العنوان من أوراق أخصائية اجتماعية
الكاتب نادية البراك
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1993
مشاهدات 63
نشر في العدد 1046
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 20-أبريل-1993
الطالبة (...) تبلغ من العمر 14 عامًا
متفوقة في دراستها، وتشهد لها مدرساتها بالهدوء والخلق النبيل، هوايتها كما عرفت
بعد ذلك مشاهدة التلفاز وبالأخص منه المسلسلات والأفلام.
تغيبت (..) عن المدرسة لعدة أيام،
وكان من الطبيعي أن أستفسر عن سبب غيابها، أخبرتني الأم أن ابنتها مريضة، وهذا
المرض يستدعي غيابها لفترة أطول، لكن الأيام مرت ولم تعد (...) إلى المدرسة. وهنا
كان لابد من لقاء مباشر مع الأم التي حضرت بعد إلحاح شديد مني إلى المدرسة، وكانت
سيدة طيبة هادئة، لها مثل هدوء ابنتها.
بعد الترحيب بها سألتها: كيف حال (...)؟
- إنها
لا تزال مريضة!
سألت باهتمام: وما مرضها يا ترى؟
تلعثمت قليلًا قبل أن تجيب: إنها
مريضة، ربما تضطر ابنتي لترك المدرسة!
دهشت من مقالتها، فقلت بانزعاج شديد:
ألهذه الدرجة؟! ما مرضها؟
تلعثمت الأم مرة أخرى قبل أن تجيب:
ابنتي مريضة، إنها متعبة، عليّ أن أنصرف الآن.
استوقفتها متوسلة: يا سيدتي، أرجوك،
أخبريني ما مرض ابنتك؟ لقد كانت في صحة وعافية، ولم تشتك من شيء بتاتًا.
انهارت الأم الطيبة فجأة، واجتاحتها
نوبة من البكاء الشديد، فتوقفت عن أسئلتي متأثرة ببكائها وما اعتراها من حزن، ولما
هدأت قليلًا قلت لها: آسفة يا سيدتي، ما كنت أقصد مضايقتك!
هزت رأسها نافية، وقالت: إنك لم
تضايقيني البتة ولكن.. آه، إنه الهم الذي بقلبي.
- من
مرض ابنتك؟
- ابنتي
ليست مريضة!
خبرتي في مجال عملي عرضتني خلال
سنوات طويلة لمواقف مشابهة، لذلك لم أفاجأ كثيرًا بما تفوهت به الأم، وسألتها: ما
بها إذن؟
- مصيبة!
أجل مصيبة، وأنا حائرة، لا أدري كيف أتصرف.
- ما
رأيك لو سردت عليّ الحكاية منذ بدايتها لربما استطعت مساعدتك؟
- يا
ليت، هذا ما أتمناه، الحقيقة أن ما مررت به في الأيام الماضية جعلني عاجزة عن
التفكير.
قلت باسمة: كل مشكلة ولها حل بإذن
الله.
تنهدت قائلة: ابنتي كما تعرفينها ولا
شك طفلة هادئة، خلوقة، لم أكن أتصور في يوم من الأيام أن يصدر منها ما صدر!
تساءلت بدوري باهتمام: وما الذي صدر
منها؟!
- في
ليلة من الليالي استيقظت على يد ابنتي الصغيرة توقظني من النوم، ظننتها تريد
شربة ماء أو ما شابه ذلك، لكنها أخبرتني هامسة: ماما (...) تريد أن تهرب من
البيت!
- ماذا؟
- هكذا
قالت لي قبل قليل.. فنهضت من سريري فزعة، وأسرعت إلى غرفتها كان الفراش خاليًا،
جن جنوني وأسرعت إلى باب المنزل، فإذا بها هناك تهم بفتحه وحقيبة صغيرة إلى
جوارها.. علمت منها بعد ذلك أنها على علاقة بسائق الجيران، وقد اتفقت معه على
الهرب ليتزوجا، لقد استطعت أن أنقذ ابنتي في آخر لحظة، لكنني ما زلت مذهولة..
ابنتي الصغيرة البريئة تتصرف هكذا، من أين خطرت لها هذه الفكرة؟ كيف خططت
ودبرت؟ كيف وكيف وكيف؟ ألف سؤال يدور في رأسي منذ تلك اللحظة، إنها الآن في
البيت تحت مراقبتي الدائمة، لكنني ما زلت مذهولة غير مصدقة لما حدث! إنها
حكاية كحكايات السينما!
انتهت الأم من حديثها، وساد بيننا
الصمت، فقد كنت مذهولة بدوري مما سمعت، لكن عبارة الأم الأخيرة رنت في ذهني: حكاية
كحكايات السينما! عزمت في نفسي أمرًا وقلت لها: وماذا تنوين أن تفعلي الآن؟
- لست
أدري، قررت أن أمنعها من المدرسة، أخشى أن يعاودها جنونها ذاك.
- هذا
ليس بحل.
- كيف؟
- لابد
من معالجة المشكلة من جذورها، لابد من لقاء بيني وبينها، أرجوك.
- كما
تشائين، إنني راغبة بحل يريحني ويريحها.
حضرت الابنة إلى مكتبي في اليوم
التالي هادئة كما عهدتها دومًا، لكنها هذه المرة هزيلة شاحبة! بعد حديث ودي قصير
بيني وبينها، سألتها: ألا زلت مغرمة بمشاهدة الأفلام والمسلسلات؟
- لا.
- لماذا؟
- لست
أدري!
- هل
تحبين والدتك؟ إنها متألمة جدًا لما بدر منك.
أجابت ذاهلة: حقًا، لست أدري لماذا؟
لست أدري ما الخطأ الذي ارتكبته، لقد طبقت تمامًا ما رأيته في التلفاز، البطلة
تهرب مع حبيبها في منتصف الليل، لقد فعلت مثل ما رأيت، ما الخطأ في هذا؟ كل
الأفلام التي رأيتها هناك بطلة تحب البطل، ثم تهرب معه، أردت أن أفعل مثلها.
ببراءة تطلعت إليّ متسائلة في حيرة،
بينما أدركت في نفسي كم أفسد التلفاز عقل هذه الصغيرة، بهدوء قلت لها: ليس كل ما
يعرض في التلفاز سليمًا.
- ولماذا
يعرض إذن؟
- الأفلام
التي [شاهدتيها] لا تعبر عن الواقع تعبيرًا سليمًا، وليس لها من هدف سوى
إفساد أخلاق الناس خصوصًا الصغار مثلك.
- ولماذا
تعرض إذن؟ ولماذا كانت أمي تسمح لي بمشاهدتها؟
تساؤلاتها كانت صحيحة وفي محلها، وقد
رأيت أن علاجها مما علق بذهنها من أفكار قد يطول. في اليوم التالي صارحت الأم بما
قالته [ابنتها]، فقالت نادمة: كانت تجلس أمام التلفاز الساعات الطوال، دون أن أفكر
في منعها من رؤية شيء منه، هذا الشيطان كم أفسد عقل ابنتي!
قلت لها بهدوء: طفلة صغيرة في مثل
عمرها ما كان يجب أن تشاهد كل ما يعرض فيه، كان يجب أن ينتقى لها ما تراه من خلال
شاشته. هزت رأسها موافقة: الآن أدركت خطئي.
عادت الطالبة (..) للانتظام في
دراستها، إنها الآن أكثر وعيًا وإدراكًا للتصرف الخطأ الذي وقعت فيه، جلساتي معها
لا تزال منتظمة، أحاول من خلالها أن أزيل الغبش الذي علق بفكرها، أحاول أن أعيد
بناء ما هدمه ذلك السرطان الخبيث الذي راح يستشري في عقول أبنائنا دون أن ندرك
خطره على أخلاقهم.
لقد اعتادت مشاهدة تلك الأفلام والمسلسلات منذ أن كانت طفلة صغيرة لا تتجاوز السادسة من العمر، لم تحاول الأم توجيهها يومًا، أو إفهامها أن ما تراه غير سليم، عوضًا عن منعها من رؤيته، لم تحاول أن تنتقي لها برامج تناسب طفلة في مثل سنها، فكانت النتيجة ما حدث؛ فهل من أم تعتبر؟ ومن أب يراعي أبناءه، ويتابع اهتماماتهم؟
اقرأ أيضًا: