العنوان أزمة ما بعد الأربعين.. حقيقتها وأسبابها
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 04-ديسمبر-2010
مشاهدات 64
نشر في العدد 1929
نشر في الصفحة 58
السبت 04-ديسمبر-2010
هاتفني رجل في الثلاثينيات من عمره، فعرفني بنفسه، وذكرني بأنه حضر لي دورة تدريبية عن النجاح في الحياة الزوجية، منذ عدة سنوات في أحد مراكز تنمية المجتمع.
كان الرجل خجولاً ومتحرجًا في بدء حديثه معي، وأخبرني بأن لديه مشكلة عائلية، وأنه متردد في إعلانها، ومتحرج أن يحكي لي تفاصيلها !!
أخيرًا أبان الرجل عما يعانيه، فكان مما حكاه لي أنه أحد الوافدين من دولة عربية، وهو الآن يعمل بدولة الكويت ومقيم بها، ويسكن في شقة مع زوجته وأولاده، ويسكن معهم والده.
وعن المشكلة التي يعانيها قال: إن والدتي لا توجد معنا، فهي تعيش في بلدنا ومسقط رأسنا ، وقد بلغ والدي السابعة والستين من عمره، وبرغم هذه السن فقد لاحظت أنا وزوجتي تصرفات غير طبيعية من والدي، ووقعت عيني وعين زوجتي على أدلة عينية مادية تؤكد الانحراف الجنسي لوالدي !!
ووقع الخبر على سمعي ووجداني كالصاعقة، فنصحته باستقدام والدته فأكد لي أن رغبتها هي أن تعيش في بلدنا فقلت له: ربما يكون لدى والدك رغبة في الزواج لبعد والدتك عنه.
فقال: لقد اقترحت والدتي عليه أن يتزوج فرفض فكررت أنا عليه العرض فرفض أيضًا !!
قلت للرجل: ربما تكون ملاحظاتك على والدك مجرد هواجس وشكوك لا صحة لها.
فقال: إليك الأدلة:
عثرت - قدرًا - على عقاقير منشطة، وعوازل طبية، وصور له مع بعض البنات الصغيرات السن في حالات تورط جنسي كما لاحظت عدة مرات وجود سيارته أمام - عمارة مشبوهة يرتادها المنحرفون وهي سيئة السمعة، وقد سألت أحد أصدقاء والدي عن مدى علمه بما يمارسه أبي وعن شكوكي في أمره، فأنكر في بداية الأمر، ولكنه صارحني بعد ذلك، وأكد أن والدي بالفعل وقع في علاقات جنسية متعددة، وأنه على علاقة بأكثر من بنت !! يقول صاحب الشكوى مشكلتي مع والدي أنه رباني على القهر والاستبداد والعنف، وعودني أنا وإخوتي ألا نتحاور معه، وأن الكلمة كلمته أولاً وأخيرًا، وأنا لا أستطيع الآن أن أواجهه.
والعجيب أن صاحب الشكوى قال: إنه نظرًا لفقدانه الشجاعة أمام والده، وعدم قدرته على نصح الوالد وإن كان ذلك بالحسنى، فقد طلب من زوجته أن تفاتح والده في الأمر، لأنها أقوى شخصية منه وأكثر لباقة، أما هو فلا يستطيع ذلك فعجبت لهذا الابن الذي يطلب من زوجته أن تحدث والده في هذا الأمر الحرج، وأن يغامر بدفع زوجته إلى التحدث مع رجل على هذا المستوى من التردي الأخلاقي حتى وإن كان أباه!!
قلت للرجل: كيف لا تنصح لوالدك في ذوق وأدب وترضى لزوجتك أن تقف هذا الموقف؟ استجمع شجاعتك وصارحه بأدب وذوق - بما رأيت أو اطلب ذلك من أحد أصحابه المؤثرين عليه، فقال: لقد استخدمت التلميح ذات مرة، فصرخ في وجهي وهددني، فسكت خوفًا منه.
إن من الأمثال الشعبية العربية قولهم: «جهل الخمسين يا رب تعين، فما حقيقة هذا المثل؟ وما حجمه في واقع حياتنا ؟ من المؤكد أن هذا المثل الشعبي - كغيره من الأمثال - لم يأت من فراغ فهناك كثير من الرجال يمرون بهذه الأزمة النفسية السلوكية فيما بعد الأربعينيات من العمر، محاولين إعادة الزمان، وإرجاع عقارب الساعة إلى الخلف، فيتصرف الواحد منهم تصرف الشاب في مرحلة المراهقة الأولى، ومن مظاهر ذلك المبالغة في لبس ملابس ذات ألوان صارخة، لا تتناغم مع عمره، وقص الشعر قصات لا تليق بسنه، وقد ينحرف أحدهم فيقيم علاقات نسائية عاطفية متعددة، وخاصة مع بنات صغيرات السن بينه وبينهن فارق كبير في السن، وقد يعاكسهن أو يتحرش بهن، وقد يطيش ويتهور ويخطئ مع إحداهن، وتصل تصرفاته إلى ما ينكره الدين والعقل!
إن هؤلاء الذين ينكصون على أعقابهم لا يتحملون مسؤولية أنفسهم ولا مسؤولية ذويهم، إنه في سبيل ومضة متعة أو شهوة يضيع دينه ودنياه، ويخسر الدنيا والآخرة، فهو يغامر بصحته ويُغضب خالقه، كما أنه يضيع ماله، وأولى به أن ينفقه على زوجته وأولاده، وحري به أن يوقن أن هذا المال ليس ماله، إنما هو مال الله استخلفه فيه، ومن ثم فلا يحق له أن يضيعه في معصية الرزاق، وفي مغامرات وشهوات، تؤكد قصورًا شديدًا في نضجه العقلي والعاطفي، فبدلا من أن يسعد زوجته وأولاده ومن لهم عليه حق... نجده يبدد نعم الله في مواضع سخطه وغضبه.
كثير من هؤلاء المراهقين الكبار يرددون مبررين لتصرفاتهم، لم أستمتعبشبابي، شغلني العمل، زوجتي لم تعد تصلح، إنها لا تهتم بي لقد ثقل وزنها تهتم بأولادها ولا تتزين لي... إلخ. إن سن الأربعين هي سن الاتزان، وبلوغ الأشد، ونضج العقل ورزانة الفكر، ورجاحة الرأي ويؤكد القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى:﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)﴾(الأحقاف: الايه 15).
إن الواحد من هؤلاء يرى الشيب الذي كسا شعر رأسه ولحيته - مصدر جاذبية بدل أن يراه منذرًا بقرب الأجل كما علمتنا السنة المطهرة، ويرى تجاعيد وجهه دليلا على النضج والقوة، ويسمع دقات قلبه المضطربة فيخالها علامة الفتوة، فيمضي باحثًا لنفسه عن شهوة مؤقتة، أو لذة سريعة!
وعلماء النفس يطلقون على هذه الظاهرة أزمة ما بعد الأربعين، أو المراهقة المتأخرة، وهذه الأزمة قد تأتي في الأربعينيات أو في الخمسينيات، أو الستينيات أو السبعينيات لدى الرجال!
أسباب الأزمة
ثمة عدة عوامل قد تؤدي إلى هذه الأزمة، منها ما يتعلق بالرجل ونشأته ونفسيته، ومنها ما يتعلق بالزوجة من حيث شخصيتها، وتعاملها مع زوجها واهتمامها به ومنها ما يرتبط بالمجتمع ونظرته لكل من الرجل والمرأة بعد سن الأربعين.
أسباب تتعلق بالرجل
يرى علماء النفس أن الرجل عندما يصل إلى سن الأربعين يريد أن يثبت لنفسه ولكل من حوله أنه لا يزال قويًا وجذابًا ومؤثرًا، فيبحث عن فتاة صغيرة السن، ليعلن لمن حوله أنه لا يزال شاباً ومرغوبا فيه.
وربما تحدث هذه الأزمة للرجل عندما يشعر بأن أحلامه قد تلاشت، وأن المشاريع التي كان يفكر فيها قد تبددت، وأنه لا أمل في تنفيذها وتحقيقها؛ لأنه لم يبق من العمر قدر ما مضى، ويشعر بملل في حياته وجمود، فيبحث عما يبدد هذا الجمود ويجدد حياته، وخاصة إن أهملته الزوجة، ولم ير في أولاده من يبره، ويهتم به، ولم يعد لرأيه قيمة في بيته، فيلجأ إلى البحث عمن تهتم به، ليثبت لمن حوله أنه لا يزال يستحق الاهتمام.
أسباب تتعلق بالمرأة
كثير من النساء يعتبرن أنفسهن تجاوزن مرحلة الخصوبة والحيوية والنضارة عندما يكبر أولادهن، وهذا لا يرضي أزواجهن، وقد تتهم الزوجة زوجها بالتصابي، بينما يتهمها هو بأنها استسلمت للشيخوخة، فتنشأ من هنا مشکلات وخلافات زوجية، تدفعه – في النهاية - إلى أن يبحث عن أخرى.
إن المرأة الناجحة في حياتها الزوجية هي التي تستطيع أن تحتفظ بمشاعرها تجاه زوجها، وأن تجذب زوجها إليها وتسكن في قلبه، وتستحوذ على عواطفه وحبه حتى آخر العمر، بيد أن كثيرًا من الزوجات لا يقدرن على ذلك، ويفشلن في الاستحواذ على حب أزواجهن بسبب إهمالها لمظهرها ورشاقتها وجاذبيتها وحيويتها، مما يؤدي إلى أفول شمس جمالها وشبابها، وتزداد خطورة الأمر إن هي فشلت في قيامها بدور الصديقة لزوجها، فتنصرف عن مشاركته أحلامه وهواياته، وتعزف عن تشجيعه على نجاحاته وتخفيف فشله وإخفاقاته كما يحدث لبعض الزوجات اكتئاب بعد خروج الأبناء والبنات من البيت وانشغال كل منهم بحياته الخاصة وذلك يؤدي إلى هروب الزوج من ذلك الجو البنيس ليعيش جوا آخر وحياة أخرى مع فتاة أو مرأة أخرى.
وأحب أن أؤكد هنا لأخواتي القارئات - سائلاً ربي أن يلهمهن فهم مرادي ومقصدي - أنني ما قصدت بكلامي هذا تبريرًا للزوج كي يبحث عن حياة أخرى خارج بيته، وبعيدًا عن زوجته وأولاده، وإنما قصدت بحديثي وإشاراتي الأخواتي أن ينتبهن إلى هذه المحاذير، كي لا ينفر الزوج ويهرب إلى بيت آخر، فتقع في واقع لا ترضاه لنفسها، فتكون بذلك قد نقلت نفسها من كآبة إلى كآبة أشد ألما وظلامًا.
أسباب ترتبط بالمجتمع
لقد شاع في عالمنا العربي انطباع مفاده أن المرأة إن جاوزت الأربعين عامًا فقد بدأت في سن اليأس وبداية النهاية.
هذا فيما يتعلق بالمرأة، أما انطباع المجتمع العربي عن الرجل، فمفاده أن الرجل إذا جاوز الأربعين عامًا فقد بدأ نضجه، حيث يرى المجتمع أن المرأة في سن الأربعين يقبحها الشيب، أما شيب الرجل فهو مظهر الجاذبية والوقار والجمال، ومن ثم فقد انعكس ذلك على أفكار الناس فكثير من الفتيات مثلا يرغبن في الزواج من رجل مسن، وينظر كثير من أبناء المجتمعات العربية إلى هذه الفتاة على أنها عاقلة وناضجة، محبة لنضج الرجل عازفة عن الشباب قليل الخبرة.
لهذه الأسباب أو لبعضها قد يعيش الرجل بعد سن الأربعين وهما، إذ يتوهم أن امرأته لا تكفيه، أو أن من حقه أن يستمتع بشبابه حتى وإن كان الثمن دمار بيته وتفسخ أسرته، وربما يتوهم أيضًا أنه فارس أحلام الفتيات الصغيرات الجميلات !!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل