; من صاحب القرار؟ | مجلة المجتمع

العنوان من صاحب القرار؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1981

مشاهدات 75

نشر في العدد 545

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 29-سبتمبر-1981

الاعتقالات الجماعية التي قام بها حاكم مصر أخيرًا، وما رافقها من إجراءات بإغلاق عدد من الصحف وتقييد الحريات، وكم للأفواه، والتي جاءت مع إجراءات مشابهة في تونس وأقطار عربية أخرى تدل على أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم في وطننا علاقة غير صحيحة علاقة مبنية على أسس غير مرضي عنها، لا في الإسلام ولا في نظريات الديمقراطية: القديمة منها والحديثة. 
وإذا كانت العلاقة بين الحاكم والمحكوم غير صحيحة، وغير مرضي عنها، فهل يعود هذا إلى كون الحاكم العربي غير ملم بأصول الحكم؟ أم يعود إلى أن هذا الحاكم لا يريد أن يخضع لتلك الأصول والاعتبارات والأسس مع إلمامه بها وفهمه لها؟ أم يعود إلى مزاجية هذا الحاكم واتباعه لهواه في كل ما يصدر عنه ويأمر به؟ أم أنه يعود إلى اعتبارات وأسباب أخرى، غير تلك التي ذكرنا، وهي أن الحاكم العربي غير مستقل في حكمه فهو يحكم بما يملى عليه من القوى الأرضية الأخرى التي تكفل له مقابل انصياعه لأوامرها، حماية كرسي حكمه؟
والإجابة، كما نرى هي أن بعض هذه الأسباب أو جميعها، هي التي توجه معظم الحكام العرب اليوم وهي التي تجعل العلاقة بينهم وبين شعوبهم علاقة خصومة وعداء، ذلك أن تلك الشعوب تسمع حكامها تردد أن الحكم للشعب، وأنهم أي الحكام- يحكمون باسم الشعب ويفعلون ما يفعلون من أجله، ولتوفير الأمن والرفاه له. في حين أن الشعوب ترى غير ذلك، حتى بات مستقرًا في وجدانها أن قولة الحق ستغضب هذا الحاكم، وغضبه يعني التنكيل والتشريد.. والقتل والسحل أحيانًا.. ماذا ينشأ عن هذا أيضًا؟ لقد نشأت طبقة من الشعب تنافق للحاكم تهتف له وتصفق، وتسعى إلى نيل رضاه، محقًّا كان أم مبطلًا، وهدفها من وراء هذا توفير الأمن لنفسها من بطشه، وتأمين رزقها خشية قطعه ظنًّا منها أن الحاكم هو الذي يقطع الأرزاق.
وحين تنشأ مثل هذه الطبقة في الشعب، تنتشر أمراض اجتماعية كثيرة مثل الرشوة والمحسوبية. وتتغير الموازين، فتسند المناصب إلى المقربين من السلطان، لا إلى أصحاب الخبرة والكفاءة. 
وهكذا ينخر السوس في بنيان الأمة وتتداعى الأعمدة لتكون آيلة للسقوط إلا إذا سبقت رحمة الله، فتداركت البلاد والعباد.
من هنا يجب علينا ألا نحسب أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم علاقة محصورة في مجالات معينة، وأن لا ضرر كبيرًا ينتج عنها إذا ساءت. ومن هنا أيضًا كان الإسلام يجعل منبع الخير في الحاكم العادل، ومنبع الشر في الحاكم الظالم. حتى كثرت الأحاديث الصحيحة التي توضح هذا وتظهره، فكان الحاكم العادل أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وكان دعاؤه مجابًا، وكان العقاب يشمل الأمة كلها إذا لم تأخذ على يد الحاكم الظالم. وغير هذا كثير مما أوضحته الأحاديث النبوية الشريفة. 
إذن، فصلاح العلاقة بين الحاكم والمحكوم وهي في الحقيقة صلاح الحاكم أولًا- يقي الأمة من شرور كثيرة، ويحميها من الفتن والأزمات ويكفل لها حياة متقدمة سعيدة وسوء هذه العلاقة يجلب لها الشرور والمصائب، ويوقعها في الفتن والأزمات، ويحرمها من الحياة المستقرة السعيدة.
ولو عدنا إلى ما بدأناه لنحدد مظاهر سوء العلاقة بين الحاكم العربي وشعبه، فإننا نحاول تحديدها في الأمور التالية:
•    نظرة الحاكم العربي إلى شعبه بصورة عامة نظرة تكاد تكون خالية من احترام إنسانية المواطن الذي يحكمه، فهو لا يكتفي بمصادرة حرية الرأي، بل يعمل على قهر المواطن وإذلاله، ومحاربته إذا أعلن معارضته لأسلوب الحكم- في كل شيء من حرمانه من احتلال المنصب الجدير به إلى لقمة العيش التي تكفل استمرار حياته.
•     مع استمرار الحاكم العربي في الحكم، تصغر في عينه القيم وتتراجع- المبادئ، ويصبح اهتمامه مركزًا في البقاء على كرسي الحكم، فلا انتخابات ديمقراطية تغيره، ولا معارضة شعبية تزيحه، ومهما أخطأ وبعضهم مهما أجرم- لا تتكون عنده قناعة بأنه يجب أن يتخلى عن الحكم، بل يزداد إصراره عليه، وتمسكه به وإن أراق دماء الآلاف، وزج بالشعب كله في المعتقلات.
•     تنشأ مُسلَّمة، لدى الحاكم العربي المستبد، وهي أن وجوده لا يمكن أن يستمر إذا لم يعتمد على قوة خارجية. أو أن وجود هذا الحاكم في الحكم أصلًا، لم يكن إلا لاعتماده على قوة خارجية ساعدته في الوصول إلى الحكم. وفي كلا الحالين يصبح الحاكم أداة منفذة لتلك القوة، ويكون الحكم شكلًا من أشكال الاستعمار غير المباشر.
وهذا الوضع الذي يتضح الآن كثيرًا في مصر، حيث يتلقى السادات الأمر والنهي من قادة اليهود في فلسطين المحتلة، ومن زعماء الولايات المتحدة بدءًا بنيكسون وانتهاء بريغان، يعني أن صاحب القرار ليس الحاكم نفسه، إنما هو أداة تنفذ ما يصدر إليها من تعليمات، وتؤدي ما يرسم لها من مهام...
وعليه نقول: إن صاحب قرار الحرب على الحركة الإسلامية في مصر، بل على الإسلام كله، ليس أنور السادات الأداة المنفذة، إنما هو اليهودية العالمية ممثلة بقادة اليهود في فلسطين، وهو الصليبية الدولية ممثلة بزعماء الولايات المتحدة.
وحين يكون الحال كذلك، حين يكون بعض الحكام العرب ليسوا أصحاب القرار، فإنه يجب أن تعلن الدعوة من أجل تحرير جديد للأوطان لأن الشعوب مازالت مسلوبة الحرية وخيرات البلاد مازالت مضيعة منهوبة، وعقيدة الأمة مازالت غريبة عن الحياة وتطبيقاتها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل