العنوان منظمة التحرير والاتجاه الإسلامي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أبريل-1981
مشاهدات 87
نشر في العدد 524
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 14-أبريل-1981
منظمة التحرير لم تتبنَّ الفكر الإسلامي وبعض قيادييها حاربوه!
الاتجاه الإسلامي داخل المنظمة تعرض لمضايقات وعراقيل.
أبو إياد يقول: بأنه يعارض بقوة أن تكون فتح إسلامية.
حاول «المعتدلون» «واليمينيون» الاستعانة بالاتجاه الإسلامي ضد اليساريين.
عالم مسلم يقترح تشكيل كتيبة لتحرير الأقصى فاشترطوا عليه انخراط أعضائها في الحركة.
وضع العراقيل ضد الاتجاه الإسلامي انتقلت إلى المستوى النقابي والطلابي.
مسؤول فلسطيني تدخل لإبقاء طلبة فلسطينيين مسلمين في سجون باكستان.
العصر هو عصر الصحوة الإسلامية ومن لا يدرك ذلك فخسارته كبيرة.
لأن منظمة التحرير الفلسطينية تسعى/ فيما تسعى إليه لتحرير المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين، ولأن عملها- خاصة بعد انضمام المنظمات الفدائية لها- جماهيري لا ينطلق من مصلحة نظام أو حزب حاكم، فقد كان المتوقع والمأمول أن تركز قيادة المنظمة على حسن استثمار العامل الديني لدى جماهير الشعب الفلسطيني المسلم، ومن ورائه المسلمون في كل مكان، ولكن واقع الحال يشير إلى أن المنظمة استبعدت الإسلام كفكرة ومنهاج للعمل، ونشطت من منطلق «وطني» محض!
الآن هذا المنطلق الوطني لم يظل صافيًا؛ بل أصبح قوميًّا عربيًّا أحيانًا، وإقليميًّا وماركسية لينينية أو علمانية أو اشتراكية في أحيان كثيرة، ولم يقتصر الأمر على هذا الحد؛ بل وصل لدى بعض القيادات الفلسطينية وخاصة على صعيد العمل النقابي والطلابي إلى نصب العداء للاتجاه الإسلامي ومحاولة عرقلته، وفي الوقت الذي أخذ فيه المسلمون يتبينون أن الإسلام هو العاصم من كل ويلات المبادئ والأفكار والتجمعات الجاهلية، وأصبح الوقت هو عصر الصحوة الإسلامية تشبثت قيادة المنظمة بالوطنية الإقليمية، ولم تلق بالًا لمشاعر المسلمين وآمالهم، بل قام بعض كبار رجالاتها بتحدي مشاعر المسلمين والإساءة لقضاياهم.
فهل يستمر هذا الاتجاه أم يثوب أصحابه إلى الحق والخير والرشد؟!
نظرية استبعدت الإسلام
وقصة منظمة التحرير مع الاتجاه الإسلامي تبدأ من الناحية النظرية، فالمنظمة باعتبارها مؤسسة رسمية عربية أنشئت بقرار قمة عربي عام ١٩٦٤ حملت من سمات وصفات الأنظمة العربية آنذاك الشيء الكثير، يأتي في مقدمتها التركيز على المفهوم القومي العربي الذي استبعد أخذ الإسلام كمبدأ ومحرك للجماهير.
والذي يقرأ الميثاق الوطني يلاحظ كم نصيب الإسلام قياسًا للإقليمية أو الوطنية والقومية.
ولئن كان هيكل المنظمة قد تغير منذ أوائل السبعينات بسبب انخراط المنظمات الفدائية فيها، إلا أن استبعاد الفكر الإسلامي ظل متفقًا عليه، فمنظمة فتح التي يسيطر اتجاهها على المنظمة رفضت الالتزام الفكري عمومًا من أول يوم قامت فيه، وحسب رواية السيد سليم الزعنون أبو الأديب، فإن منظمة فتح منذ اجتماع الصليبخات في أوائل الستينات الذي حضره جورج حبش قد اتفق مؤسسوها على وضع الالتزام الفكري على الرف، وحصر التجمع على أساس التحرير الوطني، ومع ذلك فالمنظمة الآن تتنافسها اتجاهات متباينة ومبادئ مختلفة!
أما المنظمات الأخرى كالشعبية بكل انقساماتها والصاعقة وجبهة التحرير العربي وغيرها، فقد كانت صريحة في تبني الفكر الماركسي اللينيني أو القومي الاشتراكي، كما كانت في معظمها تنطق باسم أنظمة حكم عربية!
ولأسباب أخرى تتعلق بخلفيات كثير من قادة المنظمة، فلم تكن المنظمة في حملتها معنية بالفكر الإسلامي، بل كانت مؤهلة لمعاداته، بل إن مناهج التربية الثقافية والعسكرية كانت في معظمها تتجاهل الإسلام وتهزأ به!
وواقع حارب الاتجاه الإسلامي
ولكن الأمر لم يقتصر على الناحية النظرية، بل إن أصحاب الفكر الإسلامي والمتدينين عمومًا داخل منظمة التحرير واجهوا صعوبات ومشاكل كثيرة، وقد حاول أصحاب الفكر الإسلامي الاتجاه بحركة فتح أولًا والمنظمة ثانيًا نحو الالتزام بالإسلام، ولكنهم واجهوا مقاومة عنيفة من قيادات مشهورة، وبعد سلسلة مواجهات ومناقشات تخللتها تهديدات ومضايقات انقسم الاتجاه الديني داخل حركة فتح بالذات إلى قسمين رئيسيين؛ أحدهما آثر العمل من خلال التنظيم وآخر آثر العمل من خارج الحركة. وفي حوار مع أحد هؤلاء قال: بأن صلاح خلف «أبو إياد» قال في أحد المناقشات: إنني لا يمكن أن أسمح بأن تكون فتح أو المنظمة إسلامية.. وهو نفسه الذي قال مثل هذا فيما بعد خدمة للنظام السوري الذي يسوم المسلمين هناك سوء العذاب!
وعلى إثر الغزو الروسي لأفغانستان المسلمة لم يستحِ بعض أكابر المنظمة من تأييد الغزو بشكل مباشر، أو بالتقليل من أهمية المشكلة الأفغانية من خلال إشغال الرأي العام بالإجابة على سؤال هم لا يؤمنون به وهو من أكثر أهمية القدس أم کابل؟!
وعلى الرغم من إيمان السيد ياسر عرفات بالمثل الشعبي «كل عرس له قرص» وتطبيقه في كثير من الأحيان، إلا أنه لم يتورع في مؤتمر الطائف بحضرة ممثل المجاهدين الأفغان عن الإشادة بالصداقة الروسية ودور الاتحاد السوفييتي في دعم الثورة الفلسطينية!
إصرار على التوجيه
وقصة العمل الفلسطيني مع الاتجاه الإسلامي لا تقف عند هذا الفصل، ففي أثناء احتدام الحرب اللبنانية الشرسة ضد الوجود الفلسطيني والإسلامي في لبنان؛ حاول بعض العلماء المخلصين تشكيل كتائب لتحرير الأقصى بالتعاون مع حركة فتح المسيطرة في منظمة التحرير، على أن يكون لهذه الكتائب استقلالها في التوجيه التربوي والمعنوي، ولكن هذا المطلب رفض بإصرار من قبل مسؤولي الحركة؛ مما اضطر الشيخ حسن أيوب إلى التوقف عن المضي في هذا السبيل.. إذ كيف يجمع الشباب على أساس الجهاد في سبيل الله، ويسلم قيادهم لمن يربونهم على غير الإسلام؟!
وفي بعض دول الخليج العربي وعندما شعر «اليمينيون» «والمعتدلون» في المنظمة بخطر اليساريين من المرتبطين مباشرة ببعض أنظمة الحكم العربية، عرض هؤلاء على الاتجاه الإسلامي العمل معهم للحفاظ على المنظمة من اليسار، وقد وافق الاتجاه الإسلامي على مبدأ التعاون، ولكن بشرط الاستقلالية في التربية والتوجيه، فرفض الطلب وآثر كلٌّ أن يسير في طريقه.
وفي لقاء سابق لنا مع السيد خالد الحسن عتب الرجل عتبًا كبيرًا على عدم استجابة الاتجاه الإسلامي لعرض المنظمة، والسبب في ذلك يعود إلى أن المنظمة تعاني من التجمعات والاتجاهات، وليست بحاجة إلى إضافة اتجاه جديد؛ يعلمون بالطبع خطورة امتداده وانتشاره
میدان آخر
ويبدو أنه بسبب محاولة الاتجاه الإسلامي من داخل منظمة التحرير الاتجاه بالمنظمة نحو الإسلام والإصرار على الاستقلالية من جهة، وعدم استجابة الاتجاه الإسلامي لعروض المنظمة بالانخراط فيها، مع التخلي عن الهوية المستقلة قد حمل الاتجاه المجافي للحق إياه بقطع الطريق على الاتجاه الإسلامي ومحاولة عرقلته، وبسبب خطورة المواجهة والصريحة يبدو أنهم اختاروا ميدانًا آخر هو مجال العمل الطلابي والنقابي.
ففي فلسطين المحتلة وفي غزة بالذات رفع الشيوعيون واليساريون عمومًا راية الحرب على الصحوة الإسلامية، حاملين سيف منظمة التحرير والهلال الأحمر الفلسطيني، ووصل الأمر إلى حد تأليب السلطات اليهودية ضد الشباب المسلم بدعوى التخريب والفوضى!
وعلى المستوى الطلابي استخدم الاتجاه المعادي للحق اتحاد طلبة فلسطين بصورة مباشرة أو غير مباشرة للاعتداء على اتحاد الطلبة المسلمين في أكثر من قطر عربي أو إسلامي.
ولعل أسخن الساحات كانت ساحة الباكستان وإيطاليا.
في الباكستان، قام بعض أفراد اتحاد طلبة فلسطين بالاعتداء على مقر اتحاد طلبة فلسطين أو بعض أعضائه على مدار السنوات الخمس الماضية، في كل من لاهور وحيدر آباد وبيشاور وفيصل آباد.
وفي أحد هذه الاعتداءات تدخلت منظمة التحرير رسميًّا بشخص مدير مكتبها آنذاك السيد أحمد الفراء، وتم استصدار بيان عام 1975 وقع عليه ذو الفقار علي بوتو بفصل (۳۸) طالبًا فلسطينيًا من أعضاء اتحاد طلبة فلسطين، على الرغم من أنهم كانوا هم المعتدى عليهم.
وفي حادثة أخرى تدخل أحمد الفرا لدى السلطات الباكستانية للإفراج عن المعتقلين من اتحاد طلبة فلسطين المعتدين، وإبقاء المعتدى عليهم من أعضاء الطلبة المسلمين.
وفي سبيل إغراء السلطات الباكستانية بملاحقة الاتجاه الإسلامي دبروا مكيدة تم فيها اعتقال رئيس اتحاد الطلبة المسلمين في حيدر أباد لعدة أشهر بتهمة الإساءة للعلاقات العربية- الباكستانية.
وفي أوائل العام الحالي تم بتدخل المنظمة فصل خمسة طلاب في المراحل النهائية في الطب والهندسة.
ملة واحدة
وفي إيطاليا تم التحالف بين بعض المتآمرين من أعضاء اتحاد طلبة فلسطين وأعضاء أحزاب سياسية موالية لبعض أنظمة الحكم العربية ضد اتحاد الطلبة المسلمين هناك، وقد وصل التحريض والتعاون مع الحزب الشيوعي الإيطالي إلى حد إحراق سيارة رئيس الاتحاد، وقيام الشرطة الإيطالية باعتقال عدد من أعضاء اتحاد الطلبة المسلمين.
ففي شهر يونيو من العام الماضي مثلًا قام حوالي عشرين طالبًا من الاتحاد العام لطلبة فلسطين والسوريين العملاء للنظام الحاكم وبعض الكتائبيين بالهجوم على عدد من أعضاء اتحاد الطلبة المسلمين، وهم في مطعم الطلبة بمدينة تورينو أصيب على إثرها عدد من الطلبة المسلمين إصابات بالغة.
وقد تكررت مثل هذه الاعتداءات في كل من روما وبيروجيا وميلانو وجنوة وباتمان وغيرها من المدن الإيطالية التي يقطنها الطلبة المغتربون.
وقد كانت التهمة الموجهة ضد ذوي الاتجاه الإسلامي دائمًا بأنهم من الإخوان المسلمين، وأنهم عملاء «للإمبريالية والرجعية» وأضافوا أخيرًا بأنهم عملاء لكامب ديفيد.
ومن عجب أن يقرأ المرء في نشرة اتحاد طلبة فلسطين في الكويت في الشهر الماضي التهمة إياها موجهة إلى الشباب المسلم الفلسطيني الذين شكلوا الرابطة الإسلامية لطلبة فلسطين، ومعروف أن اتحاد طلبة فلسطين هو أحد الأدوات التي تواجهها منظمة التحرير الفلسطينية، مما يومي بأن معاداة الاتجاه الإسلامي بين الفلسطينيين لم تقتصر على بعض الجهلة من الحزبيين أو العلمانيين، بل إن هذا التوجه بات يُخشى أن يكون توجهًا عامًا لدى القيادات الفلسطينية.
والذي يأمل المسلمون من منظمة التحرير أن تفعله في هذا الصدد أن تعلن أولًا التزامها بعقيدة الأمة كفكرة وحركة وجهاد، وأن تعمل على تنقية صفها القيادي من المتمسلمين المعادين للحق. ومن باب النصيحة، فإن العصر هو عصر الصحوة الإسلامية، وما لم تنسجم المنظمة مع هذا الواقع؛ فإن خسارتها ستكون كبيرة وفادحة، وذلك أن الخسارة هنا ليست خسارة في معركة مع عدو؛ بل هي خسارة جماهير الشعب المسلمة التي تتطلع لرفع راية لا إله إلا الله وتحرير فلسطين كاملة وجميع أراضي المسلمين المغتصبة.
وحتى لو آثرت المنظمة أن ترفع الشعار الوطني؛ فليس من مصلحتها أن يتمكن بعض الحاقدين على الإسلام من استخدام سيفها لمحاربة حملة العقيدة، أو للسخرية من مشاعر المسلمين، وعلى أية حال فالأيام القادمات ستكشف إذا كان العقل هو الموجه أم الفوضى والسطحية والارتجال.