العنوان هجائية الحب (١٥) «حرف الضاد- ضيِّف أصدقاء ولدك
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 27-أغسطس-2011
مشاهدات 52
نشر في العدد 1967
نشر في الصفحة 64
السبت 27-أغسطس-2011
هو مزارع فقير بسيط، لا يمتلك سوى قطعة أرض صغيرة جداً يزرعها ليحصل منها على قوته وقوت أولاده، لكنها لا تكفيهم؛ لذا فإن أغلب أيام السنة يعمل فيها عند جيرانه المزارعين بأجر يومي.. هذه حياته حتى الآن، برغم أنه الآن يوشك أن يصل إلى الستين من عمره، فهو مزارع فقير بسيط كادح، وقد رزق ابنان وخمس بنات، لم يكن الأب يتدخل في حياة ولده، ولم يتابع أصدقاء ولده، ولم يسأل عنهم، وترك له الحبل على الغارب وكان الابن حينذاك قد اصطفى صديق سوء، وعلم الأب بذلك، فلما سأل ابنه عن سر تواجده مع صديقه هذا ليل نهار؟ أجابه: إنه صديقه الوحيد في حياته، وأنه يضحي من أجله ويحبه حبا شديدا.
كان يتعامل مع ابنه معاملة التدليل الزائد، ولم يتركه يمارس حياته ويجابه مواقفها؛ بصلفها وقسوتها وصعوبتها ومشكلاتها، فعاش الابن المدلل حياته يصنع ما يشاء، بغض النظر عن صواب ما يصنع أو خطئه.. عاش فوضويًا، لا يتقن شيئا، يستهلك ولا ينتج، برغم الحاجة الشديدة لوالده، وثقل التبعات والمسؤوليات الملقاة على عاتق الأب الفقير المريض الذي دخل فلك الشيخوخة !!
زوج الرجل ولده، ولكنه لم يفلح في قيادة سفينة حياته مع زوجته، كان أبوه هو الذي ينفق عليه وعلى زوجته، ولم تقتصر المصيبة على ذلك فحسب، بل كانت الكارثة بسبب معاناة زوجة الابن، وفشلها في العيش مع هذا الابن المستهتر، واستحالت العشرة بينهما، فلم يكن بد من الطلاق، وساعتها رفعت زوجة الابن دعوى قضائية بمستحقاتها، وبالطبع لم يستطع الابن أن يدفع شيئا من ذلك، فتحمل الأب المسكين تبعات ما حكمت به المحكمة على ولده، ومن ثم زادت معاناته.
لم يهن الابن على والده، فقرر أن يزوجه بأخرى، واقترض من أقاربه لذلك، وما هي إلا شهور وتأججت الخلافات بين الابن المستهتر وزوجته، فطلقها هي الأخرى !!
كان الابن يغيب عن البيت أياما وليالي عديدة، دون أن يعلم أباه ولا أمه، كانت أمه حزينة عليه متحسرة، ومرضت مرضًا شديدًا بسببه، أفضى بها في النهاية إلى مفارقة الحياة.
فوجيء الأب ذات يوم بضابط شرطة يتصل عليه ويخبره أن ابنه مطلوب فورا للشرطة، فلما ذهب لاستيضاح سبب الاستدعاء قيل له : إن ابنك متهم بالمشاركة في جريمة قتل !! أسقط في يد الرجل، وأصابه الذهول، ووقع النبأ على سمعه موقع الصاعقة، فأغمي عليه وحاول الناس إسعافه، ولم يصدق ما حدث، لأن ابنه برغم تحلله من المسؤولية كان ساذجا، ولا يجرؤ على مجرد التفكير في مثل هذه الجريمة.
وبالاطلاع على محضر التحقيق تبين أن صديق ابنه كان على علاقة غير شرعية بزوجة المقتول، وبالاتفاق بين الاثنين قررا التخلص من الزوج، فكلم العاشق صديقه ابن المزارع هاتفيا وأخبره بأنه يحتاج إليه فورا في مهمة عاجلة، فسأله عن طبيعة المهمة، فأخبره أنه سيقتل زوج عشيقته الليلة ويرغب في مساعدته !!
رفض ابن المزارع في البداية دعوة صديقه للمشاركة في قتل زوج عشيقته، لكنه أغراه بأن وعده بمكافأة مقدارها ( ۱۰۰۰۰) عشرة آلاف جنيه، فقبل العرض بعد تردد طويل.
ذهب العاشق وصديقه إلى طبيب، وطلب العاشق من الطبيب أن يفحصه طبيا، وشكا إليه من عدم نومه، وطلب منه أن يكتب له حبوبًا منومة في الوصفة الطبية، فرفض الطبيب رفضًا قاطعًا، فخرج الصديقان وتوجها إلى إحدى الصيدليات، واستطاع العاشق أن يحصل منها على شريطي حبوب منومة لتخدير الضحية قبل القتل !!
ذهب الاثنان معاً إلى مكان المقتول، وفي طريقهما نسق العاشق مع عشيقته وخططا ودبرا الجريمة، وطلب العاشق من صديقه شراء إفطار ليذهبا به إلى الضحية، وكان العاشق قد دبر أدوات تنفيذ الجريمة، وهي عبارة عن سلك كهربائي قوي، وصل بفيشة لتوصيل التيار الكهربائي، ولف السلك الكهربائي في شكل دائرة وجهز بحيث يلتف حول رقبة المقتول فيصعقه التيار الكهربائي !!
قام صديق العاشق بتنفيذ كل المهام التي أسندت إليه، وبعد تنفيذ الجريمة أخذ العاشق الهاتف المحمول للمقتول وأعطاه صديقه، قاصدًا أن يورطه في الجريمة، ويخرج منها سالما !!
لقد تحدث معي الرجل المزارع عن ابنه، وكعادة الأب كان حزينا على ابنه برغم ما ذاقه منه، وبرغم تهديد الولد لأبيه من خلال رسالات على هاتفه، وعلمت من خلال حواره كم كان ابنه طيب القلب قبل أن يرتبط بصديقه المنحرف وظل يحكي عن ابنه وكم كان ودودا رقيقا ، صحيح أنه لم يكن متحملا للمسؤولية نتيجة شدة تدليل الوالد له، ولكنه لم يخطر بباله لحظة ما أن ابنه سيشارك ولو بكلمة في قتل نفس حرم الله قتلها.
قلت للوالد المكلوم المزارع المحزون : كم من الوقت مضى على صداقة ابنك لصديقه؟ فأجابني مضى على صداقتهما أربع سنوات، فسألته وأين أنت طوال هذه السنين؟ فأجابني: وماذا أصنع ؟
وللإجابة عن سؤال هذا الأب أقول لهذا الوالد المتألم ولسائر الآباء المغيبين عن حياة أولادهم وأصدقائهم: إن أكثر المشكلات تأتي من الصحبة السيئة، ومن ثم فينبغي أن نحذر أولادنا من مغبة هذه الصحبة وآثارها المدمرة.
في إحدى محاضراتي التربوية للمدمنات في أحد البلاد العربية، طلبت مني مديرة المؤسسة التربوية الخيرية أن أجري حواراً تشخيصياً علاجيًا مع كل مدمنة على حدة، فوجدت أن جميعهن أدمن المخدرات بسبب الصحبة السيئة، إلا واحدة منهن ذكرت أن زوجها كان السبب وحتى هذه هي الأخرى تعد ضحية الصحبة السيئة؛ لأن الزوج يعد من الأصحاب، بل من أقرب الأصحاب، ناهيك عما ذكرته لي هذه السيدة من تجاوزات كانت ترتكب من أصحاب زوجها الذين كان يستقدمهم في بيته ويضيفهم، ويتعاطون المخدرات بالبيت في حضور زوجته وبعض زوجات الحاضرين، فتعجبت لسلوك هذا الزوج، وغياب نخوته وغيرته على زوجته وبناته !!
قلت في نفسي: سبحان ربي !! فقد شدد الشرع العظيم في قضية الصحبة والصداقة، نظراً لما للصحبة الطيبة من تأثير إيجابي عظيم في الصديق، ولما للصحبة السيئة من تأثير سلبي مدمر على الصديق، فقد أوصى الله عز وجل رسوله بالصبر على الصحبة الطيبة والاستمساك بها ؛ وذلك في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعَشْي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(٢٨)﴾ ( الكهف).
كما بين الله عز وجل أن كثيراً من الأصدقاء في الدنيا سيتحولون إلى أعداء يوم القيامة، واستثنى من ذلك المتقين، قال تعالى: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) ﴾ (الزخرف).
وينطق واقع أبنائنا بمآس وآلام، فقد ينشأ الفتى في بيت طيب كريم، ثم لا نلبث أن نفاجأ بتغير كبير وتحول خطير في قيمهم وأخلاقهم وسلوكهم، وكذلك الحال بالنسبة للبنات، وحينها فقط نكتشف فجأة أن السبب في ذلك هو الصحبة السيئة، ف«الصاحب ساحب» كما يقولون.
أهمية استضافة أولادنا لأصدقائهم وللوقوف على حقيقة أصدقاء أولادنا ينبغي لنا أن نراهم عن قرب ونتيح لأولادنا فرص معايشة أولادنا تحت أعيننا وأبصارنا، ومن وسائل ذلك:
1- السماح لأولادنا باستضافة أصدقائهم في بيوتنا، وتشجيعهم على ذلك، والترحيب بأصدقاء أولادنا.
٢ـ دعوة أصدقاء أولادنا للخروج معنا في نزهاتنا ورحلاتنا وإكرامهم والترحيب ربهم، والتحاور معهم لمعرفة طبائعهم وقناعاتهم وأخلاقياتهم.
٣ـ دعوة آباء أصدقاء أولادنا وأمهاتهم في بيوتنا ورحلاتنا لمعرفة الأسر التي انحدر منها أصدقاء أولادنا، لمساعدة أولادنا على اتخاذ القرار الخاص بصداقتهم وإرشادهم، وحبذا أن نسعى للتغيير الإيجابي في أهل هؤلاء الأصدقاء.
٤ـ الاستعانة ببعض أصدقاء أولادنا – وخاصة الإيجابيين منهم والمتميزين خلقيا وفكريا – لإصلاح بعض السلوكيات السلبية لأولادنا.
٥ـ إيجاد روابط بيننا وبين أصدقاء أولادنا؛ بحيث تكون موضع ثقتهم، ويكونون أيضا موضع ثقتنا، بغية التعاون في ترقية أولادنا وأصدقائهم.
أذكر ذات يوم أني اختلفت مع ابني في موقف، فقلت له: ما دمنا لم نتفق، ولم يقتنع أحدنا برأي الآخر فلنحتكم إلى من يحسم الأمر ويحكم بيننا، وطلبت منه أن يختار من يرضى بحكمه، فرفض تماما أن يحكم أشخاص آخرون بيني وبينه، ولكني رأيت أن في التحكيم فوائد كثيرة، فلما رفض أن يسمي أحداً قلت له: اختر من بين هؤلاء، وذكرت له أسماء بعض الأشخاص الذين يحبهم ويثق بهم، على أن يختار هو منهم من يشاء، فرفض أيضاً. فقلت له: إذن سأحكم أصدقاءك، وسميت له ثلاثة من أعز أصدقائه فوافق، وجاؤوا وحكموا بخطئه، واستجاب لهم ولم أفلح في إقناعه وعدوله عن رأيه وممارسته إلا بعد أن تدخل أصدقاؤه، وكانوا هم أفضل من يقنعه.
فراغ يجب أن يملأ
إن ثمة حاجة ملحة لأولادنا في الأصدقاء وخاصة في سن المراهقة، وكثير من الآباء لا يستطيع أن يضبط الصداقة لدى أبنائهم، وفي المقابل كثير من الآباء يستطيع أن يصادق أولاده فيسد بذلك فراغا عاطفيا يشعر به المراهق، كما تستطيع الأم أيضا أن تصادق بناتها، ومن ثم تسد فراغا عاطفياً كبيراً، كان من الممكن أن يملأ خطًا بصديقات السوء.
صحيح الإنسان بطبعه اجتماعي، ويحتاج إلى أصدقاء، وصداقتنا لأولادنا لا تكفيهم، ذلك أنهم يحتاجون إلى مصادقة من هم في سنهم ولكننا عندما نصادق أولادنا نشبع جزءًا كبيرًا من هذه الرغبة لديهم، ونسد فراغًا عاطفيًا ينبغي أن يملأ، كما أننا عندما نصادق أولادنا يقتربون منا، ويثقون بنا، ويستجيبون لنصحنا، بل يبادرون بطلب النصح منا، ويأمنوننا ويأتمنوننا على أسرارهم، وتقوم علاقتنا بهم على أساس من الشفافية والصدق والمصارحة، وفي ذلك خير كثير.
الطريق إلى كسب أولادنا
ثمة عدة وسائل ينبغي أن نأخذ بها لنصل من خلالها إلى قلوب أولادنا وعقولهم، ومن أهم هذه الوسائل :
١ـ الإلتقاء دائمًا و باستمرار على عبادة:
فالتقاؤنا دائماً مع أولادنا على عبادة الله وطاعته يحقق لنا ولهم: صفاء القلب، ونقاء الصدر، وشفافية الروح، وتحل الملائكة في البيت وتخرج الشياطين من البيت كله.
فنحن إذا أرضينا الله رضي عنا، وأرضى الناس عنا؛ لأن القلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ولأن الله وحده هو مؤلف القلوب، قال تعالى مخاطباً نبيه : ﴿وَأَلْفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَ اللهَ أَلْفَ بَيْنَهُمْ ﴾ (الأنفال: ٦٣).
فما أحوجنا إلى أن نقوم مع أولادنا الليل، وندعو الله عز وجل أن يبارك لنا فيهم، فقد علمنا القرآن الكريم أن الإصلاح الأسري يأتي ثمرة الدعاء والمسارعة إلى فعل الخيرات، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ(٩٠)﴾ (الأنبياء).
فما أحوجنا للدعاء معًا نحن وأولادنا والمسارعة في الخيرات، وقيام الليل، وتلاوة الورد القرآني معهم، وقراءة الأذكار معهم، والصوم والإفطار معا .. فكن أيها الأب الكريم مثل معاذ رضي الله عنه يشهد الجماعة في المسجد، ثم يصلي إماما بأهل بيته.
٢ـ البسمة الرقيقة:
فالبسمة الرقيقة في وجه أولادك تولد الحب، وتنميه بينك وبينهم، وتدخل عليهم السرور، وتستل منك ومنهم الأحزان، وتكفر عنك وعنهم السيئات، وتجعل قلوبهم متعلقة بك.
٣- الكلمة الطيبة:
فالكلمة الطيبة صدقة، وهي تشعر أولادك بالراحة والسعادة، وتشوقهم دائما لرؤياك والائتناس بلقياك، ومن ثم تكون لديهم مسموع الكلمة مطاع الأمر، ومن ثم تسهل عليك تربيتهم.
كما أن الكلمة الطيبة تستل أحزانهم وتشعرهم برقي أبيهم، فيقتدون بك، وتجني أنت ثمرة ذلك.
فاحرص مع أولادك على الكلمة الطيبة في أول النهار، وفي وسطه وآخره، وفي كل لحظة، ومع كل لقاء، ومع كل طعام تجتمعون عليه، فهي غذاء القلب والروح والجسد.
قال تعالى: ﴿وَقُل لَعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَعُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوا مُبِينًا (۳) ﴾ (الإسراء).
ومن الوسائل العملية بخصوص الكلمة الطيبة أن تحدد مع أولادك أسبوع الكلمة الطيبة كنوع من التدريب عليها لممارستها وتثبيتها.
٤- العناق والاحتضان:
فالعناق تقارب ومودة وحب وتعميق للحب القلبي، فلذلك تأثير عظيم في نفوس الأولاد.
ه – القبلة:
فالقبلة تشعر أولادك بالأمان والحنان، والدفء العاطفي الأبوي، وتشعرهم بالفرح والسرور، وثمة قبلة الرضا، وقبلة الحب الأبوي وقبلة التقدير.
٥ـ حسن الاستماع:
فأولادنا كثيرًا ما يحتاجون إلى من يستمع إليهم، ففي استماعنا إليهم إشعار لهم باهتمامنا بهم، وذلك أمر مهم في أشد الحاجة إليه، وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يصغي لكل من يتحدث إليه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل