العنوان من الحياة: أصابع الندم
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 12-أبريل-2008
مشاهدات 76
نشر في العدد 1797
نشر في الصفحة 59
السبت 12-أبريل-2008
عنوان هذه المقالة جاءني في ختام رسالة أرسلتها إليّ إحدى السيدات نصها: «أنا سيدة ملتزمة، من أسرة محترمة، وقسم لي ربي سبحانه وتعالى زوجًا محترمًا، وبرغم أنه كان عصبيًّا وحادًّا إلا أنه كان طيب القلب؛ لذا فقد تحملت عصبيته وحدته من أجل أولادي، وغفرت له هذه العصبية لطيبة قلبه.. عشت حياتي دون رياح ولا أعاصير، وكنت قانعة بما قسم الله لي، وخاصة عندما كنت أنظر إلى سيدات تعيسات في حياتهن الزوجية...
سارت حياتي طبيعية إلى أن ظهرت في حياتي إحدى السيدات، حيث سكنت حديثًا في نفس العمارة التي أسكن فيها، فكانت تسمع صوت زوجي المرتفع عليّ أو على أولادي.. وذات مرة في أثناء خروج زوجي للعمل زارتني جارتي هذه، وفاتحتني في صوت زوجي المرتفع فقلت زوجي رجل محترم وطيب القلب ولكن هذا طبعه، وقد تأقلمت معه، وأتحمل ذلك، لما فيه من صفات جميلة أخرى، ولكنها ظلت تحرضني ضده قائلة: لا تنسي أن رفع صوته عليك فيه إهانة لك، ويجب أن تلزميه باحترامك، فرفع صوته عليك يعني أنه لا يحترمك، ويهدر إنسانيتك وآدميتك، وهذا لا يليق بأية سيدة محترمة.
غادرت جارتي شقتي، وتوجهت إلى شقتها، ولم يهدأ لها بال، وكأنها صاحبة المشكلة، فلم تنقطع عن الحديث معي في هذا الأمر.. وبعد هذه الزيارة توالت زياراتها، ثم بدأت تحدثني عن شقيقها، ولطفه ورقته وحنانه مع زوجته، تتغزل في وسامته ورومانسيته ومهاراته كمصلح اجتماعي، وخاصة في الخلافات الزوجية، أقنعتني بضرورة أن ألتقي به، وأحكي له مشكلتي ليساعدني على حلها.
كان شقيقها يزورها في شقتها ودعتني للتحدث معه فوافقت، ولما رأيته وجدته بالفعل رجلًا وسيمًا رقيقًا هادئًا، واسع الثقافة، عذب الحديث، وكان لبقًا، فارتحت للحديث معه، ثم تكررت زياراته، ومن ثم لقائي معه، والتحدث إليه.
وفي أحد اللقاءات طلب مني شقيقها أن تكون بيننا وسائل اتصال أخرى، فتبادلنا أرقام الهواتف، والبريد الإلكتروني، للتمكن من متابعة حالتي، وكنت أشعر بأنه يسلب مني كل شيء تدريجيًّا، سلب عواطفي بخداعه بل تفاقم الأمر إلى أن ضيع مني بيتي وزوجي وأولادي..
نعم، لقد طلب مني هو وشقيقته أن أطلب من زوجي الطلاق، وظل يلح علي هو وشقيقته حتى وقعت الواقعة، وتم الطلاق بالفعل، وهدمت بيتي بيدي، وشردت أولادي بإرادتي، وفقدت زوجي برغبتي، وفي شهور العدة حاول أن يقيم معي علاقة غير شرعية، ولكنني كنت قد أفقت من غفلتي، فرفضت، بل طلبت منه ألا يتصل بي إطلاقًا لا هو ولا شقيقته، وندمت أشد الندم على طلاقي، ولكن بعد فوات الأوان، وبعد أن فقدت كل شيء، ولم يبق لي إلا أصابع الندم أعض عليها ليل نهار، فهل أجد لديك سيدي طريقا لاستعادة بيتي ومملكتي؟».
ولهذه السيدة ولجميع نسائنا وبناتنا أقول قديمًا قال «إخوان الصفا».. وهم المشهورون بالحكمة: «المرأة تفسد المرأة، كالأفعى تبث السم في الأفعى» ونحن كثيرًا ما نسمع ونردد «الصاحب ساحب» وقيل: أيضًا، «فتش عن المرأة، ليس في حياة الرجل فحسب، بل في حياة المرأة أيضًا»، وفي هذه الأقوال إشارة إلى أن حواء تلعب دورًا مؤثرًا في توجيه صاحبتها نحو الخير والشر.
وفي التوجيهات القرآنية والنبوية خير وقاية لنا ولنسائنا وبناتنا، يقول رب العزة ترغيبًا لنا في الصحبة الصالحة: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (الكهف: 28)، ومن هدى رسولنا الكريم ﷺ: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (رواه أحمد وأبو داود والترمذي).
ولصاحبة هذه الرسالة أقول: إن الإنسان منا يحتاج إلى الصديق، وخاصة في ظل ضغوط الحياة وازدياد متاعبها ومشكلاتها، ومن ثم نجد في الصداقة واحة من الحب والود والسعادة والأنس، ولكن يجب أن نحسن انتقاء الأصدقاء، وإلا تحولت هذه الواحة إلى غابة من الأشواك المعقدة.
كما يجب -عليك أختي- أن تعلمي أن الصداقة لا تعني أن تحكي كل شيء، ولأي صديقة؛ فليست كل صديقة مؤهلة للاستشارة، فلنتعلم جميعًا كيف نختار أصدقاءنا؟ وألا نفتح بيوتنا إلا لمن نأمنهم على أسرارنا، وأعراضنا، وألا نستشير إلا أولي الحكمة والنهى، وأصحاب الدربة والخبرة، الحافظين للأسرار والأمانات.
أما عن سؤالك المهم كيف السبيل إلى استعادة مملكتك وسعادتك؟.. فأنصحك بما يلي:
أولًا: توبي إلى الله، ثم أحسني النية له تعالى، واعزمي عزمًا أكيدًا على الرجوع لأسرتك وسعادتك وزوجك وأولادك.
ثانيًا: أكثري من التضرع لربك والدعاء بأن ييسر لك أمرك، ويعيدك إلى زوجك وأولادك.
ثالثًا: بادري بالصلح وإبداء الرغبة في عودتك إلى بيتك وأولادك واعترفي بخطئك لزوجك.
رابعًا: وسطي بينكما ذوي التأثير على زوجك من أقاربه أو أقاربك، أو منهما جميعًا شريطة أن يكون فردًا واحدًا أو فردين على الأكثر، مع مراعاة حسن الاختيار هذه المرة، فمن الضروري أن يتصف هذا الشخص بالأمانة والحكمة والخبرة في هذه الأمور.
خامسًا: استثمري أولادك في التقريب بينك وبين زوجك، فهم قوة لا يستهان بها في تذويب الجليد المتجمد، وإزالة ما في نفس الزوج أو على الأقل التخفيف منها، وما دام زوجك -كما ذكرت- طيب القلب أتوقع أن قلبه سيلين إن شاء الله إن لم يكن من أجلك فمن أجل أولاده، ومن أجل لم الشمل، والتئام الجرح.
سادسًا: استجلبي الدعاء من الصالحين والصالحات، وألحي في ذلك لعل الله عز وجل يستجيب لدعوة من رجل صالح أو امرأة صالحة، فيحقق لك الخير بها، وأسأل الله تعالى أن يقدر لك الخير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل