; منظمة التعاون الاقتصادي وصراع النفوذ بين تركيا وإيران | مجلة المجتمع

العنوان منظمة التعاون الاقتصادي وصراع النفوذ بين تركيا وإيران

الكاتب رأفت يحيى العزب

تاريخ النشر الأحد 08-مارس-1992

مشاهدات 50

نشر في العدد 992

نشر في الصفحة 22

الأحد 08-مارس-1992

  • فاجأت إيران الحضور بإعلانها عن تأسيس منظمة جديدة تضم الدول التي تطل على بحر الكاسبيان ثم كونت منظمة للدول الناطقة بالفارسية

    إسلام آباد- رأفت يحيى العزب

    شكل الاستقلال المفاجئ لجمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز نقطة تحول هائلة في مستقبل دول المنطقة عمومًا. فقد جاء هذا الاستقلال ليعيد رسم الخريطة السياسية والاقتصادية والأيديولوجية في المنطقة، ويسهم في بروز مناطق نفوذ جديدة وتكوين تحالفات ومنظمات إقليمية ذات أهداف وتطلعات مختلفة، وهذا يفسر الاهتمام الخاص الذي توليه قوى دولية وإقليمية بهذه المنطقة.

    والذي يعزز الجانب الإقليمي من وجهة النظر هذه نشأة ثلاث منظمات إقليمية جديدة خلال الفترة القصيرة الماضية، وهذه المنظمات الثلاث هي منظمة التعاون الاقتصادي للدول المطلة على البحر الأسود، ومنظمة الدول المطلة على بحر الكاسبيان، ومنظمة التعاون للدول المتحدثة بالفارسية، بالإضافة إلى اتساع قاعدة منظمة دول التعاون الاقتصادي التي كانت تقتصر في الماضي على تركيا وباكستان وإيران ليضاف إليها أوزبكستان وتركمانستان وأذربيجان كأعضاء دائمين، وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وقبرص التركية كأعضاء مراقبين بالإضافة إلى أفغانستان التي مثلت بالمجاهدين.

     

    أهمية هذه المنظمة

    وتكتسب هذه المنظمة الأخيرة أهمية خاصة في أنها تغطي مساحة جغرافية كبيرة تمتد لمسافة 3000 ميل من منطقة البلقان غربًا وحتى جبال الهملايا على الحدود الصينية شرقًا ويسكنها ما يقرب من 250 مليون من البشر تربطهم علاقات عقيدية وحضارية وتاريخية كما تجمعهم تحديات أمنية واقتصادية مشتركة.

    وقد تأسست منظمة التعاون الاقتصادي عام 1964 بين باكستان وتركيا وإيران بهدف التعاون بين الدول الثلاث في المجال الاقتصادي والثقافي إلا أنه مع وقوع الثورة الإيرانية عام 1976 دخلت المنظمة مرحلة من الجمود لأكثر من ست سنوات. لكن المنظمة لم تلبث أن استعادت نشاطها من جديد خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وبروز نظام عالمي جديد أحادي القطبية يشكل فيه الجانب الاقتصادي أولى اهتماماته بعد تراجع السباق العسكري عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. وقد أحرزت المنظمة أولى نجاحاتها في مايو من العام الماضي، عندما عقد المجلس الوزاري للدول الأعضاء بالمنظمة اجتماعه بطهران وقرر إقامة بنكًا للتنمية والاستثمار لتمويل المشاريع الخاصة بالمنظمة، وسعيًا من جانب المنظمة لتحقيق مزيد من التعاون بين الدول الأعضاء، وقد تلا اجتماع طهران الماضي بعدة أشهر اجتماع آخر في أنقرة بتركيا وقد تقرر في هذا الاجتماع منح عضوية المنظمة لثلاث جمهوريات في آسيا الوسطى هي أذربيجان وتركمانستان وأوزبكستان.

    وجاء اجتماع وهران الأخير الذي عقد في السادس عشر والسابع عشر من فبراير الماضي ليشهد مزيدًا من الأعضاء الجدد فكان انضمام كازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وقبرص التركية كأعضاء مراقبين بالإضافة إلى أفغانستان التي مثلها البروفيسور برهان الدين رباني.


    الصراع بين تركيا وإيران

    وعلى الرغم من أن قادة الدول الأعضاء في المنظمة قد أكدوا خلال اجتماعهم الأخير بطهران على ضرورة اتخاذ الخطوات العملية اللازمة للارتقاء بالمنظمة تجنبًا لأي فشل وبدلًا من أن تصبح اجتماعات المنظمة مجرد لقاء سنوي خال من أي مضمون باستثناء تبادل السلامات والتحيات على عادة أغلب المنظمات الإسلامية الأخرى إلا أن لقاء طهران الأخير قد كشف عن عدد من المفاجآت الهامة التي سيتحدد على أساسها- إلى حد كبير- مستقبل المنظمة. لقد أتاحت قمة طهران الأخيرة فرصة جديدة لهاشمي رافسنجاني رئيس إيران الذي التقى برؤساء كازاخستان وتركمانستان وأذربيجان أثناء انعقاد المؤتمر واتفق معهم على تأسيس منظمة جديدة تضم الدول التي تطل على بحر الكاسبيان وهذه الدول هي «روسيا الفيدرالية- كازاخستان- تركمانستان- أذربيجان وإيران» وقد وصف هذا التحرك الإيراني- الذي يشكل مفاجأة لأغلب الوفود- بأنه يمثل ضربة قاسية لمستقبل منظمة التعاون الاقتصادي التي ستتضاءل أهميتها بكل تأكيد أمام هذا الشرخ الذي أحدثته إيران بينما كانت وقائع جلسات منظمة التعاون الاقتصادي ما تزال منعقدة، وإن كان رافسنجاني قد علق على هذا التطور الجديد الخاص بمنظمة دول بحر الكاسبيان على أنه فكرة قديمة كانت تخطط لها طهران منذ فترة إلا أن توقيت الإعلان عن المنظمة الجديدة يعكس بوضوح نوايا إيران تجاه المنظمة.

    والأكثر من ذلك أن إيران قد اتجهت أيضًا إلى تكوين منظمة أخرى تحت اسم الدول المتحدثة بالفارسية بحيث تضم إيران وطاجيكستان وأفغانستان التي مثلها البروفيسور رباني في الاجتماع التأسيسي للمنظمة الجديدة في طهران.

    لكن الذي يتفق عليه أغلب المراقبين المحايدين هو أن التحرك الإيراني سواء على مستوى منظمة الدول المطلة على بحر الكاسبيان أو منظومة الدول المتحدثة بالفارسية يسير في اتجاه مواجهة النفوذ التركي في آسيا الوسطى والذي يحظى بتأييد كبير سواء على مستوى الغرب الذي يرى أن تركيا العلمانية يمكن أن تكون نموذجًا مقبولًا في مواجهة إيران الأصولية كما أن العديد من الأنظمة في المنطقة تؤيد هي الأخرى تركيا على إيران التي تزايد نفوذها بعد حرب الخليج الأخيرة. والأكثر من ذلك أن أغلب جمهوريات آسيا الوسطى بما في ذلك أذربيجان ذات الأغلبية الشيعية يفضلون تركيا على إيران نظرًا للعلاقات التاريخية والعرقية المشتركة وفي هذا الصدد يقول تورجوت أوزال رئيس جمهورية تركيا إن الروابط الحضارية العميقة والتاريخ المشترك والجذور العرقية القوية مع جمهوريات تركمانستان وقرغيزستان وكازاخستان وأوزبكستان والنظام العلماني الذي تتبناه بلاده والسياسة الاقتصادية القائمة على النهج الرأسمالي تجعل من بلاده الخيار الأنسب لجمهوريات آسيا الوسطى.

    إن تركيا وهي تؤكد على علمانية نظامها الحاكم تضع في اعتبارها أن جمهوريات آسيا الوسطى على المستوى الحاكم على الأقل لا يمكن أن تنتقل مباشرة من نظام شيوعي خالص إلى نظام أصولي بمفهوم الغرب.

    إن تركيا وإن كانت غير قادرة في المرحلة الحالية على المساهمة في بناء جمهوريات آسيا الوسطى، إلا أن ذلك لا يعني أنها ستتنازل عما تعتبره امتدادًا طبيعيًا لتركيا الأم التي كونت تركستان الكبرى والتي كانت تضم آسيا الوسطى وتركستان الشرقية التي ما زالت تحتلها الصين إلى اليوم والتي تعرف حاليًا باسم سنكيانج.

    لقد عكس لقاء طهران الأخير عمق التنافس بين إسطنبول وطهران حول مشاركة قبرص التركية بمنظمة التعاون الاقتصادي عندما أصرت إيران على الاكتفاء بمنح قبرص عضوية مراقب لتجنب النفوذ التركي الواضح في المنظمة.

    والسؤال الذي يطرح نفسه هو إلى أي مدى يستمر الصراع والتنافس بين تركيا وإيران وكيف سيكون مستقبل منظمة التعاون الاقتصادي في ظل هذا التنافس؟

    إن الضحية الأولى لأي انهيار للمنظمة لا قدر الله- ستكون جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية أولًا، وهذا ما دفع رؤساء بعض جمهوريات آسيا الوسطى إلى البحث عن البدائل المناسبة من الآن دون أي اعتبار لعقيدة أو تاريخ أو أي روابط أخرى مثلما حدث مع نزاربايف رئيس كازاخستان الذي يسعى جديًا للانضمام إلى المجموعة الأوروبية الاقتصادية واهتمامه بإقامة علاقات مع الهند والصين وغيرها.

    فهل يعي ذلك زعماء دول المنظمة والمخاطر الجسيمة التي يمكن أن تنجم عن فشل المنظمة؟


    آسيا الوسطى

    النزاع على قر باغ وأبعاده الدولية

    نبيل شبيب

    ينذر القتال الدائر على «قر باغ» المقاطعة الجبلية ذات الأغلبية الأرمنية وسط أراضي أذربيجان الإسلامية بالتحول إلى صراع واسع النطاق، لا تقف حدوده عند المقاطعة نفسها، بل لا يستبعد أن يصبح بداية صراعات أشد تعصف بالمنطقة الإسلامية الحديثة الاستقلال، وتجعلها أسهل منالًا في إطار صراع النفوذ الدولي والتنافس الإقليمي عليها.

    ومن المعروف أن التقسيمات الإدارية التي صنعها العهد الشيوعي، ورافقتها عمليات التهجير والتوطين لشعوب بأكملها، قد أسفرت عن أوضاع شاذة وحدود متداخلة تشكل في حد ذاتها أسبابًا للنزاع الآن بعد أن أصبحت حدودًا «دولية» باستقلال الجمهوريات وفق آخر صورة من صور التقسيمات الإدارية السوفيتية لها. وعندما انفجرت الأحداث في أذربيجان على صورة المطالبة بالاستقلال عن موسكو قبل أربعة أعوام، وتطورت إلى صدامات عسكرية بين أذربيجان وأرمينيا، لم يتردد غورباتشوف آنذاك في إرسال قوات الجيش الأحمر لتقتحم باكو وتقضي على الاضطرابات فيها، تحت عنوان إنهاء النزاع بين الفريقين، وما أن استتب استقلال الجمهوريات حتى سارع الأرمن في قر باغ بدعم من أرمينيا إلى استغلال وضعهم الإداري كمقاطعة بحكم ذاتي، وإعلان الاستقلال من جانب واحد عن أذربيجان وتجديد المطالبة بالانضمام إلى أرمينيا..

    فكان لا بد من اندلاع القتال مجددًا، إذ لا يمكن لأذربيجان القبول بنشوء جيب أرمني داخل أرضها فضلًا عن أن المبدأ الرئيسي الذي قامت عليه رابطة الدول المستقلة هو «تثبيت الحدود الراهنة»، وعدم تغييرها بالقوة، وهذا من الأسباب التي تجعل أرمينيا تؤكد من الناحية الرسمية على أنها لا تعتبر النزاع في قر باغ نزاعًا على الأرض وإنما هو نزاع لتطبيق حقوق الإنسان ولكنها تقدم الدعم المكثف للأرمن في قر باغ الذين يطالبون بالاستقلال.

    ولكن النزاع الدائر تجاوز هذا الجانب الإقليمي وأصبح مرتبطًا بمواقف أكثر من جهة دولية وإقليمية لا سيما روسيا بالإضافة إلى القيادة العسكرية للقوات السوفيتية التي لم يتحدد مصيرها بعد، ومن أسباب انزعاج القادة العسكريين ومن ورائهم موسكو قرار حكومة مطاليبوف في أذربيجان تكوين جيش مستقل مثل أوكرانيا ومولدوفا ورفض الانضمام إلى قوات مشتركة بقيادة موحدة لرابطة الدول المستقلة وقد بدا أثناء مؤتمر القمة الأخير للرابطة في مينسك أن القوات السوفيتية «الروسية» تدخلت في القتال وقيل آنذاك أن التدخل كان من جانب الفرقة رقم 96 المرابطة في أذربيجان، بدعوى أنها تمردت فقامت بهجوم على مدينة فادشالي الأذربيجانية بالمدفعية والمروحيات ولكن الأنباء بدأت تتواتر بتدخل عسكري مقصود بما يتناقض مع الموقف الرسمي للقيادة العسكرية في موسكو وقول القائد العام شوبوشنيكوف إنه حريص على عدم تورط القوات التابعة لقيادته في المعارك الدائرة ومن ذلك ما نشره التليفزيون المركزي عن تدخل الفرقتين 81 و366 في المعارك مستخدمة الدبابات والمصفحات كما نسبت صحيفة الحياة إلى جنود روس في المنطقة قولهم لمراسلها إن القيادة في وحدتهم العسكرية كانت توجه الأوامر في كل ليلة للهجوم بالمدرعات على المواقع الأذربيجانية ونسبت إلى صحفي أرمني مستقل قوله إن الجيش الروسي يزود الأرمن بالأسلحة الخفيفة والثقيلة والعتاد الحربي وتلتقي المصادر الأذربيجانية مع بعض الصحف الروسية في القول إن التدخل الروسي من الأسباب الرئيسية التي حالت دون السيطرة على الوضع في قر باغ حيث لا يستطيع الأرمن بقوتهم المحدودة فيها فرض أنفسهم ومهاجمة المدن الأذربيجانية دون دعم خارجي مكثف وصدر يوم 23/ 2/ 92 الأمر الرسمي في موسكو بإطلاق النار للدفاع عن النفس فقط.

    ويعزز صحة الأنباء عن التدخل الموقف الرسمي في موسكو حيث ظهر التخوف من ازدياد حجم التعاون بين تركيا وأذربيجان علاوة على الرغبة الروسية في الهيمنة في المنطقة وكان النزاع التركي- الأرمني القديم قد أثَّر على الموقف التركي على ما يبدو فحشدت حكومة أنقرة- رغم سعيها للتعاون مع أرمينيا وروسيا- حشودًا عسكرية على الحدود مع أرمينيا وأثار ذلك استياء واشنطن أيضًا مما عبرت عنه المصادر الأميركية بشكل صريح، فسارعت تركيا إلى نفي وجود الحشود العسكرية، وأكدت على عدم انحيازها لأي طرف في الصراع الدائر، وعرضت وساطتها على الجانبين ولكنهما امتنعا عن الموافقة عليها.

    ولم يكن النجاح حليف محاولة بذلها وزراء خارجية أذربيجان وأرمينيا وروسيا لوقف إطلاق النار وتشكيل لجنة عمل ثلاثية تعد المفاوضات من أجل حل سلمي للنزاع. إذ ما لبث القتال أن استؤنف فور انفضاض الاجتماع. ويلفت النظر أنه إلى جانب الموقف الروسي ولا سيما العسكري المؤيد لأرمينيا فإن وكالتي الأنباء الروسيتين إنتر فاكس وإيتار- تاس دأبتا في الأيام الأخيرة على نقل أخبار القتال الدائر على شكل «هجوم أذربيجاني.. ورد فعل أرمني».. ويبدو أن المواقف الروسية والأميركية والتركية التي لم تنقطع عن التحذير من نفوذ إيراني في المنطقة، أدت إلى مفعول معاكس، ربما ساهم فيه حرص إيران على علاقات جيدة مع موسكو خففت من حدة موقفها تجاهها، فقد طلب وزير الخارجية الأرمني من طهران التوسط في النزاع، وما إن عرض وزير الخارجية الإيراني علي أكبر ولايتي استعداده لزيارة البلدين، حتى أعلنت أذربيجان أيضًا موافقتها على القبول بالوساطة الإيرانية.

    ومن المستبعد أن تجد مطالب الأرمن في قر باغ بصدد إرسال قوة دولية إلى المنطقة استجابة ما حاليًا شأنها في ذلك شأن جهود مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي الذي أرسل وفدًا برئاسة شفارتسنبيرج ولكن صدر التصريح بالتأكيد على أن مهمته لا تتجاوز جمع المعلومات المباشرة عن الوضع ولا ترقى إلى مستوى الوساطة لحل النزاع ولكن هل يمكن أن تصل إلى إنهاء النزاع بالفعل؟.. أليس الأرجح هو أنه لا يراد للنزاع أن ينتهي في قر باغ الآن وأن يكون مثل معظم النزاعات الإقليمية في أنحاء المنطقة الإسلامية من السبل المتبعة لاستهلاك الطاقات الإقليمية، وتسهيل ربط أطراف النزاع بالقوى الدولية؟

     

     

الرابط المختصر :