; من مائدة النبــوة | مجلة المجتمع

العنوان من مائدة النبــوة

الكاتب عبد الله السند

تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1976

مشاهدات 69

نشر في العدد 325

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 16-نوفمبر-1976

عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ :  «يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق». رواه البيهقي في شعب الإيمان.

هذا الحديث اشتمل على ثلاث جمل كل واحدة منها تحتها علم عظيم.

أما الجملة الأولى -فهي في بيان العقل وآثاره وعلاماته- وأن العقل الممدوح في الكتاب والسنة هو قوة ونعمة أنعم الله بها على العبد يعقل بها الأشياء النافعة والعلوم والمعارف ويتعقل بها ويمتنع في الأمور الضارة والقبيحة فهو ضروري للإنسان لا يستغنى عنه في كل أحواله الدينية والدنيوية إذ يعرف النافع والطريق إليه ويعرف الضار وكيفية السلامة منه، والعقل يعرف بآثاره.

فبين   في هذا الحديث آثاره الطيبة فقال: لا عقل كالتدبير- أي تدبير العبد لأمور دينه ولأمور دنياه فتدبيره لأمور دينه أن يسعى في تعرف الصراط المستقيم، وما كان عليه النبي الكريم في الأخلاق والهدى والسمت ثم يسعى في سلوكه بحالة منتظمة كما قال ﷺ: «استعينوا بالقدوة والروحة وشيء في الدلجة» والقصد القصد تبلغوا، وبيان الطريق الذي أرشد إليه الرسول  وأنها طريق سهلة توصل إلى أمن وإلی دار کرامته بسهولة وراحة، وأنها لا تفوت على العبد من راحته وأموره الدنيوية شيئًا، بل يتمكن العبد معها من تحصيل المصلحتين والفوز بالسعادتين، والحياة الطيبة، فمتى دبر أحواله الدينية بهذا الميزان الشرعي فقد كمل دينه وعقله؛ لأن المطلوب من العقل أن يوصل صاحبه إلى العواقب الحميدة من أقرب طريق وأيسره، وأما تدبير المعاش فإن العاقل يسعى في طلب الرزق بما يتضح له أنه أنفع وأجدى عليه في حصول مقصوده، ولا يتخبط في الأسباب خبط عشواء لا يقر له قرار بل إذا رأى باب رزق فليلزمه؛ ليثابر عليه وليجمل في الطلب، ففي هذه بركة مجربة ثم يدبر تدبير آخر وهو التدبير في التصريف والإنفاق فلا ينفق في طرق محرمة أو طرق غير نافعة أو يسرف في النفقات المباحة أو يقتر وميزان ذلك قوله تبارك وتعالى في مدح عباده الصالحين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان:67).

فحسن التدبير في كسب الأرزاق وحسن التدبير في الإنفاق والتصريف والحفظ، وتوابع ذلك دليل على كمال عقل الإنسان ورشده، وضد ذلك دليل على نقصان عقله وفساد لبه.

الجملة الثانية: قوله : «لا ورع كالكف» فهذا حد جامع للورع يبين به رسول الله   أن الورع الحقيقي هو الذي يكف نفسه وقلبه ولسانه وجميع جوارحه عن أمور محرمة ضارة، فكل ما قاله أهل العلم في تفسير الورع، فإنه يرجع إلى هذا التفسير الواضح الجامع فمن حفظ قلبه عن الشكوك والغل والحسد والحقد وعن سائر مساوئ الأخلاق وحفظ لسانه عن الغيبة والنميمة والكذب والشك وعن كل إثم وأذى وكلام محرم وحفظ فرجه وبصره عن الحرام وحفظ بطنه عن أكل الحرام وجوارحه عن كسب الآثام فهذا هو الورع الحقيقي حقيقة ومن ضيع شيئًا من ذلك نقص من ورعه بقدر ذلك، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (الورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة).

الجملة الثالثة قوله ﷺ : «ولا حسب كحسن الخلق» وذلك أن الحسب مرتبة عالية عند الخلق وصاحب الحسب له اعتبار وشرف بحسب ذلك وهو نوعان النوع الأول حسب يتعلق بنسب الإنسان وشرف بيته، وهذا النوع إنما هو مدح؛ لأنه مظنة أن يكون صاحبه عاقلًا مقتضى حسبه مترفعًا عن الدنايا متحليًا بالمكارم فهو مقصود لغيره.

وأما النوع الثاني فهو الحسب الحقيقي الذي هو وصف للعبد وجمال له وزينة وخير في الدنيا والآخرة وهو حسن الخلق المحتوي على الحلم الواسع والصبر والعفو وبذل المعروف والإحسان واحتمال الإساءة والأذى ومخالطة طبقات الناس بخلق حسن وإن شئت فقل حسن الخلق نوعان:

الأول حسن الخلق مع الله تعالى، وهو أن تتلقى أحكام الشريعة والانقياد لشرعه بطمأنينة ورضى وشكر لله على ما أنعم به من الأمر والتوفيق والصبر على أقداره المؤلمة والرضى بها.

الثاني حسن الخلق، مع الخلق وهو بذل الفدى واحتمال وكف الأذى كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (الأعراف:199).

فمن قام بحسن الخلق مع الله ومع الخلق فقد نال الخير والفلاح، والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

974

الثلاثاء 17-مارس-1970

دروس من الهجــرة وما سبقها

نشر في العدد 10

123

الثلاثاء 19-مايو-1970

يوميات المجتمع - العدد 10

نشر في العدد 10

129

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم