; من الفقه السياسي 2 | مجلة المجتمع

العنوان من الفقه السياسي 2

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1994

مشاهدات 67

نشر في العدد 1129

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 13-ديسمبر-1994

الجهاد، كلمة توسع الناس في معناها، وأطلقت كثيرًا في غير موضعها، وأسيء استخدامها لغياب التعريف الصحيح لهذه الكلمة العظيمة بمعناها الشرعي، فلذا كان من الضروري تمييزه عما يشتبه به من حروب يخوضها المسلمون سواء كانت حروبًا داخلية أو خارجية؛ فأي ذلك يعد جهادًا في سبيل الله بحيث لا يسلب القتال فيها شرف الجهاد المشروع والذي هو ذروة سنام الإسلام؟ وما هو غير المشروع منها فلا يستحق أن يطلق عليه جهاد أو ينال هذا الشرف، لما أشرنا في الحلقة السابقة من التداخل الحاصل في أذهان الكثير من الشباب المسلم بين أنواع القتال المشروع وغير المشروع، لذا كان من الضروري التمييز بين هذه الأنواع لتوضيح الفوارق بينها. 

ولما كانت إشارتنا في الحلقة الماضية مختصرة فقد أثرنا التوضيح بشيء من التفصيل الذي لا يخل بالمقصود فالجهاد هو بذل الوسع والطاقة الإعلاء كلمة الله، فهو ذروة سنام الإسلام، وسياج مبادئه، وطريق الحفاظ على بلاد الإسلام والمسلمين، وما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا وغزاهم عدوهم في عقر دارهم وسلط عليهم شرار خلق الله وأراذلهم وخذلهم الله، فأي هذه الأنواع يعد جهادا مشروعا وفي سبيل الله؟ فهل الجهاد المشروع هو قتال أهل الردة أم قتال أهل البغي؟ أم قتال المحاربين أو قطاع الطرق؟ أم القتال للدفاع عن الحرمات الخاصة؟ أم القتال ضد الحاكم المنحرف؟ أم قتال الفتنة؟ أم قتال مغتصب السلطة؟ أم قتال أهل الذمة؟ أم قتال الغارة للنهب والسلب؟ أم القتال لإقامة الدولة الإسلامية أو من أجل وحدة البلاد الإسلامية؟

 نريد في هذه العجالة أن نقف عند أهم الأنواع في واقعنا المعاصر وهي القتال واستعمال السلاح الإقامة الدولة الإسلامية. والتي يتحاشى أصحاب هذا الاتجاه التصريح به مستخدمين عبارات أخرى أخف من ذلك مع استخدامهم العنف الثوري في أسلوب التغيير متعسفي الطريق مختصري المرحلة بحجة عدم وجود قنوات التعبير التي يستطيع أهل الدعوة بواسطتها الإدلاء بآرائهم وحجمهم والتمكن من نشر دعوتهم، فطائفة منهم تعتبر نفسها أنها في مرحلة الاستضعاف وتدعو إلى اعتزال المجتمع والهجرة منه على أمل تحصيل القوة ثم العودة إلى المواجهة الاستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يؤمنون بفكرتهم، وطائفة أثرت المواجهة بتدمير النظام الراهن الفاسد، وتحطيم دولة الكفر بعيدا عن الممارسة السياسية بواسطة القنوات المشروعة كالبرلمان لأن في ذلك إسهام في بناء دولة الكفر ومشاركة في تشريع ما لم يأذن به الله، وكون الأحكام والقوانين المتحاكم إليها وضعية، فالدولة والحكام الذين يحكمون بها مرتدون لا يحملون من الإسلام إلا الأسماء وإن ادعوا أنهم مسلمون، وكذا أصبحت الدار تعلوها أحكام الكفر، وإن كان أغلب أهلها مسلمين فالسلم للمسلمين «المواطنين» والقتال والحرب ضد الدولة ومرافقها ومن تترس بهم من رجال الجيش أو الشرطة، ولا بد لعامة المسلمين من معاونتهم لتغيير هذا الواقع البائس وكون أن إقامة الدولة الإسلامية لا يتم إلا بالقتال فيكون حكم القتال لإقامتها واجبًا لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب والعدو في نظرهم هم الحكام الذين انتزعوا قيادة المسلمين من غير مشورة ولا اختيار فجهادهم فرض عين ولكون هؤلاء الحكام دخلوا في دائرة الكفر البواح فلا طاعة للمسلمين عليهم.

هذه مجمل الآراء التي انطوت عليها أفكار هذه الحركات الإسلامية التي تشغل العالم الإسلامي وغير الإسلامي اليوم، وتستنفذ طاقات الشباب، وإن تعاطف المسلمون معها كنوع من التعبير عن السخط على الأوضاع القائمة، ونعرف ما انتهت إليه من اضطراب الأحوال وامتلاء السجون والمعتقلات وسفك الدماء وتدمير الاقتصاد «وأحوال الملوك والدول الراسخة لا يزحزحها ويهدم بناها إلا المطالبة القوية» كما يقول ابن خلدون في المقدمة ١٥٩ وفي مثل هذه الأحوال ينقسم الناس ما بين مبرر للأخطاء التي حصلت وما بين لائم لنفسه كيف اندفع مع المندفعين بغير ترو ولا دراسة الأسباب الخروج وكيفيته، وهل اتخذت كل الأسباب لذلك، وهل يجوز ذلك من الناحية الشرعية ويعد جهادًا مشروعًا؟ نقول للمتعجلين ما قاله الإمام المودودي أيها الأخوة الكرام.. أود أن أوجه إليكم نصيحة في الختام.. وهي أن تتحاشوا العنف واستخدام السلاح لتغيير الأوضاع لأن هذا الطريق نوع من الاستعجال الذي لا يجدي بشيء ومحاولة الوصول للغاية بأقصر طريق، وأن الانقلاب المستقيم.. أن تنشروا دعوتكم علنًا، وتقوموا بإصلاح قلوب الناس وعقولهم بأوسع نطاق، أما إذا استعجلتم في الأمر، وقمتم بالانقلاب بوسائل العنف، ثم نجحتم في هذا الشأن إلى حد ما، فسيكون مثله كمثل الهواء الذي دخل من الباب ليخرج من النافذة، هذه هي النصيحة التي أحببت توجيهها لكل من يقوم بالدعوة الإسلامية «واجب الشباب المسلم اليوم - ص «٢٦».

ثم إن الحقيقة التي يجب أن تسجل ويعيها الذين ينشدون التغيير وهي أن الله . سبحانه وتعالى - لا يولي على الناس أمثال أبي بكر وعمر إذا لم يكونوا بمستوى رعية أبي بكر وعمر، والجزاء من جنس العمل، وكما تكونوا يولى عليكم، فكيف يصح في الأذهان أن الناس في بعدهم عن الدين والأخلاق الإسلامية في حياتهم الخاصة والعامة، حيث الحقد والحسد، وحب المال وأكله بالباطل، وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. هل هؤلاء يستحقون أن يكرمهم الله - سبحانه وتعالى - برجل صالح يحكمهم؟ إن سنة الله في التغيير تأبى ذلك، وكل خروج عن هذه القاعدة فهو الفشل والأخطاء المتراكمة والعجز واللوم. 

فهذه الحركات لم تكن قوية بما فيه الكفاية لإزاحة هذه الدول المتمكنة القوية التي تعتمد على جيوش منظمة وأموال كثيرة، كما تعتمد على المكر والدهاء، هذا مع استقرارها الذي يؤيده أكثر العوام، ولذلك يقع الفشل تلو الفشل، والذل والإهانة والألم والندم، فهل قدمت هذه الحركات من خير؟

قد يقول قائل نعم!! إنه ذلك من مؤشرات الخير في الأمة التي لا تزال تدفع من رحمها بأبناء لها لمواجهة الظلم والطغيان إرادة للإصلاح والمعروف ونهيًا عن المنكر والبغي، ولكن أخطأت الطريق وتبقى هذه الحركات بإيجابياتها وسلبياتها جزءًا من تاريخ المسلمين يمكن الاستفادة منه (1)!

(1) حركة النفس الزكية للعبرة. ص ١٤٩

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

155

الثلاثاء 07-أبريل-1970

مجليات 4

نشر في العدد 10

143

الثلاثاء 19-مايو-1970

كيف ربّى النبي جنده؟

نشر في العدد 17

147

الثلاثاء 07-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 17