العنوان من مائدة النبوة عدد 313
الكاتب عبد الله السند
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1976
مشاهدات 91
نشر في العدد 313
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 17-أغسطس-1976
عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» متفق عليه.
عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق عليه. وفي رواية لمسلم «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».
هذان الحديثان يدخل فيهما الدين كله أصوله وفروعه.. ظاهره وباطنه. فحديث عمر رضي الله عنه ميزان للأعمال الباطنة، وحديث عائشة رضي الله عنها ميزان للأعمال الظاهرة. ففيهما الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول اللذان هما شرط لكل قول وعمل ظاهر وباطن، فمن أخلص أعماله لله متبعًا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا الذي عمله مقبول، ومن فقد الأمرين أو أحدهما فعمله مردود.
والجامع للوصفين داخل في قوله تعالى ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ (النساء: 125) أما النية فهي قصد العمل تقربًا إلى الله وطلبًا لمرضاته وثوابه، فيدخل في هذا نية العمل ونية المعمول له، أما نية العمل فلا تصح الطهارة بأنواعها ولا الصلاة بأنواعها والزكاة والصوم والحج وجميع العبارات إلا بقصدها ونيتها، فينوي تلك العبادة المعينة، وإذا كانت العبادة تحتوي على أجناس وأنواع كالصلاة منها الفرض والنفل المعين من فرض أو نفل معین کوتر أو راتبة فلابد مع نية الصلاة أن ينوي ذلك المعين، وهكذا بقية الصلاة ولا بد أيضًا أن يميز العادة عن العبادة، فمثلًا الاغتسال يقع نظافة أو تبردًا ويقع عن الحدث الأكبر وعن غسل الميت وللجمعة ونحوها، فلا بد أن ينوي فيه رفع الحدث، أو ذلك الغسل المستحب، وكذلك يخرج الدراهم مثلًا للزكاة أو للكفارة أو للنذر أو للصدقة المستحبة أو هدية، فالعبرة في ذلك كله على النية، ومن هذا حيل المعاملات إذا عامل معاملة ظاهرها وصورتها الصحة ولكنه يقصد بها التوسل إلى معاملة ربوية، أو يقصد بها إسقاط واجب أو توسلًا إلى محرم، فإن العبرة بنيته وقصده لا بظاهر لفظه فإنما الأعمال بالنيات، ويدخل في ذلك جميع الوسائل التي يتوسل بها إلى مقاصدها، فإن الوسائل لها أحكام المقاصد صالحة أو فاسدة وأن يعلم المصلح من المفسد.
وأما نية المعمول له فهو الإخلاص لله في كل ما يأتي العبد ويذر وفي كل ما يقول ويفعل، وذلك أن على العبد أن ينوي فيه كلية شاملة لأموره كلها مقصود بها وجه الله والتقرب إليه وطلب ثوابه والخوف من عقابه، ثم يستصحب هذه النية في كل فرد من أفراد أعماله وأقواله وجميع أحواله، حريصًا فيه على تحقيق الإخلاص وتكميله، ودفع كل ما يضاده من الرياء والسمعة وقصد المحمدة عند الخلق، بل إن حصل شيء من ذلك فلا يجعله العبد قصده، بل يكون القصد منه وجه الله وطلب ثوابه من غير التفات للخلق والأرجاء لنفعهم أو مدحهم فقوله صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات» أي إنها لا تحصل أو تكون إلا بالنية، وأن مدارها على النية ثم قال «وإنما لكل امرئ ما نوى» أي إنها بحسب نية العبد، صحتها أو فسادها، كمالها أو نقصها، فمن نوى فعل الخير وقصد به المقاصد العليا وهي ما يقرب إلى الله فله الثواب والجزاء الكامل الأوفى، ومن نقصت نيته إلى غير هذا المقصد الجليل فاته الخير.
ولهذا ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا لقياس جميع الأمور عليه فقال: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» أي حصل له ما نوى ووقع أجره على الله «ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه».
خص فيه المرأة التي يتزوجها بعدما عم جمع الأمور الدنيوية؛ لبيان أن جميع ذلك غايات دنيئة ومقاصد غير نافعة، وكذلك حين سئل صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة أو حمية أو ليرى مقامه في صف القتال «أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».
والأعمال إنما تتفاضل ويعظم ثوابها بحسب ما يقوم بقلب العامل من الإيمان والإخلاص، حتى إن صاحب النية الصادقة وخصوصًا إن اقترن بها ما يقدر عليه من العمل يلتحق صاحبها بالعامل، وإذا هم العبد بالخير ثم لم يقدر له العمل كتبت همته ونيته له حسنة كاملة، والإحسان إلى الخلق بالمال والقول والفعل خير وأجر وثواب عند الله.
وكذلك تجري النية في المباحات والأمور الدنيوية، فإن من قصد بكسبه وعمله الدنيوي الاستعانة بذلك على القيام بحق الله وقيامه بالواجبات والمستحبات، واستصحب هذه النية الصالحة في أكله وشربه ونومه وراحته ومكاسبه انقلبت عاداته عبادات، وبارك الله للعبد في أعماله وفتح له من أبواب الخير والرزق أمورًا لا يحتسبها ولا تخطر له على بال، ومن فاتته هذه النية الصالحة لجهله أو تهاونه فلا يلومن إلا نفسه، فعلم بهذا الحديث أنه جامع لأمور الخير كلها، فحقيق بالمؤمن الذي يريد نجاة نفسه ونفعها أن يفهم معنى هذا الحديث وأن يكون العمل به نصب عينيه في جميع أحواله وأوقاته.
وأما حديث عائشة رضي الله عنها فإن قوله صلى الله عليه وسلم «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» أو «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» فيدل بالمنطوق والمفهوم.
أما المنطوق فيدل على أن كل بدعة أحدثت في الدين ليست أصل في الكتاب ولا في السنة، سواء كانت من البدع القولية الكلامية كالتجهم والاعتزال وغيرها، أو من البدع العملية كالتعبد لله بعبادات لم يشرعها الله ولا رسوله فإن ذلك كله مردود على أصحابه، وأهله ملومون بحسب بدعهم وبعدها عن الدين، فمن أخبر بغير ما أخبر الله به ورسوله أو تعبد بشيء لم يأذن الله ورسوله به ولم يشرعه فهو مبتدع، ومن حرم المباحات أو تعبد بغير الشرعيات فهو مبتدع، وأما مفهوم هذا الحديث فإن من عمل عملًا عليه أمر الله ورسوله وهو التعبد بالعقائد الصحيحة والأعمال الصالحة من واجب ومستحب فعمله مقبول وسعيه مشكور.
ويستدل بهذا الحديث على أن كل عبادة فعلت على وجه منهى عنه فإنها فاسدة لأنه ليس عليها أمر الشارع، وأن النهي يقتضي الفساد وكل معاملة نهى الشارع عنها فإنها لاغية لا يعتد بها والله المستعان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل