اليوم ليتها ما كانت!!

  • لم أجن غير الآلام والريبة والشك والجراح على المستوى الفني.. فقد كانت كل هذه الأضواء والشهرة الجنونية وهما وخيالًا.

  • التوبة ليست قرار المهزومين أمام القدر ولكنها قرار المبصرين لحقائق القدر.

  • والتوبة ليس تحطيما وتخريبا للحياة بل هي التعمير الحقيقي لها.

  • الشيخ الغزالي يجعلك ترى الإسلام من جديد.. والشيخ الشعراوي يجعلك تتذوق القرآن من جديد أقول للجميع سامحكم الله.. ونسألكم صالح الدعاء.

الفنانة الكبيرة «شادية»، كانت نجمة الجماهير ومعبودة الجماهير ومطربة المراهقين على مدى ٤٠ عامًا قدمت خلالها أكثر من ١٠٠ فيلم سينمائي وحوالي ٤٠٠ أغنية، ثم قدمت أنجح وأشهر المسرحيات العربية بوقوفها على المسرح عام ١٩٨٤م، لتقدم مسرحية ريا وسكينة.. التي دوى نجاحها في كل مكان.. ومن فوق قمة التألق والنجاح الفني، نزلت الفنانة شادية، إلى أرض الطاعة رافعة يديها إلى السماء دعاء ورجاء بعد أن وضعت يديها على الحقيقة الكبرى.

عدم الكلام أفضل ألف مرة فما فات من تاريخ فني طويل وعريض لا أحب أن أذكره على الإطلاق، وما بقي من أيام للطاعة لا أحب أن أفسده بالحديث عنه...

ويعجبني القول الطيب: 

فيا ليت الذي بيني وبينك عامر *** وبيني وبين العالمين خراب

  إذا صح منك الود. فالكل هين *** وكل الذي فوق التراب تراب

اللهم تب علينا إنك أنت التواب الرحيم اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سببًا لمن اهتدى.

والدي كان يعمل مهندسًا في التفاتيش الملكية، وقد ولدت في فيلا والدي بتفتيش الخاصة الملكية بأنشاص الرمل بمحافظة الشرقية في 8/11/1931م، وهي منطقة رائعة الجمال لدرجة أن الملك فاروق كان يلتقي فيها أمراء وملوك ورؤساء الدول الأجنبية... وكان أبي يملك صوتًا طيبًا وجميلًا، ثم انتقلت الأسرة إلى القاهرة، ودخلت إلى مدرسة شبرا الأميرية للبنات، وبدأت أتعلم الإلقاء في حصص المحفوظات، وبدأت أنال رضا وإعجاب المدرسين.

أقيم حفل عائلي في منزلنا حضره المطرب التركي منير نور، وكان مشهورًا آنذاك في تركيا، وكنت طفلة، فغنيت في الحفل أمام أسرتي، فتبناني منذ عام ١٩٤٦م، وبدأت أدخل عالم التمثيل في أفلام أزهار وأشواك.. والعقل في أجازه من إخراج أحمد بدرخان وحلمي رفلة، ثم جاءت بعد ذلك أفلام (أغلى من حياتي، ومراتي مدير عام، ومعبودة الجماهير)..

أتذكرها بكل حسرة وندم.. وأتمنى لو محيت من حياتي منذ أعلنت توبتي عام ١٩٨٦م... وهذا النجاح الذي يراه الناس منقطع النظير، يسبب لي ألمًا منقطع النظير كذلك..

لكنني مع هذا الندم.. أؤمن أن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، ولا تزال كلمات المرحوم الشيخ محمد متولي الشعراوي تملؤني بالرحمة حين قال لي هذه أول خطوة صحيحة في حياتك.... واطمئني فإن التوبة الصادقة، كما تفتح باب القبول، فإنها تبدل السيئات حسنات وكان الله غفورًا رحيمًا

اعتزلت وعمري ٥٥ عامًا تقريبًا. وكنت في قمة نجاحي الفني كما يقولون... ولكني زهقت و«مللت»، ووجدت نفسي  أدور في حلقة مفرغة، فما يعتبره الناس جميلًا وجديدًا ومبهرًا، لا يمثل أية قيمة بالنسبة لي.. وظلت هذه المشاعر تنتابني منذ أديت فريضة الحج عام ١٩٨٤م، وكانت هذه أول مرة أذهب فيها إلى الديار المقدسة في حياتي، فرأيت الدنيا كأني لم أراها من قبل.

نحو عالم جديد

إذا دخل نور الإيمان إلى القلب أنار الدنيا أمام عينيك، فرأيت على الناس والأشياء جمالًا ما كنت تراه من قبل.. لقد رأيت مكة أم القرى.. كان جبالها أزهى من جبال لبنان وجبال أوروبا، رغم أنها جرداء قاحلة لكنها تنطق بالجلال والجمال وتفيض بالرحمة.. والكعبة المشرفة التي اسميها بيني وبين نفسي حبة القلب.... كنت أراها كأن لها نبضًا ولسانًا وهي ترى الناس وتكلمهم.. لقد عدت وكلي يقين أنني خطوت خطوات جديدة نحو عالم جديد

أنا إنسانة مرهفة المشاعر والأحاسيس، وهكذا يجب أن يكون كل فنان وأتعبد الله تعالى بجماله وجلاله في كونه.. في السماء، في الجبال، في البحار والأنهار، في الطيور والفراشات...

هذه كلها شائعات لا تخرج إلا من أفواه الحاقدين على أهل الإيمان أو الراغبين في الشهرة والتشهير.. ولهم جميعًا نقول: سامحكم الله

حقيقة الحقائق.. هي أن تصل إلى الحقيقة الكبرى.. إلىمعرفة الله الواحد الأحد، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (الإخلاص)

وأن تدرك أن السعادة الحقيقية هي وضع القدمين على طريقة عز وجل، وأن طعم الحياة الحقيقي أن تجد المتعة واللذة في طاعته.. وأن تدرك أنك لا بد وارد عليه اليوم أو غدًا.. فأين تذهبون؟!.. والكرم الأكبر أن يضعك الله تبارك وتعالى بين مقام الخوف والرجاء، فتخشاه وتحبه في آن واحد.

الإسلام كله رحمة وجمال وحلاوة والذين يجعلون من الدين والتدين عيشًا ثقيلًا، لا يفهمون روح الإسلام ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107) والإنسان الراقي.. من المفروض أن يزيده الإسلام رقيًا، وذوقًا.. أرأيت أرقى من أن تكون البسمة في الإسلام صدقة! والكلمة الطيبة صدقة.. ونظرك الحسن في وجه الرجل السيئ النظر إليك صدقة؟! هل هناك جمال أروع أو أرفع من هذا!

لا يمكن أن يجد فراغًا من انشغل بطاعة الله ومرضاته.. فالمنشغلون بالله هم العاملون، والمنشغلون عن الله هم الخليون.

كنت كل ليلة بعد انتهاء عرض مسرحية ريا وسكينة، أذهب في هدوء إلى النيل.. وأظل وقتًا طويلًا أتأمل السماء... والبحر.. وسكون الليل.. وهدوء السحر.. وكان معاني الإبداع الإلهي تتألق أمام ناظري.. وتلوح من كل شيء في الأفق... كما بدأت أجلس إلى القرآن الكريم في جلسات تلاوة هادئة.. وكانت معاني القرآن تنساب إلى نفسي، وتتجلى على كل ما أراه من جمال حقيقي للكون.

ما أجمل أن تقرأ في كون الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الانشقاق: 17-18-19-20).

أو تقرأ قوله تعالى: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ (التكوير: 17-18-19-20-21).

أو تذوب خشوعًا ورجاء أمام قول الله U: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: 109-110).

هذه الآيات وغيرها.. بل كل آية وكل حرف في القرآن الكريم.. تجعلك تقول آمنت بالله.. فتعال الله الملك الحق

طوال حياتي.. لم أجن غير الآلام والريبة والشك والجراح على المستوى الفني.. فقد كانت كل هذه الأضواء والنجومية والشهرة الجنونية، وهمًا وخيالًاحين أتدبره الآن.

وعلى المستوى الشخصي، فقد فقدت شقيقي وجناحي في الدنيا طاهر ومحمد، وهما في ريعان الشباب.

وعلى المستوى الصحي.. أجريت عدة عمليات جراحية.. استغرقت إحداها ١٠ ساعات. 

ولكني أحمد الله تعالى أنني اعتزلت وأنا في قمة النجومية والتألق والشهرة.. وكان الناس.. حتى المقربون لا يصدقون ولكني كنت أصدق وأصدق أمام نفسي

التوبة ليست قرار المهزومين أمام القدر ولكنها قرار المبصرين لحقائق القدر.

التوبة ليست تحطيمًا ولا تخريبًا للحياة الدنيا. بل هي التعمير الحقيقي لها. ولكن لكل إنسان طريقته في القرب من الله.. والناس فيما يشتهون مذاهب.

كنت أشعر فعلًا بالوحدة رغم أن الدنيا كلها كانت حولي، وملايين المعجبين لكنكنت بيني وبين نفسي أشعر بالوحدة والوحشة وعدم الانسجام.

هذه هي أعظم مرحلة في حياتي على الإطلاق.

وعلام أقبل التكريم في أي مهرجان عالمي أو محلي على عمل ودعته وانتهى أمره بالنسبة لي؟! لذلك رفضت وأرفض أي تكريم من هذا اللون.

حقائق وشبهات

اسمي الحقيقي فاطمة أحمد كمال شاكر، اعتزلت الفن منذ عشرين عامًا تقريبًا، عام ١٩٨٦م، وتركت من عمري ٥٥ عامًا أمام قبر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.. في توبة أرجو لها عند الله القبول وندم أرجو به المغفرة.

بدأت منذ ذلك التاريخ أشعر بذاتي الحقيقية.. وأتواءم مع نفسي وأشعر بالراحة والسعادة والأمان وصفاء القلب وسكينة الروح.

أسأل كل أحبابي أن يدعو لي وان يحبوا لي الخير، كما أدعو لهم، وأحب الخير لهم جميعًا.

الشيخ الغزالي يجعلك ترى الإسلام من جديد، والشيخ الشعراوي يجعلك تتذوق القرآن من جديد.. والإسلام أصلًا كله صلاة لمن يقترب منه أو يحاول أن يتذوقه.

أري بدأت الرحلة، وأنا متوافقة فيها مع فطرتي حيث بدأت أسأل نفسي بصدق وماذا تجدي كل هذه الأضواء، وهذه الشهرة وهي عبارة عن ضجيج وصخب وملل وعالم مليء بالنفاق والدسائس والفتنة والنميمة والانتهازية والتكالب؟!

ثم بدأت أحرص على الصلاة.. وأتذوق معنى التوكل على الله.. ثم بدأت شيئًا فشيئًا أنسحب من صخب الوسط الفني وسهراته وهذيانه.

وفي أحد أيام الخير ومع صوت أذان الفجر صليت في هدوء وسكينة وفتح باب الرحمن الذي لا يغلق أمام أحد أبدًا والله هو الثواب الرحيم.

أقرأ في كل علوم الإسلام، فالفنان والفنانة الذي كان يحفظ دوره عن ظهر قلب، ويتقمص الدور كأنه هو أحرى به في ميدان الطاعة.. أن يعبد الله عن علم، وأن يحيا فرائض وشعائر الإسلام كأنه المخاطب بها وحده.

صداقات كثيرة.. بمجموعة من المخلصين من أمثال الأخت شمس البارودي والمرحومة الشاعرة علية الجعارة وياسمين الحصري. وسكرتيرتي السابقة عطيات وأنسي الأول والأخير بذكر الله .. ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: ۲۸).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

957

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة.. وحزيران

نشر في العدد 12

114

الثلاثاء 02-يونيو-1970

لقلبك وعقلك