; منهج القرآن الكريم في تربيَة الأمّة الحلقة الثانية | مجلة المجتمع

العنوان منهج القرآن الكريم في تربيَة الأمّة الحلقة الثانية

الكاتب المستشار عبدالله العقيل

تاريخ النشر الثلاثاء 11-سبتمبر-1984

مشاهدات 54

نشر في العدد 682

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 11-سبتمبر-1984

من القرآن الكريم تعلم المسلمون أن الله هو الغاية، وأن الرسول هو القدوة، وأن القرآن هو الشرعة، وأن الجهاد هو السبيل، وأن الشهادة هي الأمنية، فكانوا بحق رهبانًا بالليل فرسانًا بالنهار، فهموا الإسلام بشموله وكماله، وأخذوه جملة واحدة، وعملوا به بقوة وجلد، فقامت دولة الإسلام، بعد أن نشأت أمة القرآن بمنهج القرآن، فكان الفرد المسلم والبيت المسلم والمجتمع المسلم، والحكومة المسلمة التي عم خيرها الإنسانية كلها، وشع نورها في أفاق الكون كله.

ثم ماذا بعد ذلك، ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وانساقوا وراء كل ناعق في الشرق أو في الغرب، فتبددت تلك الحضارة، وتلاشت تلك الأمجاد، وعم الهرج والمرج، وانبرى للصدارة كل دعي، وارتفعت الأصوات المنكرة، وصارت للباطل جولات هنا وهناك.

انحراف عن المنهج

ووسط هذا الظلام الدامس والضياع والتيه، الذي يتخبط فيه المسلمون انبری رجال مصلحون على فترات من الزمن، جددوا أمر هذا الدين، وأحيوه في النفوس، وبعثوا الأمل في الأمة، وذكروها بالاعتصام بحبل الله والعودة إلى منهج القرآن الكريم، والالتزام به وتطبيقه والاحتكام إليه، فبرز مجدد القرن الرابع عشر الهجري الإمام الشهيد حسن البنا، الذي ربي جيلًا من الرجال، جددوا بفهمهم وسلوكهم، وثباتهم وإصرارهم عهد السلف الصالح، فكانت قوافل الشهداء في فلسطين وسوريا وغيرها، قافلة إثر قافلة، تسرع الخطى إلى جنات ربها ملبية: ﴿وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ﴾ (طه: 84)، فكان صبرهم واستشهادهم فاتحة الخير في هذا المد الإسلامي المتعاظم والصحوة الإسلامية الرشيدة التي تنتظم العالم الإسلامي؛ بل العالم كله ﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40) فأنتم وإخوانكم في كل مكان ثمرة هذه التربية على منهج القرآن الكريم هي التي لا زالت تخرج النوعيات النادرة والنماذج الفذة التي تتحمل المسئوليات، وتستوعب المشكلات، وتصمد أمام التحديات، فالدعوات الدينية عمادها الإيمان قبل المال، والعقيدة قبل الأعراض الزائلة، وإذا وجد المؤمن الصالح العامل الماهر؛ وجدت معه كل وسائل النجاح، فأول القوة الإيمان، ونتيجة هذا الإيمان الوحدة، وعاقبة الوحدة النصر المؤزر المبين، والقلب الإنساني هو عصا التحويل، كما يقول الإمام البنا يضرب لذلك مثلًا، فيقول: إن عامل الترام المختص بتحويل الشريط وتغيير تجاه الترام، لا يحمل الترام فيوجهه حيث يشاء، إنما بعصا بسيطة هي عصا التحويل، وبغمزة خفيفة يحول الشريط، فيتحول الترام أو يتجه وجهته الجديدة دون عناء، فالقلب الإنساني ومعرفة الله هكذا:

المعرفة الحقة هي عصا التحويل فإذا مست القلب الإنساني تحول من حال إلى حال، فإذا تحول فقد تحرك الإنسان كله، وإذا تحول الفرد تحولت الأمة، فلو أردت الإصلاح فأصلح القلب البشري، بأن تعرفه بالله حق المعرفة».

الإسلام قول وعمل 

إن العقيدة الصحيحة أساس العمل، وعمل القلب أهم من عوامل الجوارح، وتحصيل الكمال في كليهما مطلوب شرعًا وان اختلفت مرتبتا الطلب، والمسلم مطالب بأن يكون قوله وعمله وجهاده كله في سبيل الله؛ لأن العمل هو ثمرة العلم، والإخلاص، ومراتب العمل إصلاح النفس، بحيث يكون قوي الجسم، متين الخلق، مثقف الفكر، قادرًا على الكسب، سليم العقيدة، صحيح العبادة، مجاهدًا لنفسه، حريصًا على وقته، منظمًا في شئونه، نافعًا لغيره، حاملًا لأهله على احترام فكرته والمحافظة على حب الإسلام في كل مظاهر الحياة المنزلية، وحسن اختيار الزوجة وتوقيفها على حقها وواجبها. وحسن تربية الأولاد والخدم وتنشئتهم على مبادئ الإسلام، وإرشاد المجتمع بنشر دعوة الخير فيه، ومحاربة الرذائل والمنكرات، وتشجيع الفضائل، والأمر بالمعروف، والمبادرة إلى فعل الخير، وكسب الرأي العام إلى جانب الفكرة الإسلامية، وصبغ مظاهر الحياة العامة بها دائمًا، والسعي لتحرير الوطن الإسلامي كله من كل سلطان أجنبي سياسي أو اقتصادي أو عسكري أو فكري أو روحي، وإصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق، وتؤدي مهمتها كخادم للأمة وأجير عندها وعامل على مصلحتها، فإذا لم تقم الحكومة بذلك وقصرت بواجباتها؛ فالنصح والإرشاد، فإن لم ينفع فالخلع والأبعاد، ولا طاعة المخلوق في معصية الخالق، والجهاد هو الطريق لذلك؛ لأنه الفريضة الماضية إلى يوم القيامة، وأول مراتبه إنكار القلب وأعلاه القتال في سبيل الله. وبين ذلك جهاد اللسان والقلم واليد وكلمة الحق عند السلطان الجائر، ولا تحيا الدعوة الإسلامية إلا بالجهاد وبذل النفس والوقت والحياة وكل شيء في سبيل الغاية، فهي مرضاة الله، وذلك بالتعريف بالدعوة بنشر الفكرة العامة بين الناس بكل الوسائل المشروعة المستطاعة، ثم التكوين باستخلاص العناصر الصالحة لحمل أعباء الجهاد وضم بعضها إلى بعض، ثم التنفيذ الذي هو جهاد لا هوادة معه وعمل متواصل في سبيل الوصول إلى الغاية، وامتحان وابتلاء لا يصبر عليهما إلا الصادقون مع الثبات، مهما بعدت المدة وتطاولت السنوات والأعوام؛ حتى يلقى الله وقد فاز بإحدى الحسنيين.

منهج الإمام البنا

يقول الإمام الشهيد مجدد القرن الرابع عشر الهجري:

«إن الأمة التي تحسن صناعة الموت، وتعرف كيف تموت الميتة الشريفة، يهب الله لها الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهم الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت، فأعدوا أنفسكم لعمل عظيم، واحرصوا على الموت توهب لكم الحياة. واعلموا أن الموت لا بد منه، وأنه لا يكون إلا مرة واحدة، فإن جعلتموها في سبيل الله؛ كان ذلك ربح الدنيا وثواب الآخرة، وما يصيبكم إلا ما كتب الله لكم، فاعملوا للموتة الكريمة؛ تظفروا بالسعادة الكاملة».

لقد ربى الإمام البنا تلامذته على منهج القرآن الكريم، فكانت هذه الثمار اليانعة التي عمت العالم بفضل الله وكرمه، وتوفيقه ومنته. 

فحين أنشأت الجامعة المصرية لم يكن يصلي فيها من الطلاب سوى أربعة أو خمسة مع الفراشين والخدم في زاوية منعزلة بعيدة عن الأنظار، ثم تكاثر إقبال الشباب على الإسلام في أرض الكنانة، حتى صارت جامعاتها الآن وهي سبع عشرة جامعة معظم طلابها وطالباتها من المسلمين الملتزمين بالإسلام، وكذا الشأن في كل جامعات العالم العربي في سوريا والأردن والعراق ولبنان والسودان والجزيرة وشمال أفريقيا والخليج، بل وداخل الأرض المحتلة بفلسطين السليبة، ولأضرب بالكويت مثلًا، فقبل عشرين عامًا كان يندر وجود المصلين بالمساجد من الشباب؛ بل معظم روادها من كبار السن، أما اليوم فهي ملأى -ولله الحمد- بجموعهم المباركة، وكذا الشأن في جامعة الكويت يوم أن فتحت، فلم يكن فيها سوى طالبة واحدة فقط تلتزم الحجاب الإسلامي، أما اليوم فمعظم طالباتها من المسلمات الملتزمات، وكذا الكتاب الإسلامي هو الرائج والمطلوب في أنحاء العالم العربي والإسلامي. 

إن التعطش للإسلام وطلب الارتواء من مورده العذب، هو بغية الشباب في كل مكان، ومؤتمراتكم وتجمعاتكم هذه هي الدليل.

مؤامرات في طريق الصحوة

إذا كانت قوى الشر في الأرض، قد هالها هذا الإقبال على الإسلام، وهذا الحماس من شبابه، والاندفاع من الجماهير المسلمة، المطالبة بتطبيق أحكامه؛ فراحت تحشد آلات الدمار والهلاك هنا وهناك، وانطلقت تديرها حربًا طاحنةً على الإسلام ودعاته، لوقف المد الإسلامي الزاحف متهمةً إياه بالإرهاب مرةً وبالتطرف أخرى وبالتعصب ثالثةً، وأغرت عملاءها من المأجورين والسفهاء، لرصد النشاط الإسلامي، ووضع العراقيل في طريقه متذرعةً بكل وسيلة مشروعة أو غير مشروعة، حتى صارت بلاد المسلمين جميعًا -بلا استثناء- سجنًا كبيرًا، يعيش الناس فيه كالقطعان التي تساق إلى مصارعها، وراجت سوق النفاق وكثرت الإمعات وارتفع الغثاء، وضاع الآباء فإن الله قد هيأ للحق ناصرًا، فأعد هذه العصبة المؤمنة التي أشربت قلوبها حب الله ورسوله، فوقفت بكل قوة أمام هذه الأعاصير الهوج ، مدافعة عن حمى الإسلام، متفانية في نشر دعوته، عاكفة على تهيئة نفسها للمعركة الفاصلة بين الحق والباطل والإيمان والكفر والهدى والضلال ،مرخصة كل غالٍ ونفيس في سبيل الله وابتغاء مرضاته، تتزلزل الدنيا من حولها وهي ثابتة؛ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

أسأل الله أن يدخر لي ولإخواني المسلمين هذا الخير، وهو الجهاد لإعلاء كلمته وإقامة شريعته، فضاعفوا الجهود، واحكموا البناء، وسددوا الخطى، وقبل هذا وذاك أخلصوا النية لله، واطلبوا بجهادكم رضاه، وثقوا بأن هؤلاء الطغاة المنتفشين أضعف من أن يقفوا في وجه جنود الله، الذين يتربون على منهج القرآن الكريم عقيدة وشريعة ومنهج حياة، والله اسأل أن يجعلنا وإياكم من جنوده الصادقين العاملين، ويثبتنا على الحق حتى يأتينا اليقين ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) (الصافات: 180-181). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1525

80

السبت 02-نوفمبر-2002

صندوق الانتخابات يرد

نشر في العدد 1498

69

السبت 27-أبريل-2002

المجتمع الثقافي