العنوان منطلقات تربية البيت المسلم (٤) فهم طبيعة الصراع بين الحق والباطل
الكاتب أبو اليزيد العجمي
تاريخ النشر السبت 27-يوليو-2002
مشاهدات 22
نشر في العدد 1511
نشر في الصفحة 66
السبت 27-يوليو-2002
بعد عرض المنطلقين الأول والثاني من منطلقات تربية البيت المسلم، وهما كون الإسلام دين الله الذي ارتضاه للبشرية، وكون الإنسان مخلوقًا مسؤولًا، نعرض هنا المنطلق الثالث وهو : فهم طبيعة الصراع بين الحق والباطل.
منذ أن قضى الله – سبحانه - بنزول آدم وحواء وإبليس من الجنة تقرر الصراع بين الحق والباطل: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ (البقرة: 26).
وهذا الصراع معلن، ففي الوقت الذي ينبه فيه ربنا بني آدم لحقيقة العداء بقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (فاطر: 6)، نجد جرأة الشيطان وتوعده وإعلان العداوة: ﴿لَأَقعُدَنَّ لَهُم صِرَٰطَكَ ٱلمُستَقِيمَ ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّن بَينِ أَيدِيهِم وَمِن خَلفِهِم وَعَن أَيمَٰنِهِم وَعَن شَمَآئِلِهِم وَلَا تَجِدُ أَكثَرَهُم شَٰكِرِينَ ﴾ (الأعراف: 16 - 17).
بل إن القرآن الكريم يحكي مشهد خداع الشيطان والتنصل من المسؤولية في قحة بالغة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (إبراهيم: 22).
ومعرفة حقيقة الصراع بين الحق والباطل تقتضي معرفة قانون التعامل معه، ومعرفة كيف يكسب المعركة، ويظفر بالنصر في الدنيا، والجزاء في الآخرة: ﴿قَالَ ٱهبِطَا مِنهَا جَمِيعا بَعضُكُم لِبَعضٍ عَدُو فَإِمَّا يَأتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشقَى وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَة ضَنكا وَنَحشُرُهُۥ يَومَ ٱلقِيَٰمَةِ أَعمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشرتَنِيٓ أَعمَىٰ وَقَد كُنتُ بَصِيرا قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ ٱليَومَ تُنسَىٰ وَكَذَٰلِكَ نَجزِي مَنۡ أَسرَفَ وَلَم يُؤمِن بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦۚ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبقَىٰٓ﴾ (طه: 123 - 127)
وفهم قضية الصراع بين الحق والباطل، وأنه أزلي أبدي يقتضي أمورًا نذكر منها: أولًا: إن المعركة ليست بين الشيطان الجني والإنسان في كل أشكالها، بل هي بين كل حق وكل باطل، فقد يتبنى الباطل - بظلمه وخداعه وتوعده - شياطين من الإنس والجن، فتصبح المعركة بين حق يتبناه أولياء الله وحزبه، وباطل يتبناه أولياء الشيطان وحزبه، وبقدر خبث أولياء الشيطان تتنوع أساليبهم في الكيد لأصحاب الحق؛ إرهابًا مرة، وخداعًا أخرى، وترغيبًا في الباطل ونحوه، وكلها في النهاية صور من صور الصراع بين الحق والباطل.
وبقدر وعي المؤمن بهذه الأمور يكون احتشاده وتهيؤه بتحصين ذاته في عقيدته، وسلوك السبيل الذي حدده الله طريقًا للنصر: ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشقَىٰ﴾ (طه: 123)، واتباع هدى الله هو التزام الإسلام بكل ما جاء فيه من عقيدة، وعبادة ومعاملة وأخلاق، ليس فقط في الالتزام بها، لكن في الدعوة إليها؛ لأن الأمر به: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: 125)، متوجه إلى كل أفراد الأمة المسلمة وجماعتها.
ثانيًا: إن القاعدة في التغيير جهد الإنسان وجهاده: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)، وعليه فإن الطريق - لاتباع هدى الله الذي يحمي صاحبه من الضلال والشقاء - هو تغيير الإنسان نفسه؛ ليكون على سمت المؤمنين، كما وصفهم الله في كتابه، والتربية بكل انواعها هي الوسيلة إلى ذلك.
وكذلك الرغبة في إحداث تغيير في واقع الناس إلى الأحسن والأفضل، طريقة تربيتهم عبر وسائل التربية من تعليم وإعلام وثقافة وبيت ومؤسسة دينية وغير ذلك.
ثالثًا: الضنك الذي أشارت إليه الآيات من أنه جزاء من أعرض عن ذكر الله وهديه، مرض يعم مجتمعاتنا بعد أن لم تعد تتبع هدى الله، وتتحرى تحكيمه في حياتها، وهو ليس الفقر المادي أو العوز للحاجات، بل هو أخطر من هذا بكثير، إنه الضيق والتبرم والضجر، وقد فسره البعض بقوله: الضنك ضيق في الصدر، وعدم انشراح في القلب، وإن أكل الإنسان ما أكل، وشرب ما شرب، ولبس ما لبس، وسكن ما سكن.
فتأمل إن كنت تريد أن تنقذ نفسك من الضنك، وتنقذ غيرك من أثره، فليس أمامك سوى طريق واحد سلكه قبلك الرسل والمصلحون وهو الإسلام تفهمه، وتعمل به، تقدمه لكل الناس نقيًّا واضحًا.
رابعًا: قد يُرى الباطل وقد علا صوته، وانتفخت أوداج أصحابه، وزين الشيطان لهم عقاب من يتمسكون بالحق ويدعون إليه، ظنًّا منهم «أهل الباطل» أنهم بذلك يخلون الأرض من أهل الحق، إذا رأيت هذا فعليك أن تتذكر أن نهاية هذا الصراع سوف تكون لأصحاب الحق، إذا هم أخذوا بأسباب النصر مما أشرنا إليه، ومما تحتويه القاعدة العامة: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40)، ومما تبشر به الحقيقة القرآنية المسطورة في اللوح المحفوظ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات 171 -173)، وعليك كذلك أن تدرك أن ما يعانيه أصحاب الحق هو تمحيص لهم وإعداد، وحين يكونون على قدر التمكين يحقق الله لهم وعده الذي قررته الآيات: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (النور: 55).
وفي الطريق إلى أهلية التمكين، على المسلم أن يتسلح باليقين في وعد الله - سبحانه -، وأن يحذر مرضين يدخل بهما الشيطان على العاملين الذين يتعجلون رؤية ثمار عملهم، هما:
أن يستقل عمله؛ إذ الصواب ألا تستقل عملك ما دام هذا من جهدك، وما تستطيعه؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وإذا نظر الإنسان إلى عمله على أنه قليل لا يؤثر في الاقتراب من استحقاق التمكين، فإنه سيفتر عن العمل، وما أكبر هذه الخسارة.
أن تتعجل النتائج، وهنا عليك أن تدرك حين يسول الشيطان لك هذا المرض أن تعجل النتائج مخالف للإيمان بالقدر؛ لأن عليك أن تعمل وتخلص النية، أما ما يأتي بعد هذا، فليس لك فيه دخل، ولا عليك فيه حساب.
كما أن تعجل النتائج مخالف لطبائع الأشياء؛ لأن الضعف الذي أصاب المسلمين في العصر الحديث جذوره ممتدة إلى سنوات قد تعد بالمئات، فالطموح لإعادة الأمر إلى نصابه في سنوات لا تتجاوز خمس الزمن المشار إليه نوع من الإسراف في التفاؤل، وتحمس ينبغي أن يضبطه منطق العقل وفهم الواقع.
وليس المهم متى ترى ما تصبو إليه نفسك، لكن الأهم أن تعمل وتعمل ونصب عينيك: «إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن يغرسها فليغرسها».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل