; الدكتور توفيق الشاوي يكتب: من غابة الشياطين في آسيا الوسطى «٣ من ٤» | مجلة المجتمع

العنوان الدكتور توفيق الشاوي يكتب: من غابة الشياطين في آسيا الوسطى «٣ من ٤»

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1993

مشاهدات 63

نشر في العدد 1062

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 17-أغسطس-1993

«الوسواس الخناس» في قيرغيزيا

في «بشتك» عاصمة جمهورية قيرغيزيا أو قرقيزيا وفي الفندق الكبير الذي نزلنا به التقينا بأحد الأمريكيين من أصل مصري، يعمل بإحدى الهيئات الدولية، لم نكن نعرفه من قبل، لكنا ائتنسنا به، وبحديثه عن أحوال «العالم الجديد» ولم يدر بخلدنا أن له علاقة بالشياطين.

جلسنا للغداء، وجاء أحد إخواننا متأخراً ومعه ضيف من تلك البلاد، فدار الحديث حول أحوالها، لكنا اكتشفنا أن الضيف هو من طاجيكستان وممن هربوا من حملة الاضطهاد التي يمارسها الانقلابيون الشيوعيون ضد الحكومة الوطنية التي كانت تضم جبهة الأحزاب غير الشيوعية «ومنها حزب النهضة الإسلامي» والتي كانت تحظى بتأييد البرلمان المنتخب.

كان هذا الصديق الطاجيكي يصف لنا الأهوال التي يلاقيها الإسلاميون والوطنيون غير الشيوعيين من المطاردة، والقمع الوحشي الذي يمارسه الانقلابيون الشيوعيون الذين اغتصبوا السلطة بتأييد من الجيش الروسي علانية وجهراً.. وأبدى دهشته من ستار الصمت الكامل من العالم كله ابتداء من القوى الأجنبية وخاصة دول أوروبا وأمريكا، بل والعالم العربي والإسلامي. وقال الضيف: إن كثيراً من المدنيين هربوا من البلاد بنسائهم وأطفالهم متوجهين إلى أفغانستان المجاورة فتابعهم الشيوعيون وقتلوا منهم آلافاً غير الذين غرقوا في النهر الذي اضطروا لعبوره للوصول إلى إخوانهم الطاجيك في شمال أفغانستان.

وقال إنه فضل أن يتجه إلى هذه البلاد لأنه علم أن من سبقوه إلى عبور الحدود إلى شمال أفغانستان لم يجدوا ما كانوا يتوقعونه من غوث وعناية لظروف إخوانهم الأفغانيين وخاصة الطاجيك في شمال أفغانستان. قال أحدنا: إنهم مشغولون بالدفاع عن كابول التي استولوا عليها بعد انهيار الحكم الشيوعي والآن تهاجمها بعض الأحزاب.

قال الأمريكي: إن الهجوم على كابول في هذا الوقت أعطى الفرصة للشيوعيين للقضاء على حزب النهضة الإسلامي في طاجيكستان دون أن يتلقى أي عون أو حتى إنقاذ من جانب إخوانهم في شمال أفغانستان. قال أحد الحاضرين: إنك تريد أن نفهم أن الذين هاجموا كابول قد ساهموا في مأساة حزب النهضة الإسلامي في طاجيكستان؟

قال الأمريكي: ربما عن غير قصد من جانبهم ولكن القصد موجود عند بعض الجهات الأجنبية التي تؤيد هذا الهجوم لكي تسهل على الانقلابيين الشيوعيين القضاء على حزب النهضة الإسلامي في آسيا الوسطى، وهذا يفسر المساعدات التي تقدم له من بعض الجهات الخارجية. قال أحدنا: وما الجهات التي تساعد هؤلاء على مهاجمة كابول في هذا الوقت إضراراً بموقف حزب النهضة في طاجيكستان ولتشجيع الشيوعيين هناك.

قال الأمريكي: لا داعي لاتهام أمريكا بذلك لأن بعض الهيئات هي التي تساعد لأسباب شخصية أو عاطفية أو سياسية.. والشيوعيون انتهزوا هذه الفرصة لينفذوا حركة انقلابية ويقضوا على حزب النهضة في طاجيكستان دون أن يجد أي عون من أفغانستان التي تمزقها هذه المعارك بين جماعات المجاهدين وأعتقد أنهم نجحوا في ذلك.

قال أحدنا: صحيح أن الحرب الأهلية الآن بين المجاهدين في أفغانستان قد مكنت الشيوعيين في طاجيكستان من تنفيذ مؤامرتهم الانقلابية للقضاء على حزب النهضة الإسلامي دون أن يلقى مساعدة تذكر. قال آخر: كثيرون يصورون هذه المعارك بين فصائل المجاهدين في أفغانستان على أنها نتيجة عوامل داخلية أو طائفية أو شخصية - ولكن لا يجوز أن نتجاهل أن هناك عملاء لبعض القوى الأجنبية يعملون لإثارة الفتن بين المجاهدين.

قال الأمريكي: مازلتم دائماً تتجاهلون أخطاءكم وعيوبكم وتلقون المسؤولية على القوى الأجنبية. قال أحدنا: إن الصواريخ والقنابل التي تستخدم الآن لضرب كابول لم تصنع في أفغانستان ولا في باكستان وإنما جاءتهم من الخارج. قال آخر: عن طريق باكستان.

قال الأمريكي: إنك تعلم أن أمريكا هي التي زودتهم بهذه الأسلحة ولكنك تعرف أن ذلك كان في فترة المقاومة ضد الاتحاد السوفيتي.. إن أمريكا كانت تساعدهم في ذلك الوقت لمصلحتها الواضحة في الانتقام من الاتحاد السوفيتي بإيقاع هزيمة عسكرية بجيشه لأن السوفييت ساعدوا فيتنام في الانتصار على الجيش الأمريكي من قبل، وقد تحقق لأمريكا هذا الهدف وخرج الجيش السوفيتي من أفغانستان مثخناً بالجراح كما خرج الجيش الأمريكي من قبل من فيتنام مهزوماً، بل إن هذه الهزيمة التي لحقت بالاتحاد السوفيتي كانت لها نتائج بعيدة المدى لم يكن يتوقعها أحد بهذه السرعة، لأنها أدت إلى انهيار الاتحاد السوفيتي واستسلامه لأمريكا.

قال أحدنا: وهل تذكر أن أمريكا - أو على الأقل إسرائيل - وروسيا أيضاً - لها الآن مصلحة في هذا الهجوم الذي تشنه إحدى فصائل المجاهدين على كابول وأنت قلت إنه مكن الشيوعيين في طاجيكستان من الانقلاب على الحكومة المنتخبة هناك والقضاء على حزب النهضة الإسلامي. قال آخر: إنك قلت إن هذه المعارك الداخلية لها أبعاد خارجية، وإنها كانت من أهم الأسباب في نجاح الانقلاب الشيوعي في طاجيكستان وتمكين القائمين به من إبادة حزب النهضة الإسلامي هناك فكيف تنكر أن هناك جهات أجنبية ساهمت في إشعال هذه الفتنة.

قال الأمريكي: إن الانقلاب الشيوعي في طاجيكستان لم يكن حدثاً داخلياً؛ لأن الجيش الروسي الموجود هناك قام فيه بالدور الأكبر ولأن حكومة أوزبكستان المجاورة شجعته وأيدته خوفاً من نمو التيار الإسلامي في بلادها. قال أحدنا: وهل هناك علاقة بين حكومة أوزبكستان وبين الميليشيا الأوزبكية في أفغانستان.

قال آخر: إن هذه الميليشيات نظمها الشيوعيون، وهناك احتمال كبير في أن قوى خارجية تمولها وتساعدها الآن لتقوم بدورها في إشعال الفتنة في كابول، وأعتقد أن روسيا ما زال لها عملاء يقومون بهذا الدور، وربما ساهمت أوزبكستان في ذلك أيضاً. قال أحد الحاضرين: إن إبادة حزب النهضة الإسلامي بعد أن حاز نصراً كبيراً في الانتخابات في طاجيكستان كان خدمة كبرى لنفوذ إسرائيل وحلفائها في آسيا الوسطى، وقد تم ذلك دون أن يكلفهم شيئاً يذكر؛ لأن بقايا الحزب الشيوعي والجيش السوفيتي وعملاء الروس تولوا هذه المهمة.

قال الأمريكي: لا أريد أن أتطوع بالتصريح بأن إسرائيل شجعتهم أو دفعتهم لذلك، فإنكم سوف تعزون أنفسكم بهذا القول لكي تنسوا أن بعض الجهات الإسلامية كانت تساعد من يشعلون الحرب الأهلية في أفغانستان، ثم إن وقوفكم منها موقفاً سلبياً أعطى للشيوعيين في طاجيكستان وأوزبكستان فرصة تاريخية للقضاء على حزب النهضة وعلى التيار الإسلامي في تلك الجمهورية المجاورة لأفغانستان.

إن الهجوم على كابول هو الذي حال دون تمكن الطاجيك في شمال أفغانستان من مساعدة حزب النهضة أو حتى مساعدة اللاجئين الذين هربوا من القمع الشيوعي في طاجيكستان ومات منهم الألوف أثناء الهرب إلى شمال أفغانستان بنسائهم وأطفالهم ومازالوا يموتون من البرد والجوع حتى الآن.

إنكم الآن تريدون توجيه الاتهام لعملاء إسرائيل أو الشيوعيين السابقين عملاء روسيا الاتحادية، أو حكام أوزبكستان، وهؤلاء كلهم إذا صح أنهم قاموا بدور إشعال الفتنة بين فصائل المجاهدين فإنهم يعملون ذلك لتحقيق مصالحهم وتنفيذ خططهم لقمع التيار الإسلامي في آسيا الوسطى.

قال أحدنا: ليس هذا فقط، بل إن هناك هدفاً أكبر من ذلك هو تشويه صورة الجهاد الإسلامي والتشهير به بإظهار هؤلاء المجاهدين على أنهم ليسوا عقائديين كما يصورهم دعاة الإسلام وليسوا وطنيين كذلك وإنما يعملون لأهداف حزبية وشخصية ولا يترددون في استعمال أبشع وسائل العنف ضد المدنيين في كابول من أجل مصالح حزبية أو أغراض شخصية لا علاقة لها بالإسلام ولا بالوطنية.

قال الأمريكي: هذا هو ما يقال الآن في أمريكا وهذه الدعاية السوداء توجه إلى جميع الحركات الإسلامية في كثير من الأقطار ولكن المسؤول عن ترويج هذه الاتهامات هم هؤلاء «المجاهدون» ومن يؤيدونهم من الإسلاميين الذين فعلوا دون تفكير في النتائج البعيدة.

إن سبب هذا كله أن هؤلاء «الإسلاميين» يدخلون ميدان السياسة بعقلية الجهاد.. وليس لديهم مؤهلات العمل السياسي، وخاصة منها التعامل مع الأبعاد الاستراتيجية لكل قضية.. إن الذين يهاجمون كابول يريدون اقتحامها للحصول على نصيبهم من السلطة.. ولا يفكرون في الأبعاد الأخرى لهذا العمل.. ولا يدركون أن أعداءكم سوف يستفيدون منه ويستغلونه لتنفيذ خطتهم في تنفيذ الانقلاب الشيوعي في طاجيكستان وتدعيم الحكم القائم في أوزبكستان وهذا هو ما حدث فعلاً.

إنكم تشكون من أن الإعلام العالمي يستغل هذه المعارك بين الفصائل الأفغانية لتشويه صورة «الجهاد» الإسلامي - والسبب في ذلك أن بعضهم يصورون أهدافهم على أنها «إسلامية»، مع أنها ليست كذلك.. إنها مصالح شخصية أو حزبية ولها مثيلات في جميع أنحاء العالم وخاصة في البلاد «المتخلفة».

ومن واجبي أن أقول لكم إن تشويه صورة الجهاد الإسلامي هو أول أهداف عملاء إسرائيل في السياسة والإعلام في الوقت الحاضر منذ بدأت الانتفاضة الفلسطينية وظهر دور الإسلاميين فيها، وأصبحوا هم الخطر الأول الذي يهدد وجود إسرائيل ولذلك فإن الإسرائيليين وعملاءهم يسعون لاستغلال جميع الظروف لإثارة ضجة إعلامية لتشويه صورة الجهاد والمجاهدين وتصوير الجهاد على أنه عنف وإرهاب، وهناك أمر آخر يتجاهله كثير من الإسلاميين، وخاصة الذين يرفعون شعارات الجهاد - هو أنكم تتجاهلون أن أول أصول السياسة الناجحة هو ألا تعزل نفسك عن الجميع وتدخل معركة ضد العالم كله في وقت واحد. لا شك أن الشيوعيين والروس والإسرائيليين هم ضد التيار الإسلامي ولهم أعوان ممن يتولون الحكم في كثير من الأقطار العربية وغيرها، لكن الأمريكيين كانوا حلفاء لكم وساعدوا هؤلاء المجاهدين في مقاومة الغزو السوفيتي وبعد أن تحقق لهم النصر أداروا ظهورهم لأمريكا ولم يفعلوا شيئاً للاحتفاظ بصداقتها وضمان حد أدنى من التعاون معها، هذا أمر ضروري لكي يتمكنوا من تعمير بلادهم التي خربتها الحرب، هذا إذا كانوا يريدون حقاً تعميرها أما الآن فالظاهر أنهم يعملون المزيد من الخراب فيها.

قال أحدنا: كفى.. كفى.. يكفينا هذا اليوم..


اقرأ أيضًا:

ترسيخ الهيمنة الروسية ومكافحة العنصر الإسلامي

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

193

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟

نشر في العدد 14

123

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مفهومات خاطئة 4